مسرحية الأم شَجَاعة : برتولت بريخت ✍ا.د/ علي خليفة
“1898 – 1956”

يرى بعض النقاد أن هذه المسرحية هي قمة إنتاج بريشت المسرحي، وهناك أيضًا من النقاد من يرونها أفضل مسرحية كُتِبَتْ وعُرِضَتْ في القرن العشرين، ويرفعونها في القيمة الفنية فوق مسرحية في “انتظار جودو” وغيرها من روائع المسرحيات التي كُتِبَتْ وعُرِضَتْ في القرن العشرين.
وقد كتب بريشت هذه المسرحية بعد أن هجر ألمانيا حين استولى هتلر على الحكم، واستشعر بريشت ما يمكن أن يسببه هذا الحاكم المستبد من دمار لبلاده وللعالم كله.
وكتب بريشت هذه المسرحية وهو في السويد سنة 1939، وكانت هناك بوادر لقيام الحرب العالمية الثانية، وأراد بريشت أن يحذِّرَ من خلال هذه المسرحية من أن تنفجر هذه الحرب، وتتسبب في الدمار والهلاك للبلاد والناس.
والشخصية الرئيسة في هذه المسرحية هي أنا فيرلنج التي تلقب بالأم شَجَاعة، وقد لُقبت بهذا اللقب بسبب شجاعتها وجرأتها في التعايش وسط الحرب والتنقل بين بلاد مختلفة خلالها، وكانت تتمنى بعد قيام الحرب أن تواصل العيش مع ولديها وابنتها الخرساء من خلال تجارتها البسيطة التي توجد في عربتها التي تشبه “الكنتين” المتنقل.
ويمكن النظر لهذه المرأة من منظورين؛ فيمكن للبعض أن يراها امرأة تستحق عن جدارة اللقب الذي لُقِّبَتْ به، فهي قد عاشت خلال حرب الثلاثين عامًا التي استمرت في بعض البلاد الأوروبية من سنة 1618 حتى سنة 1648، وتعرضت لمحن كثيرة فيها، وفقدت خلالها ولديها وابنتها، وأيضًا تعرضت لخسائر كثيرة في تجارتها، ولكنها رغم ذلك كانت صامدة، ونراها في نهاية المسرحية بعد أن علمت بمقتل ابنتها على يد بعض الجنود الكاثوليك لا تستسلم للهزيمة، ولا تشعر بالضياع، بل نراها تجر عربتها بما فيها من بضاعة قليلة، وتواصل العيش آملة أن تجد ابنها الأكبر آيليف؛ لأنها لم تكن تعرف أنه قد قُتِلَ خلال هذه الحرب، وحتى لو كانت قد عرفت، فإنها كانت ستتمسك بالحياة الصعبة التي تعيشها وسط أهوال تلك الحرب الطائفية.
ومن هنا فإن هذه السيدة – من خلال وجهة النظر تلك – هي امرأة أدركت صعوبة الحياة التي تحياها وسط هذه الحرب، وأدركت أيضًا أن الفريقين المتحاربين لا يضعان أي اعتبارات أخلاقية في هذه الحرب؛ ولهذا فإنها كانت تَدَّعي أنها مع الفريق الذي تقع في يده، أو يظهر سيطرته على مكان وصلت مع عربتها إليه.
وهناك أيضًا من رأى في تلك السيدة شجاعة فارغة من الحقيقة، فهي
لا تسعى إلا وراء مطامعها، وتواجه بعض المخاطر خلال هذه الحرب من أجل مصلحتها وتجارتها البسيطة، بل إنها كثيرًا ما تستغل ظروف هذه الحرب للتربح من ورائها بما تبيعه من بضائع توجد على عربتها لمن تراه من الفريقين المتحاربين.
ويرى أصحاب وجهة النظر هذه في الأم شجاعة أنانية واضحة، فهي
لا يعنيها سوى سلامة أبنائها، وليهلك العالم بعد ذلك، فهذا لا يهمها، بل ربما فرحت به لو كان سيأتيها نفع من وراء ذلك.
ويرى أيضًا أصحاب وجهة النظر هذه أن الرؤية الضيقة لهذه المرأة جعلتها تنخرط في الحرب بأن تبيع ما على عربتها من سلع لجنود كلا الفريقين المتحاربين، وكانت تظن أنها ستربح من وراء ذلك، ولكنها خسرت خلال ذلك ولديها وابنتها، وأكثر البضائع التي كانت لديها؛ فقد جُنِّدَ ابنها الكبير على عكس رغبتها، وقُتِلَ من قبل الجيش الذي انضم له؛ لأنه قام بعملية نهب وقتل لبعض الفلاحين خلال توقف الحرب، وكان يكافأ على هذه العمليات خلال فترة الحرب، وظن أن الأمر سيكون كذلك خلال فترات السلم، وابنها الأصغر ساومت في فدائه، وتأخرت بسبب هذه المساومة في إنقاذه، فَقُتِلَ، أما ابنتها
فقد اغتصبها بعض الجنود وشوهوا وجهها، وقُتِلَتْ في نهاية المسرحية وهي تحاول من خلال الدق على طبلة تنبيه أهل البلد الذي كانت فيه لهجوم جنود من الأعداء عليه.
وأغلب الظن أن بريشت في هذه المسرحية قد قصد إظهار الأم شَجَاعة من خلال وجهة النظر الثانية، ولكن المسرحية تحتمل النظر إليها من خلال هاتين الوجهتين، ولا مانع من ذلك؛ لأننا نرى في الحروب هذين النوعين من النساء والناس بشكل عام، فهناك خلال الحروب من نراه يفكر بعقله ويتجلد رغم مواجهته لأعتى المحن والمصائب، وهناك أيضًا من نراه خلال الحروب يحاول أن يربح منها، ولا يعنيه إلا منفعته الشخصية خلال ذلك.





