مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سينما ومسرح

مسرحية جزيرة القرع لعبد الفتاح البلتاجي✍ا.د/علي خليفة

731866426 3920259071613598 6483811111043727502 n

مما يميز هذه المسرحية إيقاعها السريع الذي يشبه إيقاع السينما، وقد مَكَّنَ عبد الفتاح البلتاجي من كتابة هذه المسرحية بهذا الإيقاع السريع بها كونه كاتب سيناريو سينمائي متميز، وقد جعل المؤلف مسرحيته هذه مقسمة إلى مشاهد كثيرة، وهي أشبه ما تكون بمشاهد السينما في كثرتها وسرعة تنقلها، وزاد المؤلف على ذلك بأن أضاف للمشاهد المسرحية في هذه المسرحية بعض المشاهد السينمائية، وإن كنت أرى أنها لم تُضِفْ لهذه المسرحية، ويمكن الاستغناء عنها.
وعلى الرغم من الإيقاع السريع الذي يشمل معظم أجزاء هذه المسرحية فإن فيها إطالة، وبعض التكرار الذي يمكن أن يجعل المشاهد لها يشعر بالملل، خاصة في وصف حالة البلادة التي وصل إليها سكان جزيرة القرع، وعدم استشعارهم المشاعر الإنسانية كالحب والعطاء، وعدم الشعور بالإثم من عمل بعض المخالفات كتقديم الرشوة.
ومن الواضح أن هذه المسرحية هي مسرحية فنتازية من بدايتها لنهايتها، فهي تقدم بطريقة الكاريكاتير مجتمعًا فيه خلل كبير في أخلاقيات أفراده، ويصبح الشخص المستقيم السلوك غريبًا عليه، وغير متآلف معه؛ مما يجعله مدعاة للضحك والسخرية ممن حوله، وعرضة للاضطهاد أيضًا منهم – كحال ألسيست في مسرحية “عدو المجتمع” لموليير – وكان لا بد من طرد ذلك الشخص المستقيم الأخلاق من ذلك المجتمع، وإذا به تنفجر الطائرة التي كان يركبها، ويصبح هو الناجي الوحيد منها، ويقع في جزيرة القرع التي فقدت الإحساس بالزمن من أكثر من خمسة آلاف سنة، وصار أهلها متبلِّدي الأحاسيس، وفاقدي المشاعر الإنسانية؛ ولهذا فهم متشابهون في أشكالهم، وصار القرع الذي يوحي بالخواء هو ما يوحِّدُ بينهم، وصاروا كالآلات بدون أحاسيس بعد أن أصاب جزيرتهم – من أكثر من خمسة آلاف سنة – هزة كونية لم يفسرها المؤلف بغير ذلك.
وحين وصول ذلك الشخص الغريب إلى تلك الجزيرة يتصادم مع سكانها، ويستطيع أن يعيد لابنة رئيس تلك الجزيرة الأحاسيس التي كانت مختفية منها، ويحاول أن يقوم بدور المصلح لهذه الجزيرة، بإزاحة التبلد من أهلها وإعادة المشاعر لهم، ولكنه يجد مقاومة عنيفة منهم، وتنتهي المسرحية، وهو ما زال يحاول أن يزيل ذلك التبلد منهم.
وهي نهاية مفتوحة توحي بأن المستقبل لهذه الجزيرة ما زال غامضًا،
وغير معروف نتيجة مواجهة ذلك الغريب مع بعض الأنصار القليلين له من أهل هذه الجزيرة – لأهلها الذين عَشَّشَ فيهم التبلد، وصاروا فاقدين للحياة الإنسانية الطبيعية بما فيها من مشاعر وأحاسيس.
وأهم ملاحظة لي على هذه المسرحية أننا نرى أن بطلها يفر من مجتمع فيه انحلال خلقي وسلوكي إلى مجتمع متبلِّد فقد القدرة على الحياة الطبيعية،
وأن ذلك الشخص الغريب عليه حاول إصلاحه، وكان أولى به أن يحاول إصلاح المجتمع الذي فيه بعض الخلل السلوكي الذي جاء منه، لا أن يحاول إصلاح مجتمع منهار تمامًا وفاقد الإحساس بالزمن، وصار كل من فيه متبلِّدًا في مشاعره، وفاقدًا المشاعر الإنسانية.
وأعتقد أن المسرحية ترمز بشكل واضح لما يمكن أن يكون عليه حال بعض المجتمعات التي غَلَّبَتْ المادة على المشاعر الإنسانية أو تجاهلتها، من أنها قد يصبح حالها في المستقبل كحال أهل هذه الجزيرة.
وفي هذه المسرحية كوميديا واضحة تنبع من رسم المواقف الغريبة والعبثية بها، كما نرى ذلك في المشاهد الأولى بها داخل أحد المستشفيات
في كيفية تعامل بعض الأطباء مع المرضى في عمل عمليات غريبة لهم، ويخرجون منهم خلالها أعضاء كثيرة منهم، ومع ذلك يبقون أحياء، كما رأينا شبيهًا لذلك
في أحد مشاهد مسرحية “كيف يتخلص السيد موكينبوت من متاعبه” لبيتر فايس، وأيضًا رأينا بعض المواقف العبثية الطريفة في تلك الجزيرة التي صار أهلها

في تبلدهم الذي أصابهم – يستغربون كل ما هو إنساني، ومن الطريف أنهم صاروا قرعًا بلا شعر عدا شخص واحد منهم لديه شعرة واحدة، وكان يحبس نفسه معظم الوقت حتى تبقى له هذه الشعرة، وهي أمله الوحيد في أن يستعيد إنسانيته على هذه الجزيرة الغريبة! عرض أقل

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة