التربية الدامجة: من “حق الحضور” إلى “واجب النجاح” – رانيا أقلعي

لم يعد الحديث عن التربية الدامجة اليوم مجرد ترف فكري أو شعار ترفعه المنظمات الحقوقية، بل أصبح ضرورة حتمية لإعادة بناء المدرسة المغربية على أسس العدالة والإنصاف.
إن الانتقال من مفهوم “الإدماج” البسيط إلى “الدمج الشامل” يمثل ثورة في الفلسفة التعليمية حيث لم نعد ننتظر من الطفل في وضعية الإعاقة أن يتكيف مع بيئة مدرسية جامدة، بل أصبح لزاما على المدرسة أن تعيد تشكيل نفسها لتستوعب الجميع.
يخطئ الكثيرون حين يحصرون الإعاقة في الجانب الطبي، بينما في التربية الدامجة، ينظر إليها كحالة تفاعل بين قدرات الفرد وعوائق البيئة، فالإعاقة الحسية سواء كانت بصرية أو سمعية، لا تمس ذكاء الطفل، بل تمس قنوات تواصله مع المعلومة، وبمجرد توفير وسائط بديلة كطريقة برايل للمكفوفين، أو لغة الإشارة والوسائط البصرية للصم، يذوب العائق وتبرز القدرة.
وكذلك الحال مع الإعاقات الخفية مثل اضطرابات التعلم (الديسليكسيا) أو اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، فهي ليست نقصا في القدرات، بل هي اختلاف في معالجة المعلومات يتطلب مرونة في التدريس لا أكثر.
ولإنجاح هذا المسار يجب الاعتماد على “المثلث الذهبي” الذي يتألف من الفضاء المستجيب، المنهج المرن، والمورد البشري المؤهل، فالمدرسة الدامجة ليست مجرد منحدرات للكراسي المتحركة، بل هي قسم صديق للحواس ومنهج يسمح بتكييف طرق التقويم والامتحانات، لتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص الذي لا يعني إخضاع الجميع لنفس الاختبار في نفس الظروف، بل يعني إعطاء كل طفل المفتاح الذي يفتح قدراته الخاصة، سواء عبر منح وقت إضافي، أو تحويل الكتابة إلى إملاء، أو استخدام التكنولوجيا المساعدة.
ولابد من الإشارة إلى أن الأستاذ مهما بلغت كفاءته، لا يمكن أن يشتغل في معزل عن باقي المتدخلين، فالمختص النفسي والاجتماعي هو الذي يفكك شفرات السلوك، والأسرة هي الخبير الأول بطفلها والشريك الأصيل في وضع مشروعه البيداغوجي الفردي،عندما تتناغم هذه الأدوار، ننتقل بالطفل من حالة العزلة إلى حالة الاستقلالية.
و لا يجب أن نغفل عن أعظم أثر للتربية الدامجة الذي لا يظهر على الطفل ذوي التنوع الوظيفي فحسب، بل على أقرانه “العاديين”، ففي القسم الدامج، يتعلم الأطفال قيم التضامن، والتعاطف، وتقبل الاختلاف كغنى لا كعيب، هنا تبنى بذور مجتمع دامج، خال من التنمر والإقصاء، مجتمع يرى في التنوع سر قوته.
إن الطريق نحو مدرسة دامجة شاملة لا يزال طويلا ويواجه تحديات لوجستية وتمثلية، لكن الإرادة التربوية والوعي المجتمعي كفيلان بتذليل هذه العقبات، والاستثمار في إنسان الغد، ليكون وطنا يتسع للجميع كما هم، لا كما نريدهم أن يكونوا.
أستاذة بالتعليم الابتدائي
متخصصة في مجال التربية الدامجة





