ياجارة وادينا: – ماذا عن «فعل الكتابة الإبداعية» والبطولة؟محمد الجلايدي- القنيطرة – المغرب

الإهداء :
-إلى من يعتبرهم التاريخ الرسمي كائنات لا تاريخ لهم إلى جارة وادينا التي قالت (لا) في وجه من قالوا(نعم)، فعوقبت ولم تنحن.. لأنها تؤمن بأن الانحناء مر!
ياجارة وادينا: – ماذا عن «فعل الكتابة الإبداعية» والبطولة؟
لمّا قرأتُ قول (*) أحلام مستغانمي بأنّ الكاتب الشريف لم يعد قادرًا على أن يصنع لأبطاله حياةً يستحقونها في عالمٍ مكتظّ بالنذالة، أحسستُ أنّ الكلام- على جماله- يحمل في داخله تعبَ روحٍ أنهكها الوقوف طويلاً أمام جدارٍ لا نافذة فيه!
شممتُ في العبارة رائحةً من الاستسلام، وبعضاً من الإيماء الخافت بأنّ البطولة في الأعمال الإبداعية صارت أثرًا بعد عين!!
لكنّي، كلما وقفت أمام الحياة في رحابك -ياجارة وادينا، ويامدينتنا الغالية، ويامن صرخت ضد الظلم بقول (لا) أمام من قالوا (نعم)؛ أدركتُ شيئًا يحرّضني على رفض هذا الاسترخاء المستسلم كذاك الذي يأتينا من الأعراض الجانبية عندما نتناول دواء ما لعلاج مرض ما، وقلت لنفسي:
«لا، إن البطولة لا تستأذن العالم كي تظهر. وأنّ الإنسان، مهما تعثّر، يحمل في داخله شُعلةً لا تُطفئها نذالة الكون كله.»
وعلى هدي هذا القول فكرت في الكتابة حين تتنفّس ببطء، وقلت:
«الكتابة بالنسبة إليّ ليست فعلاً لغويًا، بل فعلًا تنفّسيًا، يستلُّ إليه من بين طبقات الوجع، ويُعاد ترتيبه ليصير معنى.»
لذلك:
فعندما أكتب، لا أكتب استجابةً لظلامٍ يفرض قوانينه، بل أكتب لأنّ في أعماق الناس ضوءًا يفتّش عمّن يراه. أكتب كي لا يضيع ذلك النور اليوميّ، الذي يخرج من خطوات امرأة تغادر بيتها قبل الشمس، ومن نظرة رجلٍ يقاوم السقوط دون أن يتباهى بصموده، ومن يد طفلٍ يقبل منحة الحياة رغم محنها..
هذه اللمعات الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد، هي التي تصنع- بملامحها الخفية-جوهر البطولة.
إن البطولة ليست مشهدًا، بل طريقة في النهوض. وبناء عليه أرفض أن أختزل البطولة في من ينتصر في النهاية. البطولة، كما ألمسها حين أضع أذني على نبض العالم، هي الطريقة التي ينهض بها الإنسان لحظةَ سقوطه. هي تلك الثانية القصيرة التي يقرر فيها القلب ألّا ينحاز للظلام. هي ذلك الصمت المشعّ الذي يحفظ للإنسان ملامحه، حتى لو تكسّرت حياته في الخارج و تشّظت كزجاج مرآة تكسّرت.
أما الأبطال الذين أكتبهم فهم ليسوا فوق البشر، بل هم بشر عرفوا كيف يحافظون على طهارةٍ داخلية، حتى وهم يمرّون في الأزقة المظلمة للحياة.
و الذين تحدّثت عنهم أحلام من نخب هم خشب مهترئةٌ تتآكلها أنانيتها- وبالتالي فقدوا شرعية أي مصدرً للبطولة. إنّهم غبارٌ يلمع فقط لأنّ الضوء يمرّ فوقه. أما البطولة الحقيقية فتنام في الجهات المنسية من العالم: في يد عاملٍ يعرف أنّ يومه لن يكافئه لكنه يعمل، في امرأةٍ تضحك لتُقوّي أبناءها لا لتُقوّي نفسها، في صبر شيخٍ يغسل ما تبقّى من العمر بماء الرضا، في فتاةٍ تحلم رغم أن الحلم نفسه يتعب من كثرة الانتظار.
هؤلاء لا يكتبون أسماءهم في الهواء، ولا يدبجون لأنفسهم مجدًا مصنوعًا، لكنّهم يمنحون الحياة قوامها اليوميّ، رغم أنّ الحياة نادرًا ما تشكرهم.
فقول أحلام يرى العالم مظلمًا بما يكفي ليغتال صورة البطل. أما أناي الكاتبة فترى العالم مكسورًا بما يكفي ليقيم البطولة في الشقوق. أحلام نظرت إلى السماء فرأت سوادًا، وأناي الكاتبة تنظر إلى الأرض فتلتقط بحس وقع الندى على الورد، خطواتٍ تشرق كلما اقتربت. فأدرك بأن البطولة ليست في تعالي الإنسان، بل في تواضع الروح حين تصمد. ليست في شهرة الأفعال، بل في نظافة السريرة حين تختار الخير رغم إغراء السقوط.
إن علاقة الكتابة بالبطولة كعلاقة خيطٍ بضوءٍ يتسلّل إليه. الكتابة تلتقط المعنى، والبطولة تُضيئه.
و حين أكتب، أشعر أنّني أمدّ أصابعي إلى قلوبٍ تتنفّس بصعوبة، وأضع حولها هواءً من الكلمات، كي لا تختنق في صمتها. أبطال كتابتي ليسوا خارقين، بل مرهقين يواصلون الطريق؛ وأرى في مواصلتهم جمالًا أقرب إلى الشعر من أيّ خطابٍ بطوليّ آخر.
ومنهم أستلهم روحاً إيجابية وأتعلم، لأنني أؤمن أنّ الإنسان، مهما التصقت به ظلال العالم، قادرٌ على أن يحفظ بقعة نقية في صدره، بقعةً صغيرة جدًا، لكنها كافية كي تقول:
«أنا حيّ. وأنا قادر على الخير. وأنا لا أستسلم.»
و حين أُسأل عن الكتابة في علاقتها بالبطولة، أجيب كما أجيب نفسي: «البطولة لا تكبر في الضوء، بل تكبر في القلب. والكتابة لا تتحدث عنها، بل تنصت إليها.»————————
(*) كتاب : «شهيا كفراق» لأحلام مستغانمي – الصفحة 93 .





