مسرحية “أميديه” أو “كيف نتخلص منه”ليوجين يونسكو✍ا.د/علي خليفة

«1994 – 1909»
كثير من مسرحيات يونسكو ليست إلا تعبيرًا عن تحول الأحلام والكوابيس إلى واقع موجود، ولديه القدرة في أن يبسط سيطرته علينا، ولكنها أحلام وكوابيس لن نستيقظ من نومنا ونرى تبخرها وزوالها، بل إنها كوابيس وأحلام حلت محل الواقع الهادئ الذي كانت تعيشه البشرية قبل الحرب العالمية الثانية؛ هذه الحرب التي كشفت عن وحشية الإنسان ورغبته القوية في التدمير والتخريب، فأفلت منه الواقع، ولم يكن أمامه غير الأحلام المهزوزة، والكوابيس المرعبة التي يعيش فيها في واقعه.
ولهذا فإننا نرى الأحداث في كثير من مسرحيات يونسكو تبدأ كما
في الكوابيس، فتأخذ شكل المنطق والمألوف، ثم تتحول إلى مكونات أخرى تثير الرعب والفزع؛ ولهذا نرى في مسرحية “الدرس” معلمًا يعلم فتاة ناضجة، وشيئًا فشيئًا يصبح شرسًا في تعامله معها، وتنتهي المسرحية كما ينتهي الكابوس بأن يقتلها، ونعرف أن هذا شأنه مع كل تلميذة يعلمها.
وأيضًا نرى في مسرحية “الخرتيت” أن الأشخاص الذين يتعبون عقولهم
في التفكير ويهتمون بالنظام والانضباط يتحولون لخراتيت، فالانتقال هنا من الواقع والمألوف إلى الغريب المفزع، كما يحدث في الكوابيس، وربما قصد يونسكو بهذا التحول لهؤلاء الأشخاص أنهم يرغبون في أن يفرضوا واقعًا غريبًا على الحياة التي تخلو من أي معنى ويشملها العبث، فكان من الضروري أن يتحولوا إلى خراتيت، أما بيرانجيه الفوضوي البوهيمي فلم يتحول – وأمثاله – لخرتيت؛ لأنه يتعامل مع الواقع بالطريقة التي تتناسب معه، ولم يكن بحاجة ليتحول لخرتيت، وهو بهذا الوضع البوهيمي.
وأيضًا نرى في مسرحية “فتاة في سن الزواج” رجلاً وامرأة يجلسان على مقعد في حديقة عامة، ويتحدثان عن أمور عادية، ويتحول هذا الموقف العادي لما يحدث في الأحلام، فإذا بالفتاة التي أنجبتها هذه المرأة تظهر، ونكتشف أنها رجل.
ونرى منطق الكابوس – أو اللا منطق بمعنى أصح – في مسرحية “أميديه”، فأميديه وزوجته مادلين في هذه المسرحية يعيشان حياة هي والموت سواء، فهما لم يخرجا من بيتهما منذ خمسة عشر عامًا، وهما يكادان لا يريان أحدًا؛ ولهذا يستغربان حين يأتيهما ساعي البريد برسالة موجهة لأميديه، ويرفض أميديه استلامها رغم أنها موجهة له في العنوان الذي هو به؛ لأنه فقد الاتصال بكل أحد، ويعيش مع زوجته فقط.
وأميديه يزعم أنه مؤلف مسرحي، ولكنه لم يكتب أي مسرحية، والمسرحية التي يؤلفها لم يكتب منها غير بضع عبارات لا تدل على شيء، ومع ذلك فهو يوهم نفسه أنه مؤلف، وتحاول مادلين أن تشجعه؛ ليواصل تأليفه لمسرحيته التي لا يبدو أنه قادر على كتابتها؛ لأنه مشلول الإرادة، عاجز عن الفعل.
أما مادلين فهي تعمل في جهة خاصة بالاتصالات، وتقوم بتوصيل بعض الناس بغيرهم من خلال الجهاز الذي تعمل عليه، وعملها هذا أشبه بالآلة، وتأتي المفارقة في أنها مع عملها هذا معزولة مع زوجها عن كل اتصال بالعالم الخارجي.
وهذا الشخصان اللذان لا نرى نبض الحياة فيهما – فهما قابعان في بيتهما معزولان عن غيرهما من الناس – لم يكن غريبًا أن تظهر جثة رجل في بيتهما، وتعيش معهما سنين طويلة، وتنمو وتكبر، وتحتل مساحات كبيرة من شقتهما، وتكاد لا تجعل لهما مكانًا فيها، وقد حاول أميديه أن يتخلص من هذه الجثة بعد أن تضخمت، وصارت تهدد وجودهما في بيتهما الصغير.
ويلقي أميديه بالجثة المتضخمة من نافذته متسترًا بالليل حتى يستطيع أن يلقي بها في نهر السين، ولكن جمعًا من الناس يراه خلال ذلك، ويحاول شرطيان الإمساك به، ولكن جثة الميت تلتف حوله، وتصبح كالبراشوت، وتطير به، وتختفي.
وبهذا فإن هذين الزوجين اللذين يعيشان حياة هي والموت سواء – كان
لا بد أن يتجسد لهما الموت في تلك الجثة التي ظهرت في بيتهما منذ سنوات، وصارت تنمو فيه، ولا يمكنهما – على وجه الدقة – تحديد مصدرها، ومن المتسبب في قتلها.
وتكون المفارقة في أن هذه الجثة تبدو مفعمة بالحياة عنهما، بل إنها بتضخمها المستمر تهدد بقاءهما في بيتهما الصغير، وحين حاول أميديه أن يتخلص منها بإخراجها من البيت التفت حوله، وطارت به إلى عالم النسيان، فقد امتزجت به في النهاية، وأخذته معها بعد أن كان الأمر لا يتعدى مجرد الشبه بين أسلوب حياته وهذه الجثة، صار ذلك التشبيه حقيقة، والتحمت الجثة به وصارا كيانًا واحدًا.
أما عن نبات الفطر السام الذي كان يتكاثر في بيتهما مع مرور الوقت فإنه يشير لكثرة السدود والعقبات التي تتزايد مع استمرار حياتهما، التي صارت كالسم، وتحول التشبيه أيضًا لحقيقة بتكاثر هذا الفطر السام
في بيتهما.
إنها مسرحية تثير الضحك في مواضع كثيرة منها، ولكنه ضحك يحمل مرارة كبيرة بما صار إليه حال الإنسان في هذا العصر من عجز وعدم قدرة على التواصل، وأصبح كأنه يتجرع السم مع كل لحظة يعيشها، وصارت حياته هي والموت سواء، وهذا ما يراه يونسكو، وعبر عنه في مسرحه، خاصة مسرحية “أميديه”.





