معروف الرصافي ينتقد “الأهماج” انتقاداً مريراً !أ.د. سيّار الجميل


انحرافات أعراف بعض العشائر العراقية
مصداقيته من خلال شهود على حدوث فجائع في التاريخ الاجتماعي
أولا: مقدمة
كنتُ أتوّقع تماماً حدوث اختلاف وجهات نظر العراقيين حول ما طرحته في الحلقة السابقة عن معروف الرصافي الذي احترمه البعض ونال منه البعض الآخر بل وحمّلوه كلّ العاهات والعقد النفسية ، والرجل برئ منها تماماً ، وبرغم انتقادنا لما قام به من تعميم رأيه ، ولكن ما طرحه علينا كان صحيحاً وينبغي ان لا نكابر ونعاند ولا تغرقنا العواطف ، اذ علينا أن نعترف بالمثالب جنباً الى جنب الخصال الحميدة، والمشكلة المستحكمة لدى العراقيين تتمثّل بالإسراع في القذف وتشويه سمعة من يخالفهم واتهامه بشتى التهم، علماً بأن الرجل كان أحد أعمدة الثقافة العراقية الحديثة وله مكانته في الأدب العربي ، ويمتلك رصيداً كبيراً من الأعمال الإبداعية .. فان خالفته في موضوع ما فلا يصلح أبداً أن نتهّمه بتهمٍ شتى ، ويتمّ التجريح به دون الالمام التام بما قال وبما كتب وليس من العدل ان يتمّ التهجّم عليه من دون معرفة بشخصيته ومواقفه وأدواره . وكلمة أريد كتابتها هنا ، ذلك ان ليس كلّ من انتقد حالات مشينة وسيئة في المجتمع العراقي يوصف بانفصام الشخصية ويتهّم بأمراض وعقد نفسية .. أتمنى أن يخرج كلّ العراقيين من هذه الهالة الملائكية التي رسموها في مخيلتهم عن مجتمعهم الذي تربوا على شعارات عظمته وسمّوه وانه افضل شعب في الوجود !
ثانياً: من هم الأهماج ؟
اليوم ، أثير معكم موضوعاً اشكالياً آخر هو تتمة ما قاله الرصافي عن المجتمع العراقي بانتقاده أساليب عشائر عراقية أسماهم بـ ” الأهماج “.. اذ أقام الدنيا وأقعدها ضدّ أعراف بدائية تستخدمها تلك العشائر في معرض انتقاده الشديد ما اسماه بـ ” قانون العشائر “وهذه المرّة يحدّد خلافاته مع عشائر ثلاثة ألوية هي العمارة وديالى والرمادي! ونحن نعلم بأنّ عشائر العراق تختلف في عاداتها وتقاليدها من منطقة الى أخرى ، وكلّها بنيويات عشائرية منتمية عنقودياً الى قبائل عريقة كبرى تعتز بمواريثها وأنسابها وأصلابها وقيمها الكريمة ، ولكن هذا لا ينفي وجود عادات سقيمة متوارثة ووجود طرداء وقطّاع طرق وقتلة وكراهية مقيتة ومتبادلة بينهم وبين أبناء المدن.. انّ بعض ما ذكره الرصافي في نقداته الصاعقة كان قد أثبته لي العديد من الشيوخ ليس في الريف حسب ، بل حتى في بعض المدن، وكانت احدى السيدات الفاضلات وهي من احدى عشائر العراق الجنوبي قد حدثتني قبل سنوات خلت عن فجائع قتل نسوة وبنات بريئات أو بيعهن بأبخس الأثمان أو اجبارهن أو بقر بطونهن ..
ثالثاً: معاناة المرأة العراقية وبنية العشائر العراقية الصلدة
انّ المرأة قد عانت كثيراً في مجتمع ليس ذكورياً صعباً فحسب ، بل همجياً في تعامله مع المرأة التي من سماتها العمل 12 ساعة يوميا ، وتربية الأطفال لكنها تبقى محتقرة ومنبوذة وفي عادات بعض العشائر ان لا تأكل الزوجة أمام زوجها ، فتلك من العيوب الكبرى!
وقبل أن نطّلع ونقرأ النص الذي كتبه الرصافي ، علينا أن نقول بأنّ قانون دعاوى العشائر في العراق والذي عارضه العراقيون في صحفهم وتجمّعاتهم وأحزابهم (الوطنية والتقدمية ) كون الحكومات في العهد الملكي تسانده .. وأعتقد أنّ العشائر كانت ولم تزل تمتلك سلطة اجتماعية أقوى من الدولة وهيمنة أي فرد فيها في المجتمع وتنّمره .. ولمّا سُئل نوري السعيد عن احتوائه ذلك، أجاب : اذا لم يتعلّم أبناء العشائر أنفسهم تعليماً عالياً ويقوموا بتبديل عاداتهم واعرافهم تدريجيا بأنفسهم ، فلا يمكن لأية حكومة أو أية هيئة رسمية أن تقوم بالغاء أعراف موروثة يعتز بها أصحابها وقد ورثوها أباً عن جد ! وهذا ما حدث ، اذ ألغي قانون دعاوى العشائر في النظام الجمهوري، ولكن بقيت بنيته ثابتة بل وانتقلت الى المدن، كما ترسّخ يوماً بعد آخر عندما انتقل الى دواخل العاصمة والمدن لتطغى عاداته على ثقافاتها وجهوياتها وبنيتها السياسية واحزابها ، ولكي تغدو اليوم سيناريوهات الفصل العشائري من سمات مجتمع يعيش في العصور البدائية ونحن في القرن الحادي والعشرين! واذا كانت هذه ” الأعراف ” السيئة منحصرة لدى عشائر معينة وجهويات معروفة ، فقد غدت اليوم منتشرة لدى عشائر أخرى في أماكن متفرقة من العراق. ويبدو للدارس في أوضاع المجتمع العراقي أن الاختلافات والنزاعات التي كانت بين العشائر الكردية قد زالت جراء تمدّن الكرد في بيئاتهم والتفافهم حول هويتهم بفضل تجانس اجتماعي أفضل بكثير من العرب .
