بوابة رقم ١١✍ خديجة جعفر

ثمة انتظار، لم يكسر بلادته اهتلاك جسد ،ولا فصاحة لغة اعلنت جدارة تواصلها عبر شاشة إلكترونية لحظة اعلنت :
” بوابة الخروج تفتح بعد عشر دقائق من الان ” ..
لم يكن مستغربا الا يهزك هذا التكسر من انتظار لا تواسيه لغة، ما كان ملفتا في الواقع، سؤال المعنى من مسألة التوصيف لل” البوابة ” وانت في قاعة انتظار حديَّة بين ال ” الداخل والخارج” أو بين ال :
” نحن و ال هُم” .
لقد علمتتا رحلات التوثيق التاريخي لا سيما مع أول تشكل للبوابات، كفتحات تعاند الأسوار بناءاً ،لتربط وظيفيا بين عالمين، فقبل ما يقارب ال ٨٠٠٠ سنة
ق. م كانت ” بوابة اريحا”، وكان معها أول اعتراف عمراني يقر بان البشرية مدركة لضعفها تماما ، فكلما تزايد الوعي البشري تنوع التوظيف العملاني من هذا الاختراع المسمى :” البوابة ” ، سواء اتخذت وظيفة حمائية في الانعزال عن العالم الخارجي باغلاقها ليلا، أم في البعد العسكري بين جيش هجوم يعلن انتصارات بمجرد ان يتخطى بوابة ويدخل مدن، وجيش عجزت دفاعاته عن أحكام اغلاقها، هذا وقد شكلت البوابة نفسها وثيقة للسلطة والنفوذ من حكايا عالم الداخل مع ما حملت زخرفة بواباته من نقوش لاسماء الاباطرة والسلاطين الحاكمة ،هذا وقد لا يسعتنا ان نتنكر لأنها ايضا، هي نفسها البوابات ،ما شكل آليات للتواصل مع الخارج في بعدها الاقتصادي التجاري وتبادل البضائع وقوافل الزائرين بين الداخل والخارج، لم تخرج البوابات ايضا عن كونها ممرا يربط بين عالمي الدين والدنيا ،المادي والماورائي المقدس في أبهى حلله مع بوابة عشتار البابلية بثقة حضورها جسدا معماريا يفرض هيبة الصمت دهشة، وروحها المتخفية بزخرفات والوان نقوش جدرانها، القادرة على أن توجه المسارات الآدمية نحو طقوس الصلاة في المعابد الابعد عمقا عن محيط الأسوار.
اما والتاريخ يثبت حالات التغير من الوظائف والأهداف لتتخذ معه البوابات وظيفتها ” الهََوِياتِية” لساكني الابنية والعمارات الحديثة ربطا بتطور فنون العمارة الذي اضاف على “البوابات” مهمة
” الهوية والذوق الشخصي ” افصاحا في لمسات مصنعة تظهر ذوات من هم في الداخل، بمجرد ملاحظة مناعة أو هشاشة البوابات كحدود فاصلة، فخامة أو بساطة التكوين والزخرفة الفنية من صناعة بوابات العمارات المسكونة باناس يشغلهم الخوف الدائم من عالم الخارج في علاقة طردية مع حجم الثروات و الملكيات المادية ،كما وتُظهِر صنوف التراتب للمكانة الاجتماعية التي يشغلون، لتعلِمنا بواباتهم عن آلية تراتبهم الاجتماعي ربطا بمدى خوفهم على ما يملكون غير مكتفين بدور الدولة الحديثة من قدرات توفير الامن والحماية للساكنين العزل الا مما يملكون…
فالبوابات في هذا المعنى تشكل حدا فاصلا بين عالمين، عالم ال ” نحن ” وما ننتمي اليه، وعالم:
” الاخر ” الذي نسعى اليه على تنوع أهداف السعي ، لتبدو العشر دقائق من بلادة الانتظار هذا، عاجزة عن أن تصبح فرصة لقراءة ذاتك وارادتك الخالصة في هذا المكان المفتوح من جهة واحدة فقط ، ما يسمح لك أن تغير رأيك قبل اللحظات الأخيرة وتعيد وجهة سيرك إلى حيث ما كنته قبل وجودك هنا في غرف الانتظار هذه لتقرأ بيان بوابات المغادرة ..
وجهتك الخارج ، ال “هُم”، من خلال هذا الممر البابلي التوصيف ، بوابة تثير الجدل الوظيفي من فكرة ما خصص للطرف الخارجي في مهمة الدخول ، تحت مسمى ” بوابات” ، لكن، ها انك تقر الآن بوجود بوابة للخروج وانت تدخل عالم المغادرة.
ففي اي اتجاه سوف تغادر هذه الغرف قبل اللحظات الاخيرة؟
والى أين تغادر؟
ما الذي تحتويه منك حقائبك؟
اي اسئلة تطرح وعن اي أجابات تبحث من منابع الخذلان؟
تطوف بك الكلمة:”بوابة المغادرة “، في رحلة ربما تقنع وجهتك بين الانتظار أو العودة عنه…
لكنك لا تتحرك، محكوم بانتظاراتك دون حوافز او دوافع، فانت مغادر ، سوف تدخل بوابة الخروج، سوف تخرج من كل ما انت عليه الان، سوف تخلع اثوابك ، وملكياتك التي لم تعد تتطلب بوابات للحماية، ففي هذه الغرف ذات الوجهة الواحدة، تدرك معنى العري تماما، والعري هنا ليس هدفا للطامعين أو المغتصبين،جسدك الآن مجرد وسيلة نقل تعمل على طاقة الوجع، وتدفع بك نحو الرحيل، كلنا عراة في هذه الغرفة ،لكنه عري معمم، بريء من آثامه، سقطت عن الوجوه ارباكات الذنب من الغواية، لسنا بالخجل الذي يعترف باحتمالات الهجوم، ندرك اننا لسنا سوى أهداف سعينا ولسنا صيدة طامع، صمتتا يُمَول اسلحة الرحيل، وجوهنا منتظمة الانفعال، منظمة الألوان و التفاصيل تماما كما الاثاث من هذه الغرف الضَجِرة انتظارا المغادرة..
اضاءت اللافتة الإلكترونية مجددا، انتهت المهلة، جوازات السفر تخرج من قلاعها لتعلن دخولنا بوابة المغادرة مختتمة ازمنة في لحظة اخيرة …





