ياجارة وادينا:- أوليس أمثال هؤلاء هم زعماؤنا الرمزيون؟محمد الجلايدي – القنيطرة – المغرب

إهداء:-إلى أهالينا بالحوز
«عشرون ثانية» فقط! كانت في تراخيها الزمني تكاد تقارب عقدين من الزمن! لا تُحس كزمن متصل، بل كزمن نفسي طاله الارتجاج. هي «عشرون ثانية» فقط، لكنها كانت كافية ليصل صداها إلى الكون من حولنا، وتنشَدَّ إليها أنفاسُنا، ويتسارع خفقانُ قلوبِنا كأنها تبحث عن يقينٍ وسط الاهتزاز.
إنّها ثواني الزلزال الذي حلَّ بإقليم الحوز، زلزالٌ شقَّ الأرض، لكنّه لم يشقّ إرادة شعبٍ تعلّم منذ قرون أن ينهض من تحت الركام كما تنهض السنابل من بين الحجارة.
وما إن هدأت الرجّات الأولى، وامتدَّ صداها الارتدادي إلى أوسع بقاع بلادنا، حتى كان شعبُنا، بكل فئاته ومسالكه وأقاليمه، يندفع كالنهر حين يستعيد مجراه، ليُحوِّل «الثواني» تلك من لحظة فزع إلى لحظة ميلاد جديد..
ميلاد ثورةٍ وطنية، مجتمعية، إنسانية، ثورةٍ نبيلة، هادئة، رزينة، منتصرة، لا تستعدي أحدًا إلا من عاداها، ولا تعتدُّ إلا بقيمها، ولا تعوّل إلا على ثروتها الأعمق. ثروتها التي لا تنضب، ولا تُقاس بوزن الأرض ولا بحجم الحجر، بل تُقاس بما يفيض من النفوس حين تُختبر.. وثروتُها: إنسانُها!!!
إنسانٌ عرف، في تلك اللحظات، أن التضامن ليس شعارًا، بل قدرًا، وأن البطولة ليست صفة نُسبغها على غيرنا، بل فعلٌ يتسرّب من اليد إلى اليد، ومن القلب إلى القلب، حتى يعمَّ الوطن بأكمله.
هكذا صارت «العشرون ثانية» صفحةً تُدرَّس في تاريخ الفخر، وتشهد أن الشعوب التي تبني مجدها على الإنسان لا تُهزم.. مهما ارتجّت الأرض تحت أقدامها.
(…)
امرأة مسنة تتحول إلى «أم لجميع المغاربة»!
مارست بطولةٌ سلوكية، بسيطةٌ في ظاهرها، عميقةٌ في أثرها. لم تفتعلها، لم تتكلّفها ولم تطلب لها شهودًا. كأنها وُلدت من تربة هذا الوطن ومن حنان نسائه الأوائل. هي امرأةٌ مسنَّة، تحمل من الزمن ما يكفي ليكون ظهرُها محنيًّا قليلًا، وخطواتُها متثاقلة، لكن قلبها.. كان أخفَّ من الريح. تمشي ببطء، تستعين بعكازٍ تمسكه بيمينها، وتحمل باليسرى قنينة زيتٍ من خمسة لترات؛ لا شيء كثير.. إلا لمن يعرف أن العطاء لا يُقاس بالكمّ، بل بكثافة الروح التي تقدّمه.
كانت تتجه نحو ساحةٍ يجتمع فيها المتطوعون لجمع التبرعات لضحايا الزلزال. لا كاميرات كانت في انتظارها، ولا خطب تلفزيونية تسبق خطواتها. كانت فقط امرأةً تقصد الخير كما يُقصد الفرَج. أبصرها شابٌ من المنظمين. رأى في تقدمها البطيء معنى أكبر مما تحمله يداها، فأسرع نحوها. وضعت القنينة على الأرض، كأنها تضع قلبها. انحنى الشاب على يدها.. وقبّلها قبلة امتنان، قبلة انحناء أمام رمزٍ لا يشيخ.
حمل الشاب زيتَها، وحمل معها صمتها، وحمل نيّتها الصافية. ثم استدارت المرأة وعادت نحو الطريق الذي منه أتت، خفيفةً كما لو أنها أتمّت رسالةً كُتبت لها وحدها.
لم تكن تدري أن عينًا التقطت المشهد، وأن صورةً منه ستُبَثّ على منصات التواصل، فتتحول تلك المرأة البسيطة، ذات العكاز والقنينة، إلى «أمٍّ لجميع المغاربة».
لم تلبس تاجًا، ولا خطّت بيانًا، لكنها لبست الدلالة كلّها:- دلالةُ شعبٍ يرى في نسائه الحكمة، وفي أمهاته العطاء، وفي مسنّاته بطولاتٍ صامتة تتفوّق على ضجيج العالم كلّه.
وهكذا..
من مشهدٍ عابرٍ على هامش ساحةٍ صغيرة، انبثقت زعيمة رمزية، قادت قلوب الناس من غير أن تتكلّم، وأثبتت أن البطولة الحقيقية لا تصنعها القوة، بل تصنعها النيّة حين تكون صادقة، والمحبة حين تكون بريئة، والإنسان حين يكون.. إنسانًا.
(…)
امرأة في مقتبل العمر تتحوّل إلى «أختٍ لجميع المغاربة»!
لم تكن تملك من الوطن حفنةَ تُراب، ولا من سمائه سحابةً تظلّلها، ومع ذلك كانت تنتمي إليه أكثر من كثيرين ممّن يملكون الأرض كلَّها. ترتدي جلباباً بسيطًا، وعلى رأسها غطاء يشبه ذاك الحياء المغربي الخالص.. ترافقها طفلةٌ تُمسك أصابعها الصغيرة بأصابع أمّها كما لو أنها تتشبّث بالعالم كله. توجّهت المرأة إلى ساحةٍ خُصِّصت لجمع التضامن مع أحبّتنا في الحوز والمناطق المتضرّرة. كانت الساحة مزدحمة بالوجوه والقلوب، لكنّ حضورها كان يضيء المكان كأنها جاءت تحمل شيئًا لا يُقاس بالكيلوغرامات ولا بالأرقام المكتوبة على إيصالات التبرّع. وقفت أمام الشباب المنظمين، نظرت إليهم بعينين تحملان صدقًا لا يحتاج إلى لغة، وقالت بصوتٍ منخفض، لكنه أثقل من الجبال:
-«لا أملك إلا خاتم زواجي.. فخذوه.»
سقطت الكلمات في مسامع الشباب كما تسقط قطرةُ ماءٍ على تراب عطشان. ذهلوا! ووقفوا بين الاستغراب والانبهار، وكأنّ تلك المرأة أعادت تعريف معنى العطاء في لحظة واحدة. أحد الشباب أسرع ليقول لها:
-«ردّيه إلى إصبعك.. هذا الخاتم ليس للتبرّع، هذا الخاتم شاهدُ حبٍّ.. وشاهدُ صبرٍ..
وشاهدُ حياة.»
ثم توالى المنظمون، واحدًا تلو الآخر، على تقبيل رأسها، في مشهدٍ يشبه صلاةً وطنيةً صامتة، أقيمت في لحظة تقدير لا تحتاج إلى خطيب. كانت الطفلة تتشبّث بأمّها، تراقب ما يجري بعيونٍ لا تفهم بعد معنى «التضامن»، لكنّها كانت ترى أمامها كيف يمكن لفعل صغير أن يفتح للإنسان بابًا إلى قلوب الملايين. ولم يمض وقتٌ طويل حتى قام شابٌّ بتوثيق الحدث بالصوت والصورة، لتنتشر اللقطة كوميض عبر منصات التواصل. ثم التقطتها وسائل الإعلام الوطنية، فالدولية، حتى صارت قصة امرأةٍ بسيطة عنوانًا لكرامة شعبٍ كامل.
وفي لحظات، تحوّلت تلك المرأة إلى «أختٍ لجميع المغاربة». أختٌ لا تُعرَف باسم، ولا تحتاج إلى نسب، يكفي أنها حملت في قلبها ما يكفي وطنًا كاملاً من الحبّ والتجرد والإنسانية. أختٌ منحت خاتمها، لكنّ الوطن – كل الوطن- أعاد إليها قيمة أكبر: قيمة الانتماء. وهكذا.. في زمنٍ يُقاس فيه التضامن أحيانًا بالأرقام، جاءت تلك المرأة لتُعلّم الجميع أن العطاء الحقيقي ليس في ما تقدّمه يدك.. بل في ما تُنزله روحك على كفّها.
(…)
أفقرُ فقراءِ بلدِنا.. يُبدِعُ بتلقائيةٍ درسًا تربويًا بليغًا في المؤازرة الوطنية!
ليس كلُّ بطلٍ يلبس ثوبًا لامعًا، وليس كلُّ تضامنٍ يحتاج إلى عدساتٍ أو منابر. أحيانًا، يأتي الدرس من رجلٍ بسيط، لا يملك من الدنيا إلا قوت يومه، ولا يملك من الرفاه إلا ما يجود به الله حين يتسامح الزمان معه. كان رجلًا يمتطي درّاجةً متهالكة، دراجةٌ تصدر أنينًا خفيفًا كأنها تشاركه ثقل الحياة الذي يحمله على كتفيه. وعلى ظهرها، رُبِط نصف كيسٍ من الدقيق، هو كلّ ما استطاع هذا الرجل أن ينتزعه من بين حاجاته التي لا تنتهي.
توجّه نحو ساحة التضامن حيث كان الناس يتوافدون من كل مكان، يحملون ما تيسّر من خيرٍ لضحايا الزلزال. وصل الرجل، نزل عن دراجته ببطء، ثم حمل نصف كيس الدقيق بين يديه كما لو كان يحمل كنزًا نفيسًا. تقدّم إلى لجنة التنظيم، ووضع ما في يده أمامهم قائلاً بصمتٍ عميق:
-«هذا نصيبي.. وهذا وطني.»
لم يتكلّم، لم يشرح حاله، ولم يعتذر عن ضآلة ما تبرّع به. كان يعلم في داخله أن قيمة العطاء ليست في وزنه، بل في صدقه. سلّم الرجل نصف فقره، ثم عاد إلى دراجته، وأدارها مبتعدًا كما لو أن الأمر كله كان واجبًا لا يستحق الثناء. لكنّ أحد الحاضرين كان قد التقط المشهد. وثّقه في فيديو قصير، لم يتوقّع هو نفسه أن يجد تلك اللقطة الصغيرة طريقها إلى العالم بأسره.
خلال ساعات، انتشر الفيديو على منصات التواصل كأنّه رسالةٌ مكتوبة بنبض القلب، تُذكّر الناس بأن الفقر ليس عقبة أمام الكرامة، وأن الإنسان قد يكون كبيرًا حتى ولو كان جيبه فارغًا. وتحوّل ذاك الرجل البسيط، ذاك الذي لم يقصد الشهرة يومًا، إلى نجمٍ عالمي، تتناقله القنوات الدولية بوصفه رمزًا للإنسانية الخالصة، ولشعبٍ يعرف كيف يقف على قلبٍ واحد حين تناديه المحنة.
هكذا.. من نصف كيس دقيق، ومِن رجلٍ لا يملك إلا تواضعه،…وُلد درسٌ تربويٌّ خالد ستظلّ الذاكرة الوطنية تردّده:-أن العطاء يبدأ من الداخل.. ولا يحتاج إلى ثروة كي يصبح نورًا يصل إلى آخر الدنيا.
هي ثلاث حكايات من مجلد ضخم:
لا يجمع بينها نسب، ولا جهة، ولا لون، ولا طبقة اجتماعية. يجمع بينها شيء أكبر: الإنسان المغربي حين يُختبر. امرأة مسنّة.. وشابة بطفلتها.. ورجل فقير.. ثلاثةُ وجوهٍ لأيقونة واحدة: أن الوطن ليس جدرانًا، ولا حدودًا، ولا خطبًا.. الوطن يبدأ حين يقول الإنسان:- «ها أنا.. بما لديّ.»
وفي لحظة الزلزال، لم يتجه المغاربة إلى بعضهم البعض بالمؤازرة فقط، بل اتجهوا نحو أرقى ما فيهم، فصنعوا من المحنة ملحمةً، ومن الوجع درسًا، ومن الفقر قوة، ومن البساطة بطولة، ومن الفعل الصغير.. وطنًا كاملًا يعيد اكتشاف نفسه.