رابعاً: ماذا كتب الرصافي عن المرأة في قانون العشائر ؟
قال : ” والحكومة من ورائهم تؤيدهم في ذلك بقانون العشائر ، ذلك القانون الذي ليس هو كفرا في الإسلام فقط ، بل هو كفر وأشنع من الكفر في جميع الأديان ، وليت هذا القانون خصّ بأهل السواد من العشائر الذين يسكنون الأرياف يحرثون الأرض ويزرعون كما تقتضيه تسميته بقانون العشائر ، ولكننا نراه اذا شاء الهوى جرى تنفيذ أحكامه على أهل المدن أيضا – كما وقع ذلك غير مرة – . لا أستطيع في هذه الكلمة الموجزة أن أصف لك ما في العراق من الهمجية المؤيدة بهذا القانون . أني أقول لك باختصار ان المرأة عند هؤلاء لا ترث ، بل هي نفسها مال موروث ، فهي عندهم كالبقرة والشاة وغير ذلك من دوابهم تباع وتشترى ، وتجري فيها المساومة فتعطى في الديّات ، وتمنح متعة في الجنايات، وبالجملة هي مال متقوم حتى أن من كان منهم ذا بنات عدّ نفسه من الأغنياء ، واذا كانت المرأة ذات زوج ، فساوم وليّها رجل آخر بأكثر ممّا دفع زوجها ، ارغم زوجها على الطلاق، وربما اذا كان زوجها غائباً زوّجها وليها آخر من دون طلاق طمعاً في أخذ الصداق كما شهدت ذلك في لواء العمارة وديالى والرمادي .. “، ويكمل مستطرداً ويورد أمثلة على ما رأى وشاهد بنفسه امام عينه حوادث رسمية لما جرى وهو في زيارة لصديقه خيري الهنداوي قائمقام علي الغربي وصديقه الاخر عارف العاني متصرف العمارة مع ما يورده من أحكام صادرة من محاكم عشائرية معلقا بالقول : ” لنعلم في أي جاهلية جهلاء يهيم هؤلاء الأهماج ” ( انظر: كتاب الرصافي : آراء الرصافي في السياسة والاجتماع والدين ، جمع وترتيب : سعيد البدري ، ط1 ( بغداد : مطبعة المعارف ، 1941) ، ص 11- 13 .
خامساً: ما الرؤية ؟
دعوني أصيغ بعض الأسئلة : هل كان الرصافي محقّا في نقده هذا أم أنه تجنّى على المجتمع ؟ أليس من متطلبات الحكومات المتعاقبة في القرن العشرين معالجة هذه الأساليب بالحدّ من انتقال مثل هذه العادات الى المدن؟ هل من العقل والحكمة أن ننفخ أنفسنا بالتفاخر والتمجيد ، وفي أوساط مجتمعنا تمارس عادات بدائية سمجة ؟ ليس المهم أن تجعل من المرأة العراقية أول وزيرة في تاريخ الشرق الاوسط ، ومجتمعك يقمع المرأة ويسحقها ! بل هل انتشلت الحكومات المتعاقبة المجتمع كلّه والمرأة بالذات أينما كانت من سطوة ولي أمرها وهو يبيع لحمه بمبلغ تافه من المال؟ الا تعتقدون معي أن سلطات اجتماعية خفية وكارثية في كلّ بيت كانت أقسى من سلطات سياسية لدولة هي نفسها تخشى من هذا المجتمع الذي يحيّر كلّ العقلاء بازدحام تناقضاته وتفاقم مشاكله ؟ هل يعقل أن ينتقد الرصافي مثل هذه الحالات التي تمارسها بعض العشائر قبل أكثر من ثمانين عاماً .. ونحن نرى ونسمع اليوم ما يدور عشائرياً ومواريثياً من قبل الأهماج في قلب العاصمة والمدن ؟ بحيث تتخلى الدولة عن مقتل حسين كامل ببشاعة وتترك العرف العشائري يأخذ حقه علانية !! والأكثر كارثة أن يصل أمثال هؤلاء الأهماج الى موقع الزعامة السياسية ليديروا مؤسسات وأحزاب .. فانظروا ماذا حلّ بهذه البلاد وما مصير هؤلاء العباد ؟





