ثروة تحت الحصار: غزة بين الامتلاك والمحو- نضال الخليل

الاكتشاف والفرصة الضائعة
حين اكتُشف الغاز قبالة سواحل غزة في مطلع الألفية بدا أن الفلسطينيين أمام إمكان فريد لإعادة صياغة علاقتهم بالاقتصاد والسيادة والمستقبل السياسي
لم يكن الاكتشاف مجرد حدث اقتصادي بل كان إعلانًا عن فرصة لإعادة الاعتبار للقدرة الفلسطينية على حماية مصالحها وبناء اقتصاد مستقل يقلل الاعتماد على الخارج ويعزز فرص السيطرة الذاتية على الموارد الوطنية
في تلك اللحظة بدا الغاز وكأنه بطاقة مفاتيح نحو حياة أفضل نحو استقلالية نسبية ونحو إمكانية حماية السكان من وطأة الاحتلال المستمر
لكن الإمكان لم يتحول إلى واقع فقد بقي الحقل الذي كان يمكن أن يوفر الكهرباء والمياه وفرص العمل رهينة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي والانقسامات الداخلية والضغوط الدولية المستمرة التي غالبًا ما تتخذ شكل مشاريع سلام مزيفة أو محاولات لإعادة توجيه الموارد بعيدًا عن الشعب الفلسطيني.
غزة بعد 7 أكتوبر 2023: مأساة الإمكان المهدور
بعد 7 أكتوبر 2023 تجلت مأساة غزة بأقصى صورها:
الحصار المتواصل، القصف العشوائي، انقطاع الكهرباء والمياه، دمار المستشفيات ونقص الغذاء والدواء في هذا السياق يصبح حقل الغاز رمزًا مزدوجًا:
إمكان ضائع وشاهد على فشل المؤسسات الوطنية.
الإمكان الاقتصادي ليس هنا مجرد أرقام أو مليارات من الدولارات بل امتحان مباشر لإرادة الشعب الفلسطيني في تحويل الموارد الطبيعية إلى فعل إنساني يحمي الحياة ويؤكد السيادة.
الخيبة الاقتصادية هنا فلسفية قبل أن تكون سياسية فالوعد بالثروة يتناقض مع الواقع الذي تفرضه القوة الاحتلالية والانقسامات الداخلية ومع التدخلات الدولية التي غالبًا ما تتحرك وفق مصالح القوى الكبرى لا وفق حماية الحقوق الفلسطينية
الأطماع الأمريكية السابقة في إدارة غزة أو إعادة توطين السكان لم تكن محض خطط اقتصادية بل أدوات لإعادة توزيع القوة وتقليص قدرة الفلسطينيين على تقرير مصيرهم.
الانقسامات الداخلية الفلسطينية أضافت طبقة أخرى من التعقيد
السلطة غير القادرة على وضع رؤية استراتيجية موحدة تعاني من صراعات على النفوذ والموارد ما يجعل أي مشروع اقتصادي معرضًا للفشل قبل أن يبدأ في ظل هذا الواقع لا يتحول الغاز إلى مصدر حياة بل يصبح اختبارًا للفشل الجماعي وشاهدًا على هشاشة المؤسسات وانعدام الإرادة السياسية وقلة الاهتمام بحقوق المواطنين البسطاء.
التجربة الفلسطينية مع حقل الغاز تكشف كيف تتحول الموارد الطبيعية إلى أدوات سياسية تُستخدم من القوى الكبرى لتوجيه الشعب الفلسطيني أو لإضعاف قدرته على المقاومة الاقتصادية
كل محاولة لتطوير الحقل أو تحقيق استقلالية فلسطينية اصطدمت بعقبات إسرائيلية بما في ذلك التحكم في الممرات البحرية، فرض شروط معقدة على التصدير وقيود على الوصول إلى الأسواق العالمية
هذه القيود ليست مجرد إجراءات إدارية بل تعبير عن رغبة الاحتلال في إبقاء الفلسطينيين تحت تبعية اقتصادية مستمرة وتأكيدًا على أن السيطرة على الموارد الطبيعية جزء لا يتجزأ من استراتيجيات الهيمنة.
في هذا المشهد، يتضح أن الإمكان الطبيعي ليس قيمة مجردة بل اختبار للقدرة الوطنية ولإرادة الشعب على تحويل الثروة إلى فعل يحمي الحياة
عندما تفشل المؤسسات في حماية هذا الإمكان تتحول الثروة إلى عبء نفسي وسياسي وشاهد على الفشل الجماعي لا على النجاح أو الحرية.
الأحداث الأخيرة تجعل هذه الفكرة أكثر وضوحًا: غزة المدينة المحاصرة المحرومة تجد نفسها أمام مأساة مزدوجة مأساة الاحتلال ومأساة الإمكان المهدور
الغاز الذي كان يمكن أن يوفر الطاقة والمياه والكهرباء أصبح مجرد تذكير صارخ بأن الإمكانات الوطنية بلا إرادة سياسية حقيقية تتحول إلى رموز للخيبة والفشل
الأطماع الدولية تضاف إلى كل هذا الواقع المعقد الخطط الأمريكية السابقة سواء في محاولة إدارة غزة أو إعادة توطين السكان أو السيطرة على الموارد لم تكن محض سياسات اقتصادية بل أدوات سياسية تهدف إلى إعادة توزيع القوة وتقليص قدرة الفلسطينيين على تقرير مصيرهم
كل خطة تُقدم على الورق مهما كانت ضخمة لا تحقق شيئًا إذا لم تصاحبها حماية فعلية للشعب الفلسطيني وإرادة حقيقية لصون حقوقه.
التجربة الفلسطينية مع حقل غزة مارين تعلّمنا درسًا فلسفيًا عميقًا:
الحرية الاقتصادية والسياسية ليست مجرد أرقام ومشاريع بل قدرة على الدفاع عن الحقوق الأساسية وحماية الإمكانات الطبيعية من أن تتحول إلى أدوات للهيمنة الخارجية
غزة اليوم تعيش مأساة مزدوجة: الحصار المباشر والانكسار الرمزي للثروات الطبيعية
الغاز، الذي يمكن أن يكون أداة حياة أصبح شاهدًا على الفشل المستمر ورمزًا صارخًا للخيبة الوطنية
في النهاية تجربة حقل غزة مارين تؤكد أن السيادة ليست مجرد سيطرة على الموارد بل القدرة على تحويلها إلى فعل يضمن الحياة، الكرامة والاستقلالية
الإمكان الطبيعي بلا إرادة سياسية حقيقية وبلا حماية للشعب يصبح عبئًا ورمزًا للمعاناة لا أداة قوة
وهذا بالضبط ما يعيشه الفلسطينيون في غزة اليوم وسط الركام والحصار والدمار المستمر
بعد 7 أكتوبر 2023.





