كفرت بالسياسة في العالم العربي والإسلامي – د.عبدالسلام فزازي- جامعة ابن زهر باغادير المغرب

آن الاوان كي أعلن كفري بالسياسة في العالم العربي والاسلامي كما كرهتها في العالم بدون استثاء..أعلن موقفي هذا غير المسبوق ولا أشعر بأي تنصل من حقي الطبيعي في الاهتمام بالشأن العام، أجل أعلم وباعتبار رسالتي الثقافية لا تسمح لي بهذا ما لم يكن في الحسبان، لكن بالمقابل لا احب أن اموت اختناقا وأنا اعاين العالم وما يجري فيه من أحداث لا تمت بصلة للانسان ومع ذلك تجري أمام أعيننا جميعنا ولا نحرك ساكنا..أجل كان علي أن لا أبوح بهذه القضايا التي باتت تخنقني بل هي أصلا أشعر بها واقفة في عنقي ولا تجعلني على الاقل أتنفس. وكم حاولت الى جانب موقفي هذا أن لا اعلنه ولا لأنني أؤمن بالحياد السلبي أو الانعزال عن قضايا الناس، بل لأن السياسة في العالم العربي والإسلامي تحولت أخوتي الى كذبة كبيرة نراها أمامنا في الركح وهي تنتمي بلا خجل إلى مسرح عبثي، تُدار فيه الأقدار بالارتجال غير المسبوق سيما حين ظهر لنا جليا خبث السياسة العالمية التي لا تدار الا بالقوة كائنا من كانت، وتُساق فيه الشعوب كما تُساق قطعان لا رأي لها ولا إرادة بل إلادهى من كل هذا أنها فقدت راعيها الذي كان من الواجب والمفروض أن يدافع عنها ولو من باب وصايا صاحب القطيع.
اعترف اخوتي المتلقين والذين هم في صفي موقفا وانسانية، على ان السياسةالتي أتكلم عنها اليوم غدت مكلومة حتى النخاع وفي أصلها انعدام فنّ التدبير، وصناعة الممكن، وبناء التوازن بين المصالح والحقوق. لكن حين تحولت قبل أن يرتد لها طرفها العجائب والغرائبي أصبحت عندي مجرد مرادف للخداع، وقرينة للزبونية، ومصطلحاً لم يعد وظيفيا لنعمة فيها نقمة ولا نقمة فيها نعمة، بقدر ما أصبحت جورا وبهتانا تستعمل للتغطية على الفساد والاستبداد وشرعنتهما طوعا أو كرها. فما أكثر ما سمعنا في ذات الوقت من أكاذيب راسبونية، ففي المغرب فقط ناهيك عن عالمنا العربي والإسلامي ف:”إصلاحات” طوقتنا دون إرادتنا أوهام زمرة من الأوباش السياسيين حيث لم تعد تُصلح لشيئ، و”مشاريع ديمقراطية” لم تُنتج سوى مزيد من اليأس والإحباط.
وحينما حاول بعض جهابذة من يسمون أنفسهم سياسيين، حاولت الهروب أنى حل وارتحل معشر أمثال هؤلاء الذين يطبق عليهم قوله تعالى: أيحب أحدكم أن يأكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه؟ فالسياسة المركبرة سلختني سلخا، علما أنها لا تنتمي لاخلاقي وسلوكي، فكفرت بالسياسة حين رأيت كيف تُستعمل كأداة لتكريس الانقسام الطائفي والعرقي، بدل أن تكون جسراً للتعايش وبناء الأوطان الجامعة. وحين لمست وعاينت، كيف تتحول الانتخابات إلى مسرحيات محفوظة السيناريو، يخرج فيها الفائز معروفاً، قبل أن يُفتح صندوق واحد الى درجة راودني فيه الإغماء؛ وفي هذا النطاق بالضبط آليت على نفسي أن أمارس سياسة وحكمة :
” لعن الله السياسة والسياسيين والناس أجمين” ولا استطيع اخفاء لوعتي حين رأيت الشباب العربي، الذي كان يحلم بالتغيير، يهاجر إما إلى المنافي أو إلى صمت داخلي يشبه الموت البطيء.
قلت مع نفسي من حقي أن أكفر السياسة لأنها والحال أنها تحولت من وعد بالحرية إلى آلية للقمع، ومن وسيلة للعدالة إلى أداة للنهب. فالسياسي عندنا، ليس خادماً للشعب، بل الشعب خادم للسياسي يا سبحان الله!. كما السلطة ليست عقداً اجتماعياً، بل امتيازاً يُوزّع على العائلات والأحزاب التي تعرف من أين تُؤكل كعكة الوطن ونجوم في السماء تنظر ولا تسعف.
إلا أن هذا الكفر ليس استسلاماً في غالب الأحيان، بل هو احتجاج أخلاقي وصرخة وعي بدا يبدو في الأفق وهذا ما يجعل الامل لا يغيب، وعلى حزني أن يتحول الى فرح مؤجل. ومع ذلك، إنني أكفر بالسياسة المزيفة لأبحث عن سياسة بديلة، سياسة الإنسان الحر، سياسة الكلمة الصادقة والضمير الحي، سياسة تجعل من الحكم مسؤولية لا غنيمة، ومن الوطن بيتاً لا سوقاً للمصالح. هذا هو الوطن الذي أحلم به وتحلم به أنت أيها العربي والمسلم وتبقى القضية قضية وعي على وشك الظهور. وكما نحلم جميعنا أن العالم العربي والإسلامي لن ينهض ما لم يتصالح مع معنى السياسة الحقيقي: التدبير بالعدل، والمشاركة بالوعي، والسلطة كتكليف لا كتشريف. وفي انتظار هذا المطل علينا قريبا ، سأظل شخصيا أردد مع كل خيبة: كفرت بالسياسة كما هي، لا كما يجب أن تكون.





