كتاب فوكوياما «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»: فكر أم إيديولوجيا؟ III✍️محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

كيف استجلب فوكوياما مفهومه الخاص ل «التاريخ الشمولي للبشرية» من فلسفة التاريخ؟
يؤكد فوكوياما مرة أخرى بأن التاريخ الشمولي في فهمه ليس فهرساً موسوعياً لكل ما يعرفه اللاحقون من بني البشر عما أنتجته الإنسانية من قبل. بل هو محاولة لإيجاد ترسيمة للتفسير تستجيب لتطور المجتمعات الإنسانية العام.
إذ وبالرغم من أن التقليد الفلسفي والتاريخي ينطلق من اليونان، فإن الفلاسفة اليونانيين القدماء لم يتعاطوا أبداً مع مثل هذا المشروع. لقد تحدث أفلاطون في كتاب «الجمهورية» عن «دورة طبيعية» معينة للأنظمة. بينما عرض أرسطو في كتاب «السياسة» بعض أسباب الثورات وكيفية تحول بعض أنواع الأنظمة إلى أنواع أخرى. والفيلسوفان معاً لم يؤمنا بتواصل التاريخ. فكان التاريخ بحسب المفهوم اليوناني ليس طولياً بل دورياً.
لقد كانت المسيحية أول من أدخل مساواة جميع البشر في نظر الله. ومفهوم المصير المكتوب هو لجميع البشر واحد. والقديس أوغسطينوس، كمؤرخ مسيحي، لم يكن يهتم أبداً بالتواريخ الخاصة، بل المهم خلاص الإنسان كإنسان. وهو الحدث الذي يشكل اكتمال إرادة الله على الأرض. ف «جميع الشعوب لم تكن سوى فروع لإنسانية أكثر عمومية، يمكن تفسير مصيرها وفق ما خططه الله بالنسبة للجنس الإنساني بمجراه. (١)
ورغم إبعاده لهذا الفهم، يعترف فوكوياما للمسيحية بفكرة «الغائيّة». فهي التي أدخلت إلى مفهوم التاريخ فكرة نهايته في الزمن. يبدأ مع خلق الإنسان من قبل الله وينتهي بخلاصه. إنّ نهاية تاريخ الأرض بالنسبة للمسيحيين يحكمها اليوم الذي يُفتَح فيه ملكوت السموات. في هذه اللحظة لا تعود الأرض والأحداث الأرضية موجودة بالمعنى الحرفي. «هذا الاختصار للتاريخ وفق العقيدة المسيحية يدل بوضوح على «نهاية التاريخ» موجودة ضمناً في فكرة كتابة التاريخ. أي تاريخ شامل.» (٢)
إن العودة للاهتمام بالأقدمين والقضايا الفكرية التي اشتغلوا عليها في محور التاريخ الشمولي، كانت مع عصر النهضة الأوروبية. ومن جملة هذا الاهتمام تقديم أفق تاريخي من زاوية «غائيّة» لم يعرفها الأقدمون أنفسهم. إلا أن الجهود الأكثر جدية لكتابة التاريخ الشامل هي التي بذلتها المثالية الألماني التقليدية. فالذي أطلق الفكرة هو الفيلسوف إيمانويل كانط (٣) في بحثه سنة 1984:- فكرة التاريخ من زاوية السياسة الكونية. «هذا البحث من ست عشرة صفحة فقط يحدد التعابير الأساسية التي سوف تستخدم كمرجع للمحاولات اللاحقة من أجل كتابة هذا النوع من التاريخ.» (٤)
كان كانط يوحي بأن للتاريخ نقطة نهائية، أي له هدف نهائي تفترضه ضمناً إمكانيات الإنسان الجارية. وهذا الهدف يجعل مجمل التاريخ قابلا للفهم. وكانت النقطة النهائية تحقيق الحرية الإنسانية، لأن المجتمع الذي ترتبط فيه الحرية على أعلى مستوى في ظل قوانين بسلطة قوية، أي بدستور مدني عادل، هو المشكلة الأكثر صعوبة. وبتحقيق مثل هذا الدستور المدني ونشره الشامل على العالم، هو الإرادة التي بواسطتها نستطيع أن نفهم التقدم في التاريخ. والسؤال الذي يجيب عليه التاريخ الشامل كان آنذاك على النحو التالي:- إذا أخذنا كل المجتمعات وكل العصور بالاعتبار، هل هناك سبب صالح على المستوى الشمولي يجعلنا نأمل بوجود تقدم إنساني عام باتجاه الحكم الجمهوري، أي- وهذه إضافة من فوكوياما- «الديمقراطية الليبرالية» بالمعنى المصطلح عليه اليوم؟
وعن الحافز الذي يدفع بالإنسانية إلى أعلى درجة من العقلانية التي تتمثل بالمؤسسات الليبرالية، لم يكن العقل وإنما نقيضه:- الصراع الأناني الذي تولده «عدم اجتماعية مجتمع الإنسان». وبوجود هذه «الاجتماعية المؤنسنة» يتم التخلي عن «حرب الجميع ضد الجميع» لكي تتجمع البشرية في مجتمعات مدنية.
لكن محاولة كانط لم تكن تشكل بحد ذاتها تاريخاً شاملا. وبحثه المشار إليه يحتاج إلى عبقري لإنجاز هذه المهمة. قد يكون فيلسوفاً أو مؤرخاً قادراً على استيعاب تاريخ العصور وكل الشعوب في كلية دلالتها. ومتى نجحت هذه المهمة، فإنها ستساهم في تحقيق الحكم الجمهوري الشامل، وتمنح الإنسان نظرة واضحة عن مستقبله.
مسلمة كانط إذن، أن هناك نقطة نهائية للعملية التاريخية وهي تحقيق الحرية على سطح الأرض:- فليس تاريخ العالم شيئاً آخر غير تقدم وعي الحرية.
يعتبر فوكوياما أن كانط حدد الأساس لمهمة كتابة التاريخ الشمولي للبشرية جدي فلسفياً ومرتكز على التاريخ التجريبي، لكنه لم يتأتى له إنجازها. لذلك انتقلت الفكرة والمشروع والأساس، إلى خلفه ويلهام فريدريك هيغل (ه).
ومن مشروعه يستحضر فوكوياما هذه الأفكار المحورية: -هيغل رأى التقدم في التاريخ لا يسير وفق العقل، وإنما بحسب الأهواء العمياء، التي تقود إلى النزاعات والحروب.. أي بحسب دهاء العقل. -التاريخ يتقدم بمسار متواصل من النزاعات تتصادم في إطارها أنظمة الفكر وكذلك أنظمة السياسة، وتنهار بلعبة تناقضاتها الذاتية الخاصة. وتستبدل بأنظمة أقل تناقضاً. وهذه تولد تناقضات جديدة مختلفة وفق مسار الديالكتيك. -تجسيد الحرية الإنسانية بالنسبة لهيغل هو الدولة الدستورية الحديثة. (وهي بالنسبة لفوكوياما «الديمقراطية الليبرالية»). إن تاريخ الإنسانية الشامل لم يكن شيئاً آخر غير بلوغ الإنسان التدريجي العقلانية الكاملة والوعي المستقل بأن هذه العقلانية تتجلى كلياً في الديمقراطية الليبرالية. -«تطور التاريخ الشامل يمكن فهمه على أنه تقدم المساواة والحرية الإنسانية الذي يختصره هيغل بعبارة لاذعة:- كانت أمم الشرق تعلم أن هناك إنساناً حراً، وعالم اليونان والرومان كان يعلم أن بعض الناس أحرار، ونحن بدورنا نعلم بأن جميع الناس بصفتهم كائنات إنسانية، هم أحرار بشكل مطلق.» (٦) -والوعي الإنساني بالنسبة لهيغل نسبي. وكل حقيقة هي نسبية كذلك. والوعي الإنساني يتحدد بشروطه الخاصة المرتبطة