كتابات حرة

حين أهداني ماركيز وردته الصفراء- إيمان البُستاني

صورة لشخصين: رجل مسن ذو شارب رمادي يرتدي سترة داكنة مع وردة صفراء على ياقة سترته، وامرأة ذات شعر بني كثيف ومجعد تظهر مبتسمة.

– محادثة  افتراضية لطالما تمنيتها مع غابرييل غارسيا ماركيز  – 

لم يكن اللقاء مع غابرييل غارسيا ماركيز حدثًا يمكن أن يمرّ مرور الكرام.

جلس أمامي مبتسمًا، كيف لا و بيننا تاريخًا طويلاً من القراءة والخيال. كانت الوردة الصفراء تزيّن ياقة سترته، تُشبه شمس كاريبية، اردت سماع صوته هل ينساب بهدوء مثل حكاياته؟  كلامه كان مفعم بالدهشة، يختلط فيه الواقع بتاريخه الروائي الساحر.

سألته عن فن الكتابة ، أجاب : الكتابة ليست اختراعاً – إنها أن تتذكر ، كل رواية كتبتها هي منزل مبني من أنقاض الذاكرة. كنتُ صبياً في أراكاتاكا . كان منزلنا مليئاً برائحة القهوة المحمصة وهمسات الأشياء التي لم أستطع فهمها. كانت جدتي تتحدث عن الأشباح كما لو كانوا جيراناً يمرون، و يروي جدي قصصه عن الحروب كما لو أنها انتهت بالأمس فقط. كان الواقع دائما على بعد خطوة واحدة من الخيال – ولم يشكك فيه أحد .

عندما أجلس للكتابة، لا أبدأ بفكرة. أبدأ بصورة حية لدرجة أنها ترفض تركي. في مائة عام من العزلة، كان منزل جدتي والحرارة المتربة في مدينة طفولتي. والمنزل يعج بجيش نساء ، تذكرت الطريقة التي امتد بها الصمت في فترة ما بعد الظهر يعلو فيه احياناً صوت الببغاوات وكيف يمكن لكلمة واحدة أن تشكّل حكاية عبر الأجيال، وكيف لم يمت الماضي أبدا .

أكتب بعقب اليد أولا. دائماً يجب أن تحتوي الجملة الأولى على الكتاب بأكمله، مثل البذور التي تعرف بالفعل شكل الشجرة. أعيد كتابة تلك الجملة عشرات المرات حتى يكون لها إيقاع الذاكرة، حتى تبدو حتمية، كما لو كانت موجودة دائما. وبعد ذلك، أستمع. الكتابة، بالنسبة لي، هي الاستماع إلى الأصوات التي دفنها الوقت – النساء المسنات اللواتي تحدثن إلى أزواجهن المتوفين، والعقداء الذين ينتظرون رسائل لم تأت أبدا، والأطفال الذين شاهدوا الفراشات الصفراء تتجمع دون معرفة أنهم يشهدون القدر. أنا لا أخلق هذه الأصوات؛ أنا أعطيهم اللغة.

طريقتي، إذا كانت هناك واحدة، هي جعل الصوت المستحيل عادياً. رجل مربوط بشجرة الكستناء لعقود – مطر يستمر أربع سنوات-  فتاة تصعد إلى الجنة أثناء طي ملاءة سرير – الكاهن الذي يرتفع في الهواء بعد شرب الشوكولاتة الساخنة ، كله حقيقي مثل الغبار على حافة النافذة ، هذه ليست خيالات بالنسبة لي. إنها حقائق نسينا كيف نراها. هذا ما يسميه الناس “الواقعية السحرية”، ولكن بالنسبة لنا في أمريكا اللاتينية، إنها ببساطة حقيقة.

 عندما أكتب، لا أتبع الوقت. الوقت يتبعني. الموتى يسيرون بجانبنا، والماضي يقطع الحاضر، والمستقبل يتسرب من خلال الأحلام. أكتب كما لو أن الكون ليس لديه ساعة، فقط ذاكرة.

أخيرا، أراجع. بشكل مهووس. أقرأ بصوت عال كل جملة حتى تتحول الى أغنية ، تحمل كل كلمة وزناً. هدفي ليس الجمال من أجله ولكن الدقة – لأنني أكتب الى العالم، كل إيماءة، كل نذير، كل صمت له معنى.

