نزوح وصُوَر✍خديجة جعفر

الصورة ، تلك الذاكرة الحية التي لا تموت بغير تلف تقني مشبع بموجات انفعالية بعيدا عن الاستقرار السلمي أو عن سيطرة الوعي. الصورة رابط يصل بين الحاضر والماضي، بين الفرد والحدث ، بين اللغة المحكية والصمت. الصورة آخر ترسبات الحدث من ماضٍ نحاول إحياءه فينا، وهي أول ما يستحق حمله حين نزوح مُلزِم، نحملها بالإصرار نفسه الذي يحفظ منا بقايانا ويؤكد وجودنا حتى لو بهيئة مختلفة، بنمط مختلف اوربما بمعانٍ مختلفة.
حماية الصور من الضرر أو الفقد موازٍ بشكل أو بآخر حماية لوجودنا، فذاكرة الصورة تؤكد لنا، قبل أي شخص آخر،أننا كنا هنا وأننا قادرون على أن نهزم شكوك النسيان . الصورة اخر ذكرى لنا مع إنسانيتنا الفاعلة قبل أن نتحول الى مجرد كائنات حية تصارع من أجل البقاء حين نزوح قسري…
يفقد الماضي كل المعاني متى انسلخنا عن جغرافيا الإقامة، فنصر على الاحتفاظ بماضينا من خلال ذاكرة اصطناعية في هواتفنا، تسترجع ظل مراكزنا وأدوارها القابعة في فلك ( قبل ـ بعد ) لنجعل من الصورة خط تماس زمني يؤرخ مسارات حياة دون أن يمسها في حين يمسنا النزوح فيتم تحويلنا إلى مجرد أرقام أو نقاط على هوامش البناء المجتمعي تطفوا على اسطح قد لا تتذكرنا حين لا تشبهنا …
تلفظك الأماكن الأليفة لسبب أو لآخر ، تقع فريسة الضرورة من بناء ذاكرة جديدة تنسجم مع مستجدات الجغرافيا المتوفرة ، ربطأ بخاصية وعي يؤهلك للتكيف المستمر. الذاكرة المستهلكة مجرد فصل مسرحي موثق في سجلات موبايلك ،هي ذاكرة منتهية الصلاحية عند كل مغادرة مُلزِمة ، إلا أن ذاكرة الموبايل صامتة، ذاكرة صورية ، مشبعة بشحنات من الحنين العاطفي، بعيدة عن أن تكون ذاكرة تفاعلية فقد سبق لها أن وثقت لحظات مضت ولن تعود دون استعادة الجغرافيا نفسها، وكلنا يعرف أن ما يذهب لن يعود ..
إن التجربة اللبنانية الموشومة بالمغادرة، لا سيما في ظل حروب تتكرر، تُشرعِن المنافسة بين ذاكرة الإقامة التفاعلية التي تمتلك خاصية اتخاذ قرار ورسم المصير، مع ذاكرة هواتف صورية توظف في عمليات محو الزمن على الرغم من توثيقه، لتصبح الأمكنة والأشخاص، أماكن العمل والعلاقات كما الأغنيات مجرد احداثيات خارج مؤثرات الانفعال القادر على تحديد أو تمييز الأنا منا، أنها ذاكرة صامتة، توثق الأحداث والانفعالات في كوادر زمنية لتؤكد رحيلها، ما يسهم في التشظي والانفصال عن ذواتنا واغتراب لا نشبه منه ما كان لنا منا . يتحول ماضينا إلى ترف قابل للاستبدال بأزمنة جديدة مليئة بالنشرات الإخبارية ومتابعة بلاغات الإخلاء من واقع يختصر بها كل الضرورات المعرفية المطلوبة للنجاة…
فإن كان لصُناع الهواتف المتصلة بشبكات الانترنت ثمة أهداف ايجابية من هذا المنتج ،سواء لدفع التواصل، أو ترسيخ مشاعر الأمان ،أو لجهة تبادل الآراء والمعلومات والمهارات والخبرات المهنية التي تزود ” الكائن الحي ” بقدرات تسمح توصيفه
” إنسان ” ، هي نفسها الأهداف نفسها التي نَضّلُ بشأنها مع استخدام هواتفنا لبنانيا. وإن يكن في السعي التشريعي للمملكة المتحدة ودولة الإمارات للحد من استخدام الانترنت ومواقع التواصل لفئات الأطفال والمراهقين لحماية أمنهم وسلامهم النفسي والجسدي من مخاطر العصرنة، الأمر الذي مهما بدا للباحثين سليما ، فهو ما يستحيل بحثه لبنانيا، لان الهاتف في التجربة اللبنانية يحمل خاصية استخدام مختلفة تماما..
