السياحة في المحميات الطبيعية .. هل تشكل خطرا ؟✍️ بنيامين يوخنا دانيال

تمثل المحميات الطبيعية بأنواعها مصادر جذب فعالة و مهمة بالنسبة للزوار و السياح من ذوي الأهتمامات المتعلقة بالبيئة , و هذا ما دفع السلطات السياحية و البيئية في الكثير من الدول إلى الترويج إلى المنتوج السياحي الذي يقدم من خلال المحميات على نحو مخطط و مدروس من أجل زيادة معدلات التسوق أولا , و دعم التدفق السياحي ثانيا , و تقديم خدمات متميزة للسياح مع تحقيق إيرادات مالية مناسبة , تساعد على تطوير و إدارة هذه المحميات بالشكل المطلوب ثالثا . و وفقا لقواعد الاستدامة المعروفة التي تهدف إلى الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية و صونها , للحيلولة دون الاضرار بأوجه التنوع الحيوي ( البيولوجي ) التي تتمتع به . و ذلك من خلال :
أولا : تنظيم حركة الأفواج السياحية إليها عددا و توقيتا .
ثانيا : توعية السياح و توجيههم بضرورة الألتزام الكامل بالتعليمات و الضوابط , لتجنب أي شكل من أشكال الاخلال بالنظام الايكولوجي الذي يزخر به , مثل :
– عدم العبث بالأنواع و الأصناف النباتية من أشجار و نباتات و المحتويات الأخرى داخل هذه المحميات .
– عدم ازعاج الحيوانات التي تعيش فيها بأي شكل كان , و الألتزام بالحدود المقررة عند الحركة و اللأقتراب منها لغرض المشاهدة و المراقبة و التصوير , و ذلك لدواع أمنية , و لتجنب نقل الفيروسات التي قد يحملونها معهم , فتصيبهم بامراض و أوبئة , يصعب معالجتها و السيطرة عليها , فتهدد حياتها على المدى القريب و البعيد , و تؤثر في أعدادها و نوعيتها , و بما يتعارض مع الأتجاهات الرامية إلى الأستدامة البيئية .
– مع ضرورة عدم ترك المخلفات لاحتمال تسببها بالتلوث . ففي عام 2009 أصيبت ( 11 ) غوريلا جبلية من أصل ( 12 ) غوريلا موجودة ضمن إحدى المجموعات ال ( 8 ) في واحدة من المحميات الطبيعية في جبال ( فيرونجا ) على ارتفاع ( 2500 ) م فوق مستوى سطح البحر ب ( روندا ) بسلالة من فيروس بشري مسبب للالتهابات الرئوية , انتقل إليها جراء اقتراب السياح الأجانب منها , وفقا للنتائج البحثية لأحد المراكز الطبية الأمريكية . وهي نوعية نادرة اكتشفت في عام 1909 , و لا يوجد منها حاليا سوى ( 700 – 800 ) غوريلا , منتشرة في كونغو الديمقراطية و رواندا و أوغندا . الأمر الذي دفع إدارة المحمية إلى اصدار توجيهات قاسية , لا تسمح إلا بزيارة واحدة لكل مجموعة منها في اليوم لقاء ( 500 ) دولار , يذهب إلى صندوق المحافظة على حديقة البراكين في الشمال , و على وجه الخصوص لحماية الغوريلا الجبلية من الانقراض , بالأضافة إلى الرسوم المفروضة من قبل الحكومة الرواندية على الأنشطة المرتبطة بالغوريلا منذ عام 2008 .
وهناك تجارب و اتجاهات رائدة و متميزة في هذا المجال , طبقت في الصين و أستراليا و جمهورية جنوب أفريقيا و إيطاليا و كوستاريكا و كندا و كينيا و جمهورية أفريقيا الوسطى . و قد نجحت إلى حد بعيد في إزالة التضارب بين تطبيق قوانين المحافظة على البيئة الطبيعية و مستلزمات صناعة السياحة و متطلباتها , مع وضع المحميات الطبيعية بانواعها كأحد عوامل الجذب و التسوق السياحي الفعالة في استقدام و جذب المزيد و المزيد من السياح و الزوار من أصدقاء البيئة الطبيعية من داخل و خارج البلاد .