اما خريف البطريرك الرواية التي أحببتها كثيراً ، لقد كتبتها بمشرط وليس بقلم !  لم أسمع مطلقاً هذا الكم الهائل من الموسيقى لبيلا بارتوك في حياتي مثلما سمعته حينما كتبتها ، أردت أن أكتب قصيدة عن عزلة القوة ، قمت بنمذجة الديكتاتور على مجموعة من الشخصيات الواقعية – فرانكو وتروخيو وبيرون وبينيلا وحتى البابا. لكني قمت بتصفية كل منهم من خلال عدسة الأسطورة والذاكرة والجنون. كانت النتيجة سرداً سرياليا وقمعيا، وغالبا ما يكون مظلما بدون فصول، وبالكاد أي فواصل فقرات، وجمل تمتد إلى صفحات – تحاكي الحكم الغامض الذي لا نهاية له للطاغية.

سألته:  ماذا تفعل عندما تنتهي من الكتابة ؟ 

عندما ينتهي الكتاب، أتركه ورائي. لا أشرح ذلك أبدا، ولا اسمح حتى لزوجتي مرسيدس ان تطّلع عليه حتى لا تفسد موسيقاه . تسأليني كيف أكتب يا إيمان، لكن الحقيقة أبسط من الحرفية أو الأسلوب: أكتب لمنع النسيان . ومع ذلك، فإن كل كتاب أكتبه يعلمني نفس الشيء – تلك الذاكرة، بغض النظر عن مدى شراسة مطاردتنا لها، تنزلق دائما.

يميل للخلف، ويبتسم بشكل خافت، سألته عن الكتاب الذي أوصله لجائزة نوبل : سأتحدث لكِ الان تقصدين مائة عام من العزلة : ” إذا كنتِ تحملين ماكوندو في قلبكِ او إنكِ شممت رائحة اللوز المر للحب المحكوم عليه ، أو سمعتِ  أجنحة الفراشات الصفراء غير المرئية، أو تجولتِ في بلدة اختفى فيها الأرق – فذلك لأن ماكوندو ليس مكاناً ، إنه بلد الذاكرة السري، ونعود جميعا إلى هناك عاجلا أم آجلا حينها اقول الان قد أنجزت أنا عملي والباقي هو الصمت. 

ابتسم وقال مازحاً : ـ طيب يا قارئتي الحريصة، ماذا أعجبك من كتاباتي؟

تجمدت في مقعدي ، هذه لحظة رهيبة اختنقت الكلمات في الحلق قلتُ : ـ أعجبني كل حرف كتبتهُ ، ولو بيدي لأهديتُكَ جائزة نوبل مرتين!

أحسستُ أن اللحظة أكبر من الكلمات، و علي ان اعترف بكل ما لدي من إعجاب تجاهه لانها لحظة لا تعوض، ومع ذلك بدأتُ أُحدّثه،  قارئةٌ مؤمنة بكاتبها نجمها الأبدي : لقد أذهلتني في خريف البطريرك، تلك اللغة التي تشتعل كالسيمفونية. كأننا نسمعها من وراء زجاجٍ نرى عبره عوالم الطاغية، دون أن نحترق بنيرانه.

أما مائة عام من العزلة فقد أوقعتني في حيرة الأسماء المكررة، بين جيش الأجداد والأحفاد، حتى اضطررتُ إلى قراءة ثانية بعد أن رسمتُ شجرة العائلة… وهكذا نجوت من التيه.

الحب في زمن الكوليرا أخذتني بنهايتها العظيمة، أما ليس للكولونيل من يكاتبه، فتبقى في الذاكرة بطقطقة كعب حذاء العقيد ، وصوت سعال زوجته المتعبة، وسخرية طبيب القرية، وشؤم ساعي البريد، وضوضاء الصبية حول ديكٍ مربوطٍ إلى السرير، وعلبة بنٍّ خاوية… تفاصيل لم تغادرني رغم مرور السنين.

وحكاية إيرينديرا البريئة، كانت زلزالية، تكشف مأساة استغلال الإنسان من أقرب الناس إليه، بكى قلبى وانا اقرأها .

أما رائحة الجوافة فقرأتها كمن يرقص على أنغام التانغو، بإيقاع القلب والدهشة معًا، لم احسب فناجين القهوة التي شربتها مستمتعة بما اقرأ. 

ولا أنسى طبعاً اثنتا عشرة قصة قصيرة مهاجرة؛ كم تمنيتُ لو لم تمتلك سلة مهملات ! ولم ترمِ فيها ما كتبتَ ساعة غضب أو شكّ، فكم من أدبٍ استثنائي ضاع هناك!

أطرق ماركيز قليلًا، ثم قال بصوتٍ خافتٍ يحمل ابتسامة عرفان :

ـ سعيدٌ بسماع هذا من قارئتي، وأظنّك تستحقين مني وردةً صفراء… تلك التي لا أكتب بدونها

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading