II كتاب فوكوياما «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» لفوكوياما: فكر أم إيديولوجيا؟✍️محمد الجلايدي- المغرب

-مالذي حمل فوكوياما على إنجاز مقاربته حول «نهاية التاريخ» لمناصرة الديمقراطية الليبرالية؟ -وكيف طور هذا الإنجاز من مقالة إلى كتاب؟
هذا الاستفهام بهذا المبنى والمعنى ينقلنا إلى:
II-المخرج النظري الداعي إلى المقاربة كباعث نفسي، وتحويل الباعث إلى منجز نصي:
إن عودة «التفاؤل» النفسي لمناصري الديمقراطية الليبرالية- ومن بينهم فوكوياما- نجم عن التحولات التاريخية، والثقة التي بلورتها التحولات تلك لصالح الديمقراطية الليبرالية، بعد أن تفردت في مساحات شاسعة من الجغرافيات البشرية على الأرض. وقد تمثل في «الانهيار الكلي غير المنتظر للشيوعية في جميع بلدان العالم تقريباً وذلك ابتداء من نهاية الثمانينات.» (١)
هذه التحولات حملت فوكوياما من الباعث النفسي المتفاءل، إلى التفكير في تحويل فكرة كتابة «التاريخ الشمولي للبشرية» إلى منجز نصي. فالمشروع كمهمة ممكنة في نظره، لذلك وضعها فوكوياما على مائدة تفكيره. و كانت بوصلته محددة في الإجابة على سؤال مركب من طرفي نقيض: الطرف الأول «هزيمة البدائل» للديمقراطية الليبرالية، والطرف الثاني «الانتصار والتفرد» الذي حظيت به في المشهد السياسي العالمي كهندسة سياسية لنظام الحكم، وأسباب فشل الايديولوجيات المناهضة لها، وعوامل تفوقها على ضدها وأسباب ذلك.
فزوال «التشاؤم» حصل إذن، لا بدافع فكري ومجهود اجتهاد نظري معلل، بل بفعل أحداث تاريخيّة حصلت من دون توقع حصولها. وارتفاع منسوب التفاؤل تجاه جدوى وأحقية الهندسة السياسية الدمقراطية الليبرالية تحول لدى فوكوياما إلى ثقة موثوقة في هذا النظام كحكم يتسم في نظره ب «الشرعية الإطلاقية».
ولتعزيز هذه الثقة فكّر فوكوياما في «التفاؤل» باعتماد آلية القياس التماثلي من التاريخ. فقارن بين منسوب «التفاؤل» و «الثقة» لدى مناصري الفكر الليبرالي، خلال القرن التاسع عشر، وبين أتباعهم خلال النصف الأول من القرن العشرين. معتبراً أن مناصري الفكر الليبرالي الأوائل كانوا مفعمين بثقة لا حدود لها في جدوى ونجاعة الحكم الديمقراطي الليبرالي، رغم التوترات الصدامية التي غطت مساحة زمنية امتدّت قرنين: انتفاضات، تمردات، حروب، انقلابات وثورات. وكل هذه الصدامات كان ثمنها الدم. لكن ورغم ذلك، يعتبر فوكوياما- أن المستقبل لدى رواد الفكر الليبرالي كان منظوراً. وكان الكفاح من أجله مشروعاً. وكان هدفه واضحاً وممكناً وإن تطلب الدم. والهدف إحداث قطيعة مع تخلص الشعوب الأوروبية من ظلام القرون الوسطى، ومن أسبابه. أي خوض غمار الاقتتال للإطاحة بأنظمة الحكم التسلطية الأرستقراطية والإقطاعية التي سادت وعمرت عدة قرون من تاريخ أوروبا الأسود تحت إمرة حكام اعتبروا أنفسهم ممثلين لله في الأرض، بدعامة وتحالف السلطة مع الدين المسيحي.
لكن حروب النصف الأول من القرن العشرين ونتائجها الفورية والبعدية المدمرة للإنسان والإنسانية وبشكل شامل، بفعل الجنون اللاعقلاني، عصف بثقة القرن التاسع عشر، وأتلفت المستقبل الذي كان واضحاً فصار عدماً وعدمياً.
ولم يكن ممكناً، في نظر فوكوياما، استرداد الثقة التي ضاعت إلا بفعل أحداث نهاية القرن العشرين، التي كانت فجائية وغير منتظرة. فعودة الصين إلى الانفتاح وتفكك الاتحاد السوفييتي، حدثان لم يحصلا بفعل الصراع المستميت بين الرأسمالية والشيوعية، ولا بفعل حرب، ولا بفعل أدوات العمل الاستخباراتي.. بل حصلا بفعل عوامل أخرى محض داخلية في كلا البلدين. هذه العوامل يمكن تلخيصها في الفكرة التالية:- انحباس الهندسة السياسية الشيوعية، وهي تمارس الدمج الكلي بين نظامها السياسي وجغرافيتها البشرية مع نظام إنتاج الثروة الزراعي والمصنعي، أمام حقل العلم والتكنولوجيا المتطور باستمرار وبلا توقف.
يقول فوكوياما لتلخيص معادلة «التشاؤم والتفاؤل» وعودة الثقة المفقودة للديموقراطية الليبرالية، بين وقائع وأحداث منتصف القرن العشرين ووقائع وأحداث نصفه الثاني:-«إذا كان التجديد السياسي الرئيسي في بداية القرن العشرين هو إنشاء التوليتارية في ألمانيا وروسيا، فإن أواخر القرن كشفت بالمقابل عن الضعف المدهش في بنياتها المركزية. هذا الضعف البالغ الكثافة وغير المتوقع يوحي بأن دروس التاريخ المتشائمة التي يُدّعى أن عصرنا قد فرضها، تحتاج إلى إعادة النظر فيها بشكل جذري جديد.» (٢) وإعادة النظر الجذري هي المهمة التي انتدب نفسه للقيام بها. فانطلق في تحويل المهمة المبنية على «التفاؤل» المستعاد كباعث نفسي، إلى التفكير والكتابة في «التاريخ الشمولي للبشرية» ليفسر لماذا انهزمت البدائل المضادة للديمقراطية الليبرالية؟ ولماذا هي التي خرجت منتصرة؟ ولماذا انتصرت؟ وهل نصرها نهائي؟ وإذا كان نهائياً، فهل نهايته حتمية. وإن كانت حتمية أفلا يعني ذلك «نهاية التاريخ؟».
-الانتقال من المنجز في شكل مقالة إلى منجز في شكل «أطروحة» ضمن كتاب:
المقالة التي كتبها فرانسيس فوكوياما بعنوان (نهاية التاريخ؟) نُشرت في صيف عام 1989 في مجلة ( The National Interest) والتي مهدت لاحقًا لكتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» الصادر سنة 1992. وسياق كتابة المقالة، كان قبل سقوط جدار برلين بنحو خمسة أشهر، وفي أواخر الحرب الباردة، حيث كانت الأنظمة الشيوعية تنهار تباعًا.
أما المحتوى الأساسي للمقالة فهو- في خلاصة مركزة-:
١-لا يقصد فوكوياما «نهاية الأحداث» أو «الوقائع»، بل نهاية التطور الإيديولوجي للبشرية. لذلك وبناء عليه يقترح أن الديمقراطية الليبرالية هي الشكل النهائي لنظام الحكم الذي استطاع أن يلبي احتياجات الإنسان السياسية والاقتصادية والنفسية. و ما نشهده ليس فقط نهاية الحرب الباردة، أو انتهاء فترة ما من التاريخ، بل نهاية التاريخ بوصفه تطورًا أيديولوجيًا شاملًا للبشرية.
٢-المرجعية الهيغلية: يستلهم فوكوياما من هيغل، كما فسّره ألكسندر كوجيف، أن «الصراع من أجل الاعتراف بالأنا من طرف الآخر» هو محرك التاريخ. وأن الديمقراطية الليبرالية، بحسب فوكوياما، تحقّق هذا الاعتراف المتبادل بين المواطنين، وبالتالي تُنهي الحاجة إلى صراع إيديولوجي جديد.
٣-سقوط الشيوعية: اعتبر فوكوياما أن انهيار الاتحاد السوفييتي وتجربة أوروبا الشرقية برهنت على فشل البديل الشيوعي. و يرى أن الليبرالية ليست منتصرة عسكريًا فقط، بل أخلاقيًا وفكريًا، لأنها تضمن الحرية الفردية والكرامة الإنسانية.
٤-الاقتصاد الليبرالي كنظام عالمي: يشير إلى أن الرأسمالية المعتمدة على اقتصاد السوق أثبتت أنها النظام الوحيد القادر على تحقيق النمو والاستقرار. أما الأنظمة الاشتراكية- حسب المقالة- فقد اضطرت للتكيّف مع السوق لكنها لم تصمد فانهارت.
٥-تحفظ احترازي: لم يكن فوكوياما يقينيًا بالكامل؛ في هذه المقالة لذلك وضع علامة استفهام في العنوان: «نهاية التاريخ؟». وسبب وضع علامة الاستفهام اعترافه بأن الخطر ما زال قائمًا من الأصوليات أو القوميات أو الشعبويات في أوروبا والعالم . لكنه يرى أنها لن تشكّل بدائل إيديولوجية حقيقية قابلة للتعميم عالميًا مثل الليبرالية.
-من المقالة إلى كتاب (1992):
وسّع فوكوياما أطروحته وأضاف عناصر التحليل النفسي- الفلسفي من خلال مفهوم «التيموس» (Thymos) عند أفلاطون ومفهوم «الاعتراف» عند هيغل. ثم فصّل التهديدات الممكنة لأطروحته من طرف «الإنسان الأخير»:- كالشعور المحتمل بالنقص، والنزعة التدميرية، وأزمة المعنى (نيتشه)..
سؤالنا بخصوص هذه المهمة التي تحولت من مقالة إلى «أطروحة» في كتاب:
– ما الغاية إذن من انتقال فوكوياما نحو تجاوز مقاربته التفسيرية لانتصار الديمقراطية الليبرالية (في المقالة) إلى اعتماد فلسفة للتاريخ (في الكتاب)؟
١-تحويل الملاحظة الآنية إلى أطروحة كونية: المقالة كانت تفسيرًا سياسيًا راهنًا لانتصار الديمقراطية الليبرالية مع انهيار المعسكر الشيوعي. أما في الكتاب، فإن فوكوياما أراد أن يتجاوز التحليل الظرفي ليقدّم إطارًا فلسفيًا كونيًا لفهم هذا الانتصار كذروة لمسار تاريخي طويل. أي: أراد أن يُبرهن أن ما حدث ليس مجرد حدث سياسي، بل نقطة اكتمال لمسار تاريخ البشرية نحو الحرية.
٢-تأصيل الانتصار الليبرالي في سياق فلسفي عميق: وجد فوكوياما أن التحليل السياسي غير كافٍ لتفسير لماذا انتصرت الليبرالية. لذلك، استدعى هيغل، وكوجيف، وكانط، وأفلاطون لتأصيل الفكرة التالية: أن الديمقراطية الليبرالية ليست فقط نظامًا فعالًا، بل هي تجلٍ أخير لاحتياج إنساني عميق إلى الاعتراف والكرامة.
٣- الردّ الفلسفي على ماركس والنظريات الحتمية: بتحويل الطرح إلى «فلسفة للتاريخ»، وضع فوكوياما أطروحته في مواجهة مباشرة مع: الماركسية، التي اعتبرت أن التاريخ سينتهي بالشيوعية. ومع نيتشه وفوكو: اللذين شككا في معنى التاريخ ككل. أراد أن يقول: كما أن ماركس قال «نهاية التاريخ هي الشيوعية»، فأنا أقول: «نهاية التاريخ هي الليبرالية»، لكن بأساس مختلف.
٤-مواجهة النقد وتساؤلات ما بعد الانتصار: بعد النشوة الأولى بانهيار الشيوعية، ظهرت تساؤلات:- هل الليبرالية حقًا نهاية لا يمكن تجاوزها؟ وماذا عن الدين؟ القومية؟ الأصوليات. فوكوياما رأى أن عليه تحصين أطروحته بمفاهيم أعمق، فذهب إلى «التيموس» (أفلاطون)، و«الاعتراف» (هيغل)، و«الإنسان الأخير» (نيتشه).. لتفسير لماذا قد تبقى الليبرالية رغم كل التهديدات.
٥-من السياسة إلى الإنسان و تعميق البُعد الإنساني- الأنثروبولوجي: في المقالة، الإنسان كفاعل سياسي- اجتماعي. في الكتاب، الإنسان ككائن يسعى للاعتراف والكرامة والمعنى. هنا يتحول الانتصار الليبرالي إلى تتمّة لمسار الإنسان نحو الحرية، وليس مجرد هزيمة للخصم الأيديولوجي.
نستنتج مما تقدم:
أن فوكوياما انتقل من مقاربة تفسيرية سياسية لحظية إلى «فلسفة التاريخ»، لأنه أراد أن يمنح الانتصار الليبرالي مشروعية وجودية وتاريخية وفكرية، لا النظر إليه كمجرد واقعة استراتيجية في لحظة ما. لقد أراد أن يقول: ما انتصر ليس الغرب، بل فكرة الإنسان الحديث التي وصلت ذروتها في الليبرالية الديمقراطية. معناه أن فوكوياما في مقاربته التي حولها من مجرد مقالة إلى بحث موسع في كتاب وإسناد أطروحته ب «فلسفة التاريخ»، كان يعي جيداً مستلزمات نقل التنظير لانتصار الديمقراطية الليبرالية من حقل التعاطي المرتبط بالواقع المرجعي الحي ماضياً وحاضراً وتنبؤاً وثيق الصلة بأفق منظور؛ إلى الفلسفة التي تناولت التاريخ الشمولي للبشرية. فغايات هذا الصنف من التعاطي الفلسفي لا يقف عند حدود التوصيف ل«الانتصار» الذي تحقق لصالح الديمقراطية الليبرالية وأسبابه البنيوية والتاريخية، بل تتعدى ذلك إلى استنباط قوانين التحولات العامة في تاريخ البشرية، التي تتحكم في التاريخ الكلي والصيرورة التاريخية التراكمية والنوعية. هذه القوانين لا تكتسب شرعية المعنى إلا إذا اكتسبت معيار الإطلاقية الفلسفية التي تجعلها قوانين صالحة في كل مكان وكل زمان: في الماضي، في الحاضر، في المستقبل وعلى الدوام. إن وعيه بمستلزمات فلسفة التاريخ، وغايته من اعتمادها، حاول بها أن يضفي الصبغة التالية على «انتصار الديمقراطية الليبرالية وبقائها متفردة في لحظة من التاريخ»:- إن هذا «النصر المدوي» حكمته قوانين أفضت حتمياً إليه. و لم يكن بالصدفة. وقبل هذا وذاك، سيمسح طاولة بحثه من المقالة وما أثارته من ردود فعل نقدية عنيفة، ثم يضع المشروع البحثي بهذا «الطموح الفلسفي»، كي يسقط علامة الاستفهام عن «نهاية التاريخ؟» في المقالة، و ليؤكد «نهاية التاريخ» بدون استفهام شكي في أطروحة الكتاب. وكان سؤال البدء الذي نقله من المقالة إلى الكتاب:
– هل كتابة «التاريخ الشمولي للبشرية» أمر ممكن، مع انتصار الديموقراطية الليبرالية في نهاية القرن الماضي؟
(يتبع)
———
فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 44
فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة نفسها





