العنف في التوظيف الاقتصادي :خديجة جعفر

يتخذ مفهوم “النمو الاقتصادي ” دور اللاعب الأساسي ومقياسا لنجاحات الدول،هدفها من رسم سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لرفع معدلاته، وحماية دخل الفرد بما ينسجم مع تزايد مضطرد لحجم الاستثمارات والإنتاج وضرورات التنمية ..
علميا ، يعتبر مفهوم النمو الاقتصادي العامل الاساسي في تنمية الشعوب ،وفق العلاقة الجدلية القائمة بين النمو والتنمية، إلا أن الإشكال المُظلِم عالميا، يقع في الاستغلال السياسي للنمو الاقتصادي..
لطالما ارتطبت اواليات الاقتصاد بروافد أربعة تربط بين النمو المعني بزيادة السلع المنتجة، والتنمية البشرية وقدرات الفرد في تحسين شروط الاستهلاك، لتترسخ العلاقة بين ( دولة- منتج- اسواق- وأسر مستهلكة) والتي لا بد من ضرورة صِحة كل طرف منها لبناء اقتصاد قوي ومستدام للدول …
يرى الكثير من المفكرين بأن الاقتصاد ليس مجرد أرقام بقدر ما هو أساس البنى المجتمعية المستقرة، فإن يعتبره ( كارل ماركس) البنية التحتية التي تشكل السياسة والثقافة ، ليذهب (جون ماينارد ) لاعتباره سدا منيعا في وجه الازمات التي تهدد الدولة ..وان تتخذ الضرورة ،من الصحة أو السوية الوظيفية لكل طرف، عاملا اساسيا ،فهذا من شأنه أن يدخلنا عوالم السياسة، الاجتماع والإحصاء والكثير من العلوم التي تُعنى برسم سياسات الدول واهدافها.
تَحضُر الحروب، ويحضر معها السؤال عن الصحة الوظيفية للاطراف الاقتصادية،فأي مسار ستتخذه الصحة او السوية لهذه الروافد ؟
ففي النموذج اللبناني مسرحا لحروب دائمة، يعيش المشاهد الحي مع النشرات الإخبارية حياته بين الصور التي تموت تباعا، فكل ما كان، سوف لن يكون مجددا بعد لحظات،سوف ينتهي وجوديا بمجرد مرور الصورة.
وفي الحرب الحالية، لا بد من وقفة أمام استراتيجيات جديدة للحرب، والمتمركزة حول نقطتين:
١- التبليغ التحذيري بالأخلاء: بحيث يطلب من المواطن المغادرة الفورية لمكان إقامته الساخن نحو مناطق اكثر أمنا.
٢- التهديد المباشر لهدم البيوت الخالية حتى من سكانها تحت ذرائع أمنية..
استراتيجية حرب ،تأخذنا نحو هدفية الهدم والدمار الشامل ، والقضاء على السلع المملوكة لا سيما وعامل الفورية الالزامية،ما لا يسمح بانقاذ ما يمكن انقاذه من الممتلكات المادية..
قد يخيل للسامع أو الرائي لهذا النزوح الجماعي، ان الانسان يتخذ قيمة ما وسط معمعة السلاح هذا ، انما لو نبحث قليلا في سيكولوجية ما يجري لنرى ان هذا النازح يشهد بأم عينه صورة بيته وهو يتساقط، لا بل قد يذهب بليدا نحو ما هو أبعد ،نحو تصوير ذلك وتوثيقه للذاكرة، يراقب ملكيته الانتاجية وهي تشرع أبوابها للريح،قريته وهي تفرغ من ساكنيها، أرضه وهي تتحول إلى بور بلا قطاف …ومع كل توسع لرقعة الاخلاء، ترتفع معه نسبة القضاء على الممتلكات دون البشر بقدر الامكان، وبالطبع ليس حبا أو تعاطفا…
تشاهد بيتك يتساقط فيما الردود التضامنية جاهزة من حولك تردد :” الله يعوض عليك” مرفقة ب” المهم انت وعيلتك بخير “…
وهنا يتخفى الاقتصاد السياسي بحيث ، يجب أن تبقى بخير ، لا يهم كيف تستمر، ومع من تستمر، واين تستمر، المهم ان تبقى بخير حتى تستعيد اواليات السوق ميكانيكيتها من جديد في رحلة إعادة البناء وهذه الضمانة الفاعلة لاستعادة الصحة والنشاط السوي من الاستهلاك …
فها اننا نزوح يُصِّرُ على اقتناء الهواتف، التلفزيونات، اشتراكات الانترنت،الكهرباء .. كآليات أساسية للعيش في مراكز النزوح، فقط حتى نشاهد بيوتنا وهي تُدمَر، او حتى نتابع جماعة المحللين السياسيين تتشابك في ارائها وتحليلات المواقف، لتشعل نارا إضافية وتلهب حماسة الشعوب ، وتنثر الشعارات، وتؤجج الانقسامات والاصطفافات واللوم والتبرير..
لكنك بخير ، وهذا الاهم …
يسقط مبنى امام اعين صاحبه في مراكز إيواء لا تنسجم مع أدنى درجات الوظائف الحياتية والاحترام لهذا الذي ظن لو للحظة بأهمية عيشه من الزامية الإخلاء ، يرتفع منسوب الادرينالين، يرتفع منسوب النقمة ، ليكن رد الفعل الطبيعي عناد الامل ، بدء رحلة التفكير باعادة البناء …
رحلة إعادة التسوق من الألف إلى ياء .. يستعيد السوق نشاطه، يتكاثر الانتاج، ارتفاع التصريف للسلع الأحدث من انتاجات الدول المصدرة، حركة سوق عالمية مزدهرة بنيت على انقاض بيتك، وعلى جثث اولادك، وعلى أشلاء سوف تُطمر ببرود تحت ركام لا تفيد ازالة التتالي من المقابر الجماعية نشاط الأسواق…
رحلة جديدة لأسواق التسلح من حرب جديدة بغض النظر عن الزمان والمكان سوف تبدأ من جديد ..
مؤامرة المليار الذهبي بشريا ،قد لا تنسجم مع اواليات الاسواق، قد تبدو اكثر إنسانية من صناعة الحروب. فنحن صناع الحرب، نحتاجك أن تكون بخير حتى تستهلك، نحتاجك معدما، فنقدم لك المساعدات ، كل الدعم، شرط أن تستكين وتمارس دورك في حرب تخدم عمليات الإنتاج لا سيما والتقدم االتكنولوجي يقدم الكميات الهائلة والمتجددة منها، الحرب منتج يسوق للكثير مما لا يخدم به موتك،فالحروب منتج لتسويق الشعارات،المؤسسات، الاسلحة،الاطراف الصناعية، الادوية، الغذاء، المواد الاولية، العمالة الرخيصة وزد على ذلك، كل ما يتعلق بتفاصيل عيشك.
لكل ذلك، يجب أن تبقى بخير ، وبظروف العدم التي تضمن تحقيق أقل كلف الانتاج ، فانت العمالة وانت السوق للعوالم المنتجة، يجب أن تبقى بخير، وان تتكاثر وسط الزحام في مراكز النزوح ، فنحن نعلم جيدا ترابط العلاقة بين الفقر والتحشد والتكاثر ، ولسوف نؤمن لك من مبيعات انتاجاتنا، مساعدات عالمية للمجتمع المدني اللطيف محاولا استعادتك الى موقع الاستهلاك. نعرف جيدا اننا لن نسمح بموتك ، وفقيدك ، سوف ننعيه معك، نحن نريد تكاثرك ،نريدك كمًّا لتصريف إنتاج اكبر، وها اننا نحقق ارتفاعا في معدلات النمو لدولنا ، قد يظن البعض بخسائرنا وينسى اننا نبيع انتاجاتنا بدءاً من الشعار وصولا للسلاح، ولسوف نبيع اكثر في الحرب القادمة ..
وحدها الارض من ينتصر لك كأنسان وليس كسوق او كآلة…الارض تثأر للانسانية، تتخذ موقفها الحاسم والثابت من الإنتاج الزراعي ، لا تسابق مواسمها، سنضطر جميعنا لانتظار المواسم من ضمانات الأمن الغذائي، ولسوف تستمر تحت سطوة من يملك مقومات إنتاج رغيفك وانتاج سلعتك الضرورية،ومن سيحمل عنك شهادة تعليمك، ومن سيبني من الركام بيتك، ومن سينتشل أشلاء أولادك من تحت الركام.. لكنك ستكون” بخير” ،قادرا على استهلاك الشعارات كما ينبغي، وعلى استعادة موقعك من التسوق والاستهلاك، دون الالتفات إلى الكيف …
خديجة جعفر