بمحيطه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. والتاريخ الإنساني ليس مجرد تتابع للحضارات ومستويات الثقافة المادية، بل هو تتابع لأشكال مختلفة من الوعي. لذلك فالوعي تراكمي. والتراكم يتم بفرز الوعي الخاطئ فيما سبق وتصحيحه. -و مفهوم «الطبيعة الإنسانية» عند هيغل: ثابتة لا تتغير. وموضوعة «الرغبة» تتغير على مر العصور. (يضيف فوكوياما شارحاً:- شراء سيارة لم يكن رغبة عند الأقدمين.) ورغم تغير «الرغبة» مع تغير الأزمان، فإنها جزء من الطبيعة الإنسانية. لذلك فالتاريخ الشامل يدخل فيه هيغل تقدم المعارف والمؤسسات، وأيضاً الطبيعة الإنسانية الثابتة رغم احتوائها على موضوعة الرغبة المتغيرة. -ومفهوم «نهاية التاريخ» بالنسبة لهيغل، يتجسد في الصيرورة التاريخية عندما تصل إلى نهايتها مع تحقيق المجتمعات الحرة في العالم الواقعي. وهذه الحالة هي أرفع مستويات العقلانية والحرية.. وحصول الوعي المطلق. وقد تجسد في الدولة الليبرالية الحديثة إثر الثورة الفرنسية. -«عندما أعلن هيغل أن التاريخ قد انتهى.. لم يكن يدعي أن الدولة الليبرالية قد انتصرت في العالم أجمع.. إن مبادئ الحرية والمساواة قد اكتُشفت وأُنجزت في البلدان الأكثر تقدماً، وأنه ليس هناك من مبادئ أو أشكال للتنظيم الاجتماعي والسياسي بديلة تعتبر أعلى من مبادئ الليبرالية. وبعبارات أخرى، كانت المجتمعات الليبرالية متحررة من (التناقضات) التي تتميز بها الأشكال القديمة من التنظيم الاجتماعي، وهذا ما ينبغي أن يؤدي.. إلى نهاية الديالكتيك التاريخية. (٧)
-يصل فوكوياما إلى ماركس، فيبعده من حلبة فلسفة التاريخ بهذا القول:-« إن النقد الماركسي للهيكلية وللمجتمع الليبرالي أصبح مألوفاً بحيث لا حاجة بنا لتكراره. ولكن الفشل الذريع للماركسية اليوم كركيزة للمجتمعات في العالم الواقعي- الذي أصبح أمراً مؤكداً تماماً بعد مرور مئة وأربعين عاماً على البيان الشيوعي- يطرح مسألة ما إذا كان التاريخ الشامل بحسب هيغل هو في النهاية أحد الحلول الأكثر تنبواً.» (٨)
بعد تجاوز ماركس، يستحضر فوكوياما ألكسندر كوجيف (٩): ويقدمه بهذا القول:-« إذا كان ماركس أهم مفسر لهيغل في القرن التاسع عشر، فإن كوجيف هو بالتأكيد أفضل مفسر له في القرن العشرين. فكوجيف مثل ماركس لم يشعر فقط بأنه معني بتفسير فكر هيغل، بل على العكس كان يستخدمه بشكل خلاق لإعطاء تفسيره الخاص للحداثة.» (١٠)
-إن التجسيد الأكمل لمبادئ الثورة الفرنسية متحقق بحسب كوجيف في بلدان أوروبا الغربية، التي وصلت بعد الحرب العالمية الثانية إلى درجة عالية من الثروة المادية والاستقرار السياسي. فهذه المجتمعات لم تعد لديها أهداف سياسية كبرى تريد تحقيقها بالصراع الجاد، وهي بإمكانها أن تشتغل بنشاطها الاقتصادي فحسب.. فنهاية التاريخ تعني لديه ليس فقط نهاية الصراعات الكبرى والأزمات السياسية الكبرى، وإنما أيضاً نهاية الفلسفة. وهكذا كانت المجموعة الأوروبية تجسيداً مؤسسياً ملائماً تماماً ل «نهاية التاريخ»..
(…)
لكن خلاصة هذا الاستحضار من فلسفة التاريخ، ترغم فوكوياما على التوقف «المعرفي» أمام «شرعيتها» وعلاقة ذلك بمفهوم «التشاؤم» الذي شكك في جدوى «العقلانية» الغربية برمتها. على أساس أن يشتغل على استرداد الثقة من قلب «التفاؤل» الذي تبلور في الفكر الليبرالي الغربي بعد تفكك الاتحاد السوفياتي. لذلك، نجده يحسم في التوقف بحكم صاغه كخلاصة للمسرب القرائي السابق على النحو الآتي:-يقول: «إننا بالتأكيد نستطيع أن نقول إن التشاؤم الكبير الذي أثاره القرن العشرين أفقد الثقة بمعظم.. التواريخ الشمولية.» (١١)
(…)
إن فلسفة التاريخ عرفت ، في سياق تطور الفكر الغربي، ذروتها المفهومية مع مشاريع شمولية حاولت فهم التاريخ البشري بوصفه صيرورة عقلانية تحمل في بنيتها اتجاهاً غائيًا نحو الحرية أو التقدم. وقد تبلورت هذه الرؤية بقوة في كتابات هيغل وماركس وكانط، حيث جرى تصور التاريخ باعتباره نظامًا كليًا منتظمًا، تحكمه قوانين عقلانية وتتخلله بنية غائية نهائية. غير أن هذه المشاريع فقدت بريقها خلال القرن العشرين، بفعل سلسلة من الانهيارات العنيفة: الحربان العالميتان الأولى والثانية، صعود الأنظمة التوتاليتارية، معسكرات الإبادة، الأزمات الاقتصادية، وانهيار الوعود الكبرى. لقد بدا، كما يشير فوكوياما نفسه، أن التاريخ لم يعد يحمل معنى شاملًا، وأن فكرة التقدم ذاتها صارت محل شك عميق. فكيف السبيل إلى استرداد الثقة مجدداً في كتابة تاريخ شمولي للبشرية، مادامت ممكنة؟ يتساءل فوكوياما، وينتدب نفسه للقيام بهذه المهمة..
————-
(١) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 82 (٢) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة نفسها (٣) إيمانويل كانط:( 1724 -1804). يُعد من أبرز فلاسفة عصر التنوير، وأحد أعمدة الفلسفة الحديثة، خصوصًا من خلال أعماله الكبرى مثل: نقد العقل المحض، نقد العقل العملي و نقد ملكة الحكم.. (٤) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 83 (٥) ويلهام فريدريك هيغل:(1724- 1804). مؤلفاته المرتبطة بفلسفة التاريخ: فينومينولوجيا الروح. يُعتبر هذا العمل من أهم مؤلفات هيغل، حيث يناقش تطور الوعي البشري عبر التاريخ، ممهدًا لفلسفته التاريخية. محاضرات في فلسفة التاريخ (نُشرت بعد وفاته): يقدم هيغل رؤيته للتاريخ كعملية عقلانية تتطور من خلال الديالكتيك، حيث يرى أن التاريخ يسير نحو تحقيق الحرية والعقل. (٦) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 85 (٧) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 88 (٨) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 89 (٩) ألكسندر كوجيف ( 1902 – 1968)- وُلد في روسيا ، لكنه هاجر إلى فرنسا بعد الثورة البلشفية، وحصل لاحقًا على الجنسية الفرنسية. يُعد كوجيف أحد المصادر المرجعية الكبرى لفوكوياما. (١٠) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 89 (١١) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة نفسها
(يتبع)





