مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

آل عقيل.. محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

صورة مشوشة لشخص يرتدي نظارات وقميص مربع، يظهر في مركز الصورة مع تأثيرات فنية ملونة حوله.

-١- 
هم ثلاثة، ورابعُهم حارسُهم، وخامسُهم كلبُـهم! على مرافق منزلهم توزعوا: كل واحد منهم له جناح خاص. ولكل منهم في جناحه الخاص مكتب فاخر بجانبه كرسي وثير. وعلى كل مكتب حاسوب من آخر صيحة، إذا لمستَه، بك يطير.. أما حارسُهم فقد مكّـنوه من هاتف نقّال. به ينتقل من حال إلى حال!

(…)

التصقتْ حواسُّـهم بالشاشات في وَضَـح النهار، كما في جُـنْـح الظلام. وما لبثوا أن تحوّلوا إلى كائنات تُـمسك بكل الأزمنة بعيداً عن زمنهم الخاص، الذي أضحى يفارقهم من دون أن يُـحدِث فيهم ضجّـة أو رجّـة! يجوبون كل الأمكنة في أقاصي الدنيا، ومكانهم الخاص يبتعد عنهم رويداً رويداً! وعلى إثر ذلك، سرعان ما تبدلت في إدراكهم صورة كل شيء أمامهم ومن حولهم! كما تبدلت أيضا الكثير من الصور التي كانت مخزنة في ذاكرة كُـلٍّ منهم! أما سيولة الزمن المتصل فقد تشظَّـت فتداخلت، فصارت الثانيةُ فصلاً، والدقيقةُ عاماً، والساعةُ قرناً، وصار اليومُ ألفَ عام وعام! اسم الزوج عُقَيْل واسم الزوجة عُقَيْلة واسم ابنتهما عِقال! كلهم – وحارسهم معهم – أصيبوا بالمس في العقل، إلا كلبهم!

(…)

نَسِي عُقَيْل زوجته عُقَيْلة، ونسيا معا ابنتهما عِقال. ونسي الثلاثة جميعا حارسهم معقول الذي نسيهم ونسي الكلب، رغم أن فضل الكلب، كان عليه، وعلى آل عقيل، عظيما!

-٢-
تضوَّر الكلب جوعاً فتضرَّع لهم فرداً فرداً! ولأن حواسهم فارقت واقعهم المرجعي الحي، مكاناً وزماناً وعلاقاتٍ، فإنهم لم يلتقطوا الإشارات المتكررة من كلبهم! 
– ولقد أعذر من أنذر لأن اللّوم مرفوع عنه!
هكذا قال الكلب بصوت حانق من شدة الغضب، قبل أن يحمل بطاقة هويته الأسرية كفرد من أفراد آل عقيل، ويتوجه بها إلى منظمة الكلاب المُـتَـخَـلّـى عنهم، ليشكو الإهمال الظالم الذي طاله!
تبنَّـت المنظمة شكايةَ كلبِ آل عقيل، واشتغلت على النّازلة، فحوّلتها عبر أدوات التواصل الاجتماعي، إلى قضية رأي عام! مما حمل قاضي المدينة على إصدار أمرٍ باعتقال المتهمين الأربعة، والتحقيق معهم في تهمة الإهمال، المنسوبة إليهم من طرف كلبهم! ولأجل ذلك، هبَّـت فرقة خاصة إلى تنفيذ الأمر بالاعتقال، واقتادت المتهمين إلى مخفر التحقيق!

(…)

لكن المحققين لم يتوفقوا في التوصل إلى نتيجة تثبت أو تنفي. لأنهم فشلوا في ضبط جسر التواصل، عبر اللغة، مع المتهمين. وبما أن الأخذ والعطاء في الكلام كان مفقودا، فإن القاضي سيأمر بالإحالة على طبيب محلف، مشهودٍ له بالكفاءة المهنية، وبالاجتهاد والإبداعية، وأيضا بالنزاهة العلمية والفكرية!

