كتابات حرة

ثقب في الوطن – سليمان المقبول

f6de6d0a 322f 4078 9584 a55fb802cee8

في صبانا، تربينا على أحلامٍ كبيرة، ونُسجت فينا أحلام الوطن الجميل، بلدنا الذي لطالما قيل لنا إنه سلة غذاء العالم، حيث لا يفصلنا شيء، والشمال والجنوب والشرق والغرب جميعهم قلب واحد ينبض بحب واحد. كانت كلمات الأجداد تردد في آذاننا أن الوحدة هي قوتنا، وأن الأرض التي نرقد عليها أمان لا يهتز.

لكن مع مرور السنين، كبرت أعيننا وفتحت على واقع مؤلم، رأينا أن تلك السلة التي حملناها بأحلامنا كانت مثقوبة، مثقوبة بثقب كبير، يسرب خيراتنا ويذبح آمالنا، ينهب ثرواتنا دون رحمة، فيما أهلنا ما زالوا جياعًا، يدقون أبواب الفقر وينتظرون لقمة أمل.

وعندما كبرنا أكثر، شاهدنا كيف تحول الوطن الذي حلمنا به إلى رقعة شطرنج، حيث التقسيمات القبلية والجهوية ترسم حدودًا فاصلة بيننا، فاصلة بين أخوة كنا نتوقع أن نكونهم يوماً، لكننا صرنا غرباء، لا نعرف بعضنا إلا من بعيد، ونسينا أننا في قلب الوطن الواحد.

تلك اللحظة التي كنا على وشك أن نتلاقى فيها، على وشك أن نفهم بعضنا ونحتضن اختلافاتنا، جرفتنا الأمواج إلى اتجاهات متفرقة، وبدلاً من الأخوة، وجدنا القتال والانقسام يعمق الفجوة بيننا.

تعلمنا أن الشرق ليس الغرب، وأن الشمال والجنوب ليسا قلبًا واحدًا، وأن الأخوة أحيانًا تتصارع، بينما أحلامنا تتلاشى في زحمة اليأس.

ومع نضجنا، صار أكبر أحلامنا أن نهرب، أن نغادر تلك الأرض التي عشنا عليها ونبحث عن حياة أخرى، حياة لا تحمل في طياتها ألم الفقد أو مرارة الانقسام، حياة نملأها بالأمل والسكينة.

ولكن، رغم كل الألم، لا تزال صلاتنا معلقة بأمل، ندعو الله أن يحفظ هذه الأرض، ويحفظ أهلها، أن يمنحهم السلام والوحدة، وأن يعود الوطن كما كان، جنة تجمعنا لا تفرقنا.

اللهم احفظ بلادنا، وأهلها من كل سوء، وارزقهم السلام، وأزل الفتن بينهم، آمين.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading