الوجود الإنساني – ملفينا توفيق ابومراد

نُولد، أم نُلقى؟( نُلقى: نرمى لقدرنا ) في خضم الحياة؟
لم نأتِ إلى هذا العالم بإرادتنا. ولادتنا لم تكن خيارًا شخصيًا، بل كانت بإرادة الله، من أبٍ وأم. ومنذ اللحظة الأولى، نبدأ رحلة تتأرجح بين الشقاء والفرح، بين الألم والعذاب، بالانكسار قبل الرجاء .
قد يظن القارئ أنني ألحد حين أطرح هذه الأسئلة، لكنني أؤكد: لا، لستُ ملحدة. إنما أطرح سؤالًا مشروعًا يتردد في ذهن كل من فكّر يومًا في معنى الحياة. فنحن لا نحيا جميعًا بذات الظروف، ولا نعيش الأعمار بالطريقة ذاتها.
ربما لكلّ امرئٍ نصيبه من الألم والنعمة، على قدر ما يحتمل. لكن، هل تُسرق أعمارنا؟ أم نحن من ننسى أن نعيشها كما يجب؟
كلّ إنسان يولد في بيئة ما: في وطنٍ، وفي مجتمع، وبين ناس. يتأثر بها ويتفاعل معها، إما رافضًا أو متكيفًا مكتفيا ، منهم يُضطر إلى عيش سنوات عمره بما تيسّر له .
طفولتنا في يد أهلنا. منهم من يكون حنونًا، عادلًا، راعيًا، ومنهم من تجرّده الحياة من القدرة على منح الحد الأدنى من الرعاية. وإن غاب أحد الأبوين – بسبب وفاة أو طلاق – تصبح الحياة أقسى. وإن غاب الاثنان معًا، تزداد القسوة حدّةً، فيتحوّل الضعف إلى مصيرٍ مفروض و حتى مجهول.
البيئات الفقيرة غالبًا ما تُقصي أبناءها من حقهم بعيش طفولتهم ، تدفعهم مبكرًا إلى العمل القاسي. تسمى هذه الظاهرة بـ”عمالة الأطفال”، لكنها في الحقيقة سرقة طفولتهم ، سارقة اعمارهم .
للاسف تخضع هذه الأوضاع الى عقليات متوارثة، كأن يقول الأهل: “بيربّوا بعضُن”. أو تلك الفكرة القديمة: “كلّ مولود يولد ومعه رزقته”، وكأن الرزق لا يُطلب بسعي وعلم، بل يأتي تلقائيًا كقَدَرٍ غيبيّ ، هذا تفكير تقليدي متوارث .
لماذا نُولد؟
آ لمجرد حفظ اسم العائلة؟ وهل حفظ الاسم يبرّر جلب الأبناء إلى عالم يفتقر إلى شروط الكرامة؟
حتى في العائلات الغنية، لا يشعر كل الأبناء بالرضا. بعضهم يُحرم من الحبّ، وبعضهم يُقيّد بالبخل، وآخرون يغرقون في الممنوعات، فتتبدد الثروة، ويتحوّل الرفاه إلى عبء. هكذا تصبح الممنوعات مغريات، والتجربة إدمانًا، والمستقبل مظلمًا.
يبدأ الألم بالتوريث
ألمُ الأهل على مصير أبنائهم، وألم الأبناء على مصيرهم القاتم
لكن البعض يقاوم، يسعى بالعلم والمعرفة، يحصل على الشهادات، ويظن أنه بلغ برّ الأمان. إلا أنّ العمل قد لا يكون متوفرًا. حينها، تصبح الهجرة الخيار بآمال مزهرة و احلام وردية ، البعض يحظى بها و البعض الاخر يكون خيارهم مرّ.
في الهجرة، يُحرَم الوطن من الكفاءة. يرحل المتعلّم، وقد لا يعود
ورغم ما قد يجنيه من مال، فإن الغربة قاهرة و قهارة .
قد يكون الاختيار خاطئًا. فالمغترب قد يقع ضحية استغلال أو خداع أو عصابة، ويجد نفسه في الجحيم الحقيقي، حيث لا مفرّ سوى الموت، وصريف الأسنان كما ورد في الكتاب المقدس: (متّى 13: 42).
الأهل متحسرين نادمين: شجّعوه على الرحيل، ظنّوا أنهم يفتحون له أبواب الحياة، فإذا به يُساق إلى المجهول!
كل مولود ضحية محتملة، حتى المؤمن
قد تراوده فكرة في لحظة وجع مريرة
“ما الجدوى من وجودي؟”
ما دام كل ما أعيشه تعبًا وشقاءً، فلماذا أُوجدت؟
حينها لا يبكي فحسب، بل عقله يدمع، لأن الألم تجاوز الجسد إلى الروح .
عضو اتحاد الكتاب اللبنانين
*