فالهاتف اللبناني يستخدم لأغراض أخرى قد لا تتوافق مع عموميات التقدم العلمي من الإنتاج السلعي ، بحيث توظف هواتفنا كآخر فرص الاستدلال على مواقع العالقين تحت الركام، آخر فرص النجاة من موت مؤكد إن لم يَتم تَتَبُع إرشادات وتبليغات الإخلاء، آخر فرص اللقاء مع مراكز القرار لتأمين مأوى سكني بديلا عن تيه الطرقات ، فحَملَة الهواتف لبنانيا، مُلاك فرص لمعرفة الأسماء ، أسماء لا تخدم العلاقات المجتمعية او المهنية بقدر ما توثق أسماء المناطق المنكوبة لنفض الغبار عن قلق المصير المتعلق بمسكن اوأهل أو أصدقاء أو موقع كناه منذ أمس قريب حين كنا
“أناسا ” قبل أن نصبح ” كائنات حية” فارغة من أي معنى أو هدف خارج صراع البقاء ..
الهاتف في التجربة اللبنانية يحمل حياتنا التي فقدت معانيها رغم وجودها بين أيدينا، يحمل وطن نسير به وليس عليه، وثيقة من ذاكرة حنين للإنسانية الضائعة منا ،وسيلة التأثير على أمننا الشخصي، هواتفنا أدوات لقياس اغترابنا،عجزنا وهشاشة الانتظار لمستقبل آت ، اداة لإثبات عرينا عن ماض تم بناءه بعد هضمه ووسيلة النقل إلى حاضر نتلقاه بقسوة شروط الجزاء من عقود العيش اللاحق، ذاكرة تؤرشف قدراتنا في الطاعة والانصياع بين محو وولادة من عمليات التكيف المستجد، فكلما ابتعدنا مسافة في الجغرافيا ، تصاغر ماضينا أمامنا حد أن يختفي ويختفي معه وجودنا الأسبق، لنولد من جديد بمعايير مشوشة إلى أن يشتد عودنا إذعانا، ما يحفظ لنا أياما أُخر بغض النظر عن الكيف والأين والمتى ..
عند كل مغادرة للجغرافيا، لا بد أن تسكت ذاكرة لتنطق أخرى، فحين تلفظنا الجغرافيا ، تنشط ذاكرة التلقي ونتحول تباعا إلى مجرد كائنات حية ماصة للأكسجين، أعباء متنقلة، ثقل يضاف على آخر، كائنات مجردة من قدراتها التفاعلية ومن جدوى الذاكرة ، المغادرة تفرض علينا شروط التخلي عن إنسانيتنا المرتبطة بذاكرة المكان والزمان، والتي ماتت هناك في جغرافيا الأصل من النزوح، وما استعادتها صورا جامدة من ذاكرة الهواتف إلا تأكيدا على أنها لم تعد تخصنا، بل أصبحت معلومة هاتف يسمح لنا بالاطلاع ليس إلا…
الهواتف لبنانيا ، وسائل ضخ الهذيانات القلقة في معرض تعداد الخسائر الحياتية، سدود في وجه الحراك أو الفعالية المجتمعية التطويرية بحيث يصعب على سعاة البقاء تكيفا مستحدثا ، ممارسة أفعال النقد والتفكيك لا سيما في ظل المنافسة الشرسة بين ذاكرة الماضي ورحلة البناء لذاكرة اللحظة ..





