إحتقار المهن والحِرف التي تُمثِّل قاعدة أساسية في المجتمع – ملفينا توفيق ابومراد

موروثات خاطئة
في منتصف القرن الماضي وبعده، كانت المهن اليدوية هي السائدة في حياة البشر. على سبيل المثال: إذا كان في البيت أربعة إخوة ذكور، كان الأهل يعلمون كل واحد منهم صنعة أو مهنة، ليعاونوا بعضهم في شؤون الحياة
: النجار، الحداد، البناء، السمكري. هذه المهن كانت تُتَّمم بعضها في بناء المنازل. ومع الوقت، أصبحت هذه المهن أسماء أو كُنى لعائلات تفرعت من العائلة الأم، سواء في حقل الزراعة أو الصناعة أو أي مهنة يدوية تعتمد على الفكر والدقة في العمل اليدوي والجسدي معًا .
لكن مع مرور الزمن، وبسبب تخمة العمال في هذه الحرف، خاصة في ظل التغيرات التجارية والاقتصادية، أصبح الإنتاج يعاني من الكساد. هذا ما دفع الأهل إلى صرف النظر عن تعليم أولادهم هذه الحرف أو الصناعات، حتى لم يعد الابن يرث صنعة والده.
في الوقت ذاته، كانت المهن مثل الطبيب، المحامي، والمهندس نادرة في القرى أو البلدات. إذا احتاج أحد أبناء الضيعة أو البلدة إلى خدمات أحد هؤلاء، كان يذهب إلى المدينة أو إلى أقرب مكان يتواجد فيه أحدهم في المحافظة. وهذا دفع الأهل إلى بذل كل ما في وسعهم لتعليم أولادهم، وبيع أملاكهم لتوفير المال اللازم لهذا الهدف.
ومع مرور الزمن، بدأ القطاع المهني يعاني من نقص في اليد العاملة المحلية، وأصبح الاعتماد على اليد العاملة الأجنبية هو السائد. ونتيجة لهذا التوجه، ظهرت “هجرة الأدمغة”، وهي ظاهرة محزنة جدًا. لكن عندما يقال “هجرة الأدمغة”، ليس المقصود أن البلد خالٍ من العقول، بل أن المتعلمين هم من يهاجرون بحثًا عن فرص أفضل.
أدى ذلك إلى هجرة الشباب، فتُرك البلد يعاني من نقصٍ في اليد العاملة المحلية، وأصبح بلدًا مليئًا بالعجائز. الخسارة كانت مزدوجة: فقد الأهل أموالهم بسبب تعليم أولادهم، كما فقدوا أبناءهم الذين هاجروا بحثًا عن فرصة حياة أفضل.
في النهاية، أصبحت البلاد خالية من الشباب، النتيجة محزنة ومؤلمة، إذ أصبح البلد بلد العجائز، الأهل فقدوا ممتلكاتهم وأبناءهم..
هذا هو الوضع بكل موضوعية وتجرد.
عضو إتحاد الكتاب اللبنانين
لبنان





