علبةُ الشوكولاتة التي أذابت الاحتفال – إيمان البستاني

مدرسة دار السلام الأهلية في كرادة مريم ببغداد — التي لو بحثتَ عنها اليوم لما وجدتَ منها طابوقةً واحدة — هي أول مدرسة ارتدتها في حياتي، بعمر خمس سنوات، حين قُبلتُ كطالبة في الصف الأول الابتدائي، على نحوٍ استثنائي، لأن والدي كان يدرّس فيها طلبة السادس الإعدادي بفرعيه العلمي والأدبي. كانت مدرسةً أهلية مخصّصة لطائفة السبتيين المسيحيين، وقد تكرّم القائمون عليها بقبولي في تلك السن المبكرة، تجاوزًا للشروط، إكرامًا لوالدي.
البناءُ كان واسعًا، تتوسطه حديقةٌ فسيحة تظللها أشجارٌ كبيرة، وممراتٌ مزروعة بأصص الورد، وصفوفٌ معدّة لكل المراحل الدراسية. لكن كل ما ظلّ عالقًا في ذاكرتي بقوةٍ حتى الآن، ليس الصف ولا السبورة، بل: كيس رقائق البطاطا المقلية الذي كان يُباع في كشكٍ صغير يطلّ على الحديقة، وأغاني فيروز التي كان يبثّها صباحًا، بصوتها الملائكي، فتهزّ شيئًا خفيًا في قلب طفلةٍ لم تكن تفهم العالم بعد، لكنها كانت تشعر بثقله.
كنتُ أرغب دائمًا في الهرب من الصف، ليس كتمردٍ طفولي، بل لإحساسي الحاد بالغربة وسط عالمٍ مكتظ بالناس والضجيج. أما في الفُسَح بين الدروس، فكنتُ أُكلّفُ بأداء دور الوسيط بين طلبة والدي — شبابٍ بشواربَ كثيفة — ينتظرونني عند باب القاعة ليسلّموني رسائلَ شفهية عاجلة إليه، مضمونها الدائم تقريبًا:
“سيدنا، نحن بحاجة لمساعدة… لقد خربطنا في الامتحان!”
وغالبًا ما كانت الرشوةُ المقدّمة لي مقابل حمل الرسالة، هي ذاتها: كيس البطاطا المقلية. ومع أول قضمةٍ منه، كنتُ أنسى اسم الطالب، وأنسى ثلاثة أرباع الرسالة، وأكتفي بنقل البقية مشوشةً أو ناقصةً، أو لا أنقلها أصلًا.
كان لدينا معلمةٌ جميلة تُدعى الست لورا. أتذكّر أناقتها، وعقد اللؤلؤ الذي يزيّن جيدها، فقد كانت تدرّس لنا اللغة الإنجليزية، والموسيقى، والدين. أما درسُ الدين، الذي زُججتُ فيه زجًا لا عن قناعةٍ بل عن مصادفةٍ مدرسية، فكان فرصةً طيبة لقيلولةٍ لذيذة… إلى أن اتخذ منحى الجدية حين جلبوا لنا بوستراتٍ إيضاحية من لبنان لقصص الأنبياء، أحدها بحجم الحائط كاملًا!
ولا تسألني اليوم عن مغزى القصص أو عبرتها، لأن كل ما تبقى في ذاكرتي منها هو: جلد الخروف الذي التفّ به النبي يعقوب ليحصل على النبوءة من أبيه النبي إسحق، بدل أخيه التوأم عيسو، الذي كان مشعرًا كأنه تيسٌ جبلي، بينما كان يعقوب أملسَ أو “أملط”.
لم أفهم آنذاك سرّ المكيدة، ولا سببَ المؤامرة العائلية، لكن جلد الخروف كان دراميًا بما يكفي ليبقى، أما البقية فغادرت ذاكرتي بلا رجعة.
في كل يوم سبت، كانت الست لورا تعزف لنا على البيانو في القاعة الكبيرة تراتيلَ دينية لا أفقه منها شيئًا، لكنني كنتُ أندسّ في المقاعد الخشبية الشبيهة بمقاعد الكنائس، محاوِلةً ألا أبدو كمن يغرد خارج السرب، وأنجو من نظرات الدهشة أو التساؤل.
إلى أن جاء عيد الكريسماس، حيث كان لديهم تقليدٌ سنوي: أن يرتدي أحد العاملين في المدرسة زيّ بابا نويل، فيُجمع جميع الطلبة في القاعة، زحمةً تُشبه يوم الحشر.
ومن خلف المسرح، دخل علينا المخلوقُ المهيب بلحيته البيضاء، وكرشه المتقدّم، يجرّ خلفه كيسًا كبيرًا محشوًا بالهدايا، ثم أطلق ضحكته الشهيرة:
“هو هو هو!”
وكان ذلك الصوتُ وحده كفيلًا بأن يفتح بوابة الرعب في قلبي الصغير.
اتجه نحوي بخطواتٍ احتفالية، إكرامًا لي أمام المدرسة كلها، فقد اقترحوا أن يمنحني هديةً “خاصة” تقديرًا لوالدي، وكأنهم بهذا أيضًا يذيبون جبلَ الجليد بيني وبينهم.
لكن ما ذاب فعلًا لم يكن الجليد… بل أعصابي!
فبدأتُ أبكي نحيبًا صادقًا غير قابلٍ للتأويل، فتوقفت موسيقى الست لورا، وسكت الجميع، وتقدّمت مديرة المدرسة الست سلمى — التي كانت تشبه بنعومتها المطربة نجاة الصغيرة — تربّت على كتفي قائلةً بلطفٍ أرستقراطي:
“لا تبكي يا صغيرتي، هذا سيعطيك هدية من بابا.”
لكن بابا نويل كان لحظتها قريبًا مني بأربعة أصابعَ لا أكثر، منهمكًا بإخراج علبة شوكولاتةٍ كبيرة عليها شريطٌ وردي معقود كأنه زهرة، يلمع في يده كتعويضٍ رمزي عن خوفي الوجودي من الاحتفال ذاته.
ولأن الموقف خرج عن السيطرة، كان الحلُّ الوحيد هو استدعاء والدي من مكتبه. حضرَ والدي بعصبيةٍ واضحة، تناول علبة الشوكولاتة من “بابا نويل مقصوف العمر”، وابتسمَ للجميع، ثم سحبني من يدي، منهيًا الحفلَ وأزمتي معًا بأسرع طريقةٍ لإزالة العائق الذي أفسدَ عليهم حفلتهم السنوية.
عدتُ إلى البيت مُنهَكةً من البكاء، أحتضنُ علبة الشوكولاتة التي ذابت بحرارتها وحرارتي معًا، وظلّت تلك اللحظة أولَ لقاءٍ بيني وبين بابا نويل…
وآخرَ لقاءٍ وديٍّ أيضًا.
ومن تلك الذكرى إلى اليوم، لا يزال الجفاءُ قائمًا بيني وبين بابا نويل، لا لأنه لم يمنحني هدية، بل لأنه منحني أول درسٍ مبكر عن هشاشة الاحتفالات حين تُفرض على قلوبٍ ليست مستعدة لها بعد





