مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

المتمرد :حكاية في قصة عن الظلم والجريمة ومفارقة المصير✍أحمد محمود الباشا

صورة أحمد الباشا 215x300 1


المتمرد قصة تمتلك فكرة قوية، ومفارقة نهائية مؤثرة، وشخصية رئيسية مرسومة بوضوح، لكنها كانت ستغدو أكثر نضجاً فنياً لو خففت من المباشرة الإيديولوجية، ومنحت الشخصيات الثانوية مساحة أكبر للحياة والتعقيد. لذلك فهي قصة ناجحة فنياً
وملخص قصة المتمرد للكاتب أمين الساطي قصة قصيرة تتحدث عن رجل عادي للغاية، سجله العدلي ناصع البياض لا تشوبه شائبة، بلا سوابق أو مخالفات قانونية. يعمل في ورشة لطلاء السيارات، وفكر حالياً بالارتباط بابنة عمته “نوال” ذات الستة عشر ربيعاً.
العقبة الوحيدة في طريقه هي العثور على بيت يجمعه معها، في زمن أصبحت فيه تكاليف السكن ضرباً من الجنون. للمفارقة، يملك والده شقة من ثلاث غرف، كان قد أجّرها لموظف في وزارة المالية منذ نحو عشرين سنة. ومع انهيار قيمة العملة المحلية، تحول المقابل المادي إلى نكتة سمجة، والأنكى من ذلك، أنه بعد رحيل المستأجر القديم، انتقل الحق في السكن تلقائياً إلى ابنه “مأمون”، الموظف في وزارة الإسكان.
تأمل طوابير الموظفين بالآلاف، الذين لا ينجحون في إنجاز عمل مئة شخص كفؤ، إنها البطالة المقنعة التي التهمت قدرات البلد. هذه القناعة جعلته يرى أن القوانين الفاسدة لا تستحق الاحترام، وأن كسرها ليس خطيئة، بل هو محاولة بائسة لإعادة تقويم الميزان المائل.
في ظل هذه الظروف، يجب أن يسترد حقه بيده من الشخص الذي استولى عليه بغطاء قانوني .
في صباح يوم رتيب، تابعه من خلف مقود سيارته. عندما خطى حثيثاً مغادراً البوابة، عرض عليه بتهذيب: “تفضل معي، الطريق واحد”. ركب بجانبه، وانطلقا يتبادلان أطراف الحديث.تابع قائلاً بنبرة عفوية: “المنفذ الرئيسي مزدحم للغاية، سنلتف عبر طريق فرعي جانبي فالضغط هناك أقل”. انحرف بالسيارة نحو الأزقة الخلفية والشوارع الثانوية بحجة الهروب من الاختناق المروري. طلب منه التوقف فجأة مدعياً أنه سينزل ويستقل حافلة عامة ليعود. أوقف المحرك، ومد يده بهدوء تحت المقعد، وأخرج مسدس كولت المزود بكاتم للصوت. نقرة واحدة مباغتة ليضع حداً لحياة ذلك المستغل الحقير .
أعاد تشغيل المحرك، بعد أن دفعه بعيداً عن مستوى الرؤية ليصبح في الأسفل، تحت خط النوافذ حتى لا يلمحه أي عابر.
اتجه صوب المدى الصحراوي المفتوح، وبعد نصف ساعة وصل إلى فجوة كان قد حفرها في اليوم السابق. أنزله هناك، وجرده من محفظته وأوراقه الثبوتية، ثم وضعه في باطن الأرض .
مرّ عامان، على انتقاله للعيش في الشقة المستردة مع زوجته نوال.
في أحد الصباحات، استلم خطاباً رسمياً يحمل شعار “وزارة الإسكان” يستدعيه فوراً. توجه إلى هناك بقلب ثابت، متسلحاً بالقاعدة: (لا جثة.. لا محاكمة). دخل مكتب المدير العام، الذي نظر في أوراقه وقال ببرود: “سيد أمين، بعد مراجعة ملفات الشقة التي تقطنها، ونظراً لاختفاء المستأجر السابق مأمون من دون وريث مباشر، فقد تقرر إلغاء العقد القديم وتخصيص السكن آلياً لموظف جديد بالوزارة. وفقاً لقوانين وزارة الإسكان. وعليك الإخلاء خلال أسبوع.
صعق، وسأل بذهول: ومن يكون هذا الموظف الجديد؟
نظر المدير إلى الطلب المرفق وأجاب: “إنه شقيق زوجتك نوال.. لقد قدم الطلب بدعم منها منذ عام كامل، فور تأكدهم من غياب مأمون بلا عودة”.
تذكر الآن، أنه لا بد له من قراءة جديدة لأقوال زعماء المافيا. لعلها تلهمه حلاً لمشكلته الحالية.
عنوان المتمرد عتبة نصية مخادعة ومحفزة للمتلقي يتبادر إلى ذهن القارئ أن المتمرد سيكون بمعناه الثوري أو الأخلاقي النبيل، لكن الكاتب يقلب هذا المفهوم إلى تمرد إجرامي.
وتعد قصة المتمرد واحدة من أعماله التي تركز على المفارقات النفسية والاجتماعية.
كذلك يعتمد فيها الكاتب على أسلوب التكثيف والوضوح اللغوي، وهي السمة العامة الغالبة على مجموعاته القصصية المختلفة.
قصة المتمرد مرآة ديستوبية مصغرة تعكس كيف يسهم الفساد الإداري والاقتصادي في خلق مجرمين محليين، والنص ناجح بامتياز في توظيف المفارقة الساخرة والنهاية الصادمة، ليؤكد للقارئ أن “التمرد” غير الأخلاقي غالباً ما يرتد على صاحبه.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة