ايبستين بين الفضيحة والخطيئة .. خديجة جعفر

لطالما تناولت السوسيولوجيا” الفضيحة” باعتبارها التعبير عن كل حدث مجتمعي يُترجِم تراخي الرموز المجتمعية،او خرقا للمعايير الاخلاقية والقانونية السائدة التي اتفقت الجماعة على انتاجها بغية تنظيم التفاعل وحصر النزاعات. فالفضيحة بحسب “جون طومسون” ليست ببساطة ان تُوَصَّف خطأ مكشوفا، انما عملية تفاعلية، ( فعل – ردة فعل) تملك آلياتها ومؤسساتها لتبرمج مسار الحدث بدء من : وقوع الفعل – الكشف عنه عبر الوسطاء -الى ردة الفعل المتمثلة بالادانة والاستنكار المجتمعي .
عليه، يجدر بالفضيحة أن تسكن منطقة التوتر بين النظام وضروراته ، لأنها تكشف عمق الهوة بين منظومة القيم المنتجة محليا ووظائفها التنظيمية من جهة، واستشعار المخاطر على السلم الاهلي مُنتَج التصدع في البنية الرمزية اضافة إلى تعرية معاني الصح والخطأ من قصديتها التنظيمية من جهة اخرى. بالتالي ،فسوف تتخطى الفضيحة أزمة مضامينها السلوكية للافراد نحو أزمة المعنى العام.
فالانكشاف الفضائحي يعكس بعلانيته مشكلة فك الارتباط الهادف بين السلطة بكافة ممثلاتها ودورها، لتتم تعرية المؤسسات من قدرات الضبط ، ويسلَط الضوء على حجم التصدع بين طرفي التنظيم المجتمعي لجهة تظهير الخلل في الدور المُسائِل. فلعلنية الفضائح والانكشاف مرادف يصب في خانة التعاظم من قوة المخلين سعيا لتشكيل سلطة موازية، والتي تتمثل” عدالة “بحسب تفسيرات نيتشيه حين يؤول هذا الانقلاب إنتصارا لارادة القوة ، وان ممارسه المخلين بلا أقنعة أخلاقية بينما تتخفى المؤسسات الرقابية خلف لغة القانون العاجزة أو المتواطئة…
بالعودة إلى حدث الساعة من ” ملفات ايبستين” ، وتوصيف ال” فضائح “، ثمة ارباك اصطلاحي يشوب التوصيف من هذا المفهوم .
فهل تندرج حقيقة ما يجري في اطار الفضيحة ؟
قد يبدو حديث التوصيف هنا اختزالا للضرر و الشرور، تبعا لحجم خطورة الحدث،إلا أن عالمية المرتكبين وتنوعهم، التي أفادَت التفلت من القيود التنظيمية والرقابة المجتمعية،قد يضاعف حجم الشرور المفترض التوقف عندها..
فالحدث:” الفضيحة”، كما يجري تظهيره اعلاميا، يطال اسماء شخصيات في مراكز القرار والنفوذ والسلطة والأموال، وهي أسماء خارج حدود المجتمع الواحد القادر على تشكيل حالة إدانة حقيقية، فالاسماء والجنسيات المتنوعة، أدخَلت الارتكابات الى ما يُوَصَّف في خانة ” الخطايا” وهي الاقل خطورة من ضرر الفضائح، لأنها تدفع الحدث نحو البحث الأخلاقي اكثر منه المجتمعي لا سيما ويتلفظ الملف باسماء شخصيات نافذة من دول عالم الصف الأول والتي على الرغم من تناقضات مصالحها واهدافها، تُظهر وحدة الخلل ..
قد لا يجدر الشك بوجود مجموعة عوامل تسهم في تفريغ الملف الاوبستيني من التوصيف الفضائحي المؤهِل للمحاسبة. فمع عالمية الشخصيات،تبرز صعوبة الاحاطة بتوصيف احادي للجرم كما و العجز القانوني والقضائي عن المحاسبة، إضافة لأن العالمية تحرر ألارتكاب من ان يشكل حالة استنكار وادانة مجتمعية، بالتالي فقد تمكنت عالمية الارتكاب وشخصياته، من تحويل مفهوم “الفضيحة” ببعده العقابي، الى مفهوم ” الخطيئة” بكل ما تحتويه من البعد” الاخلاقي” لجهة الإعابة، على حساب التوصيف الجرمي، لتظهر الجريمة العالمية المنظمة مع ملفات “اوبستين” مستفيدة من فروقات المعنى الوظيفي من جهة، وقدرة المواقع ونفوذها على تمويه الأحكام وتحويل الفضيحة الى خطيئة الابعد مسافة عن المحاسبة، من جهة ثانية . ومن الاستفادتين، تسير الجريمة المنظمة عالميا، متكابرة على الإمساك تاركة خلفها أسوأ الشرور وافظعها، لأن القانون الدولي، رغم اتفاقياته وبروتوكولاته،يفتقد أسنانه التنفيذية واقعا ،بحيث يعتمد على إرادة الدول ذاتها في المحاسبة، والتي غالبا ما تكون اقل قدرة ونفوذ من التشكل العصاباتي الذي يخدم الدول في تأمين الاستهلاكات ” السوداء” ما يعجز القانون المنظم عن تأمينها. فالجريمة المنظمة عالميا تُحاسَب عبر شبكة من القوانين الوطنية و التعاون القضائي بين الدول، إضافة إلى الاتفاقات الدولية العابرة للحدود التي اقرتها الأمم المتحدة (اتفاقية باليرمو – 2000) باعتبارها المرجع الأساسي للتجريم، والتي تلزم الدول الموقِعة التعاون في تسليم المجرمين،وتترك تفصيل العقوبة والمحاسبة للدول تبعا لقوانينها الخاصة . فعند القضايا الكبرى، لا توجد محكمة عالمية للجريمة المنظمة، فتتمتع العصابات الاقتصاديةوالمافيا الدولية بان تبقى رهينة إرادة وحصانة دولها، لا سيما وان جهود العصابات تسير في ظل فشل القوانين المحلية وعجز السيادة الرسمية للسلطات، لتبدو العصابات سلطة غير قابلة للمحاسبة بعد أن تصبح مكونا بنيويا داخل أنظمة الحكم الهشةو شكلًا وظيفيًا من أشكال السيادة غير المصرّح بها والتي تعمل داخل فراغ نفوذها أو بتواطؤها ، لتتفاقم المشكلات، وتستباح الحقوق، وتنتشر الحروب دون روادع، ويتم تشييء و تسليع البشر اكثر فأكثر..
فان يحيلنا فوكو بكشفه أن السلطة لا تُمارَس فقط عبر المؤسسات الرسمية، بل عبر شبكات دقيقة من المصالح الاقتصاديةو تدفّقات المال المندمجة في آليات السوق، وعليه، نجد أن العصابة ليست نقيض السلطة، بل شكلها السفلي غير المعلن و امتدادها المظلم وجزءا من بنيتها الاقتصادية والسياسية وترتب بنية مجتمعية وقانون تناسب موقعها السلطوي الجديد. ولهذا تفشل اطر المواجهة القانونية في الرقابة و المحاسبة، وتنقل حدود الصراع من ثنائية “القانون – الجريمة” إلى ثلاثية :
” السلطة – الوظيفة – القيم” من مسألة التنظيم المجتمعي وجهود الحد من النزاعات ، لتظهر الاخلاق ومصادرها وسيولة انتشارها وإمكانية تطوير معاييرها الرقابية لاعبا اساسيا في التكوين المجتمعي العام باعتباره عنصر من مجموعة بنى متشابكة، متفاعلة مترابطة ومتداخلة، لا يمكن فك روابطها، في ظل الجشع الذي يحكم النظام العالمي الجديد..