و تزخر جمهورية الصين الشعبية بالكثير من المحميات الطبيعية التي اعتبرتها من الاستراتيجيات المهمة للحفاظ على التنوع البيولوجي , فقد شهد عام 1956 انشاء اول محمية طبيعية في جبل ( دينغو ) بمقاطعة ( غوانغدونغ ) , و ليبلغ عددها ( 2541 ) محمية طبيعية في عام 2009 ( 15 % من مجموع الأراضي الصينية تقريبا ) . و كانت قد شرعت و أصدرت عدة قوانين و تعليمات من أجل ذلك , منها لائحة إدارة المحميات الطبيعية للغابات و الحيوانات البرية 1985 و برنامج الحماية الطبيعية الصادر عن لجنة حماية البيئة التابعة لمجلس الدولة في عام 1987 , و أيضا لوائح المحميات الطبيعية 1994 . و بحسب إدارة الغابات الحكومية الصينية فإن ( 85 ) بالمائة من مجموع الحيوانات البرية موجودة في هذه المحميات بالإضافة إلى ( 65 % ) بالمائة من مجتمعات النباتات العليا , و منها نحو ( 300 ) نوع من الحيوانات البرية المهددة بالانقراض و نحو ( 130 ) نوعا من النباتات البرية النادرة المهددة بالانقراض . و معظم هذه المحميات الطبيعية تستقبل السياح و تتوفر فيها الخدمات السياحية الضرورية و بوجود ملايين الأشخاص من المجتمعات المحلية الذين ينخرطون في النشاطات و الأعمال السياحة بصورة أو بأخرى .
أما المحميات الطبيعية الكوستاريكية فتضم نحو ( 900 ) نوع من الطيور و نحو ( 1250 ) نوعا من الفراشات و نحو ( 8000 ) نوع من العث , علما ان ( 28 ) بالمائة من الأراضي الكوستاريكية هي محميات للحياة البرية و حدائق وطنية محمية ومناطق الحفاظ على البيئة , و من محمياتها ( مانويل أنطونيو الوطنية ) و ( غابة مونتيفيردي ) و ( منتزه كوركوفادو ) . و قد انخرطت المجتمعات الأصلية القاطنة في هذه المحميات ( نغابي , بريبري , كابيكار ) بنجاح في الأنشطة و الفعاليات السياحية على نحو واضح , و على ضوء خطة وطنية شاملة من أجل تنمية اقتصادية و ثقافية و اجتماعية مستدامة , مع اتاحة فرص إدارة أراضيها و المشاركة في اصدار القرارات المناسبة بخصوصها , و ذلك بهدف الحفاظ على التنوع البيولوجي و النظام البيئي و حماية التراث الثقافي للمجتمعات المحلية المستقبلة .
و حول تاريخ ظهور المحميات الطبيعية عبر التاريخ فتشير المصادر إلى أنها كانت معروفة في الهند قبل أكثر من ( 2000 ) حيث تمتعت بعض المناطق فيها بالحماية الخاصة , أما في أفريقيا فقد جاءت تحت مسمى ( الغابات المقدسة ) , و كانت مخصصة لأنشطة الصيد التي كان يقوم بها الملوك و الأثرياء في أوروبا . أما أول منطقة محمية رسميا فكانت حديقة يلوستون الوطنية في الولايات المتحدة الأمريكية و كان ذلك في عام 1872 . و من أقدم تلك المحميات محمية ( ميهينتالي للحياة البرية ) في سريلانكا التي أنشأها الملك ( ديفانامبيا تيسا ) الذي حكم خلال الفترة ( 307 – 267 ق م ) . و أيضا المحمية الطبيعية التي أنشأها عالم الطبيعة ( تشارلز واترتون ) حول ممتلكاته في يوركشاير في عام 1821 . و وفقا لقائمة الأمم المتحدة للمناطق المحمية لعام 2003 فقد بلغ عدد المناطق المحمية حول العالم ( 102102 ) منطقة بمساحة ( 18,8 ) مليون كلم2 .
و للتأكيد على الأهمية السياحية و الاقتصادية للمحميات الطبيعية نشيركم إلى نتائج أحد البحوث المجراة بخصوص الموضوع من قبل بحاث من جامعة كامبردج و التي جاء فيها بأن المحميات الطبيعية و المتنزهات الوطنية تستقبل سنويا و على نطاق العالم قرابة ثمانية مليارات زيارة , ينفق خلالها السياح و الزوار قرابة ( 600 ) مليار دولار أمريكي , توجه ( 10 ) مليارات دولار لحماية و تطوير و صيانة هذه المحميات و المتنزهات . و قد سجلت المحميات الطبيعية و المتنزهات الوطنية الواقعة في أمريكا الشمالية وحدها أكثر من ( 3 ) مليارات زيارة .