(…)

ولأنني من قبيلة بني عُقَيْل حملتني نخوة الانتماء إلى العرق والدم، على عيادتهم، وتتبع أطوار علاجهم بانتظام. وكنت خلال كل زيارة أراجع الطبيب ليخبرني بتطور الوضع. استمر علاجهم الاستعجالي طوال شهر، فاسترد كل منهم بعض ملامح المكان، والقليل من ربـط الساعة برمزية سيولة الوقت، لكن دون التوصل إلى تركيب محكمٍ للزمان في المكان. كما شرعت ذاكرة كل واحد منهم، في التحرك، لملاحقة الدق في القلب، لكن ليس كما كان. فما بقي من أوهام وأحلام، صاغه العقل الممسوس في مقولات اتهام! وهي حالة سماها الطبيب ب: 
-الصمم الرقمي! 
وسببها -حسب قوله -الإدمان المقدر قياسا بجرعة من الكوكاكيين تنطلق بصفر، إلى ثلاثين مليغراما! ثم ترتفع ! وهو مرض جديد، وصل إلى الذروة في الانتشار مع تسونامي أدوات التواصل الرقمية!

-٣-
ولعلاج هذا المرض، قرر الطبيب الشروع في الشوط الثاني من الرعاية الصحية، على أن تكون في فضاء طبيعي يشكل امتدادا للمصحة!
كوخ من الطين والقش والقصب. بئر ماء ودلو. وأرض بور. وحمار ومحراث خشبي. أسند لعُقَيـلٍ وهو مهندس زراعي، مهمة فلاح. وأسند لعُقَيْلة وهي مديرة مقاولة، مهمة تدبير شؤون الكوخ: كنسٌ وطبخٌ وتنظيف. فيما أسند لعِقال مهمتين: جلب الماء من البئر، وإطعام الحارس معقول المكلف برعي الغنم. 

أما مواجهة الصمم الرقمي فقد خط له الطبيب برنامجا بعديا، انطلاقا من حصيلة الفيدباك المرتبط بهذه المرحلة العلاجية الوسيطية، و في انتظار تخطيهم لآخر وصلة حواريّة علقت  تفاصيلها الغامضة في عتـمـات ذاكرتهم المشـتركـة. والتي بفرط تـكرارها صيروها كالوصلة الإشـهاريـة التلفزية:

-٤-
أمُرُّ كل صباح على عُقَيل يحرث الأرض البور بالمحراث الخشبي يجره حماره الأعرج، فأقول له بأعلى صوتي:
-أعانك الله يا عُقيْل.
يتوقف عن الحرث، يُخرج منديلا من جيبه، يمسح العرق المتصبب على جبينه، ثم يكشر ويرد على قولي بغضب:
-رغم أن حماري أعرج فإنه صبور وقوي ومثابر.
يعود عند الزوال لأكل لقمة، فيقول لزوجته عُقَيْلة بحنق:
-إبن عمومتنا يعيرني ويقول لي بأن حماري أعرج!
تجيبه عُقَيْلة وعلامات الحزن بادية على ملمحها، بعد أن تمسك بيديها خصرها، فتقول:
-إذا أردت الزواج بأخرى تزوج، لم يعد الأمر يهمني.

تقف عِقال فتقول لها أمها عُقَيْلة باكية:
-أبوك يريد الزواج بأخرى.
تجيب عِقال أمها عن قولها:
-إذا أردتما تزويجي فأنا اخترت إما ابن عمي أو الراعي معقول.

ثم تحمل الأكل وتخرج وهي تتمايل في مشيتها، وتلحق بالراعي. تسلمه قفة الأكل، وتقول له بغنج أنثوي:
-والداي يريدان تزويجي بابن عمي، وأنا أقول لهما لا أتزوج غير حبيبي الراعي.
يأخذ الراعي الأكل، ويجيبها:
-لم أقل لكم هذا الطعام قليل، ولم أقل لكم هذا الطعام كثير، فما جُدْتُم به علي آكله، وأحمد الله.

-٥-
وحين هم الطفل في دواخلي بالضحك، صرخ! لأن شريط الرسوم المتحركة توقفت صورُه وتعطلتْ لغة الحاسوب أمامي. انتبهتُ بحثا عن السبب، كان الصبيب قد انقطع. لحظتها أدركت بأني كهل صغير السن. ولم يبق بيني وبين حالة آل عقيل، سوى بضع خطوات أو بضع لحظات (!!!)

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading