تحرير العقل اللبناني: خديجة جعفر

لا بد بظاية من توصيف القيود المكبلة لموضوعية الشخصية اللبنانية ، ليجدر الحديث عن تحرر هذه الذهنية من قيودها. فان تكن الازدواجية في الشخصية العراقية بحسب الدكتور والباحث الاجتماعي “علي الوردي” في كتابه( شخصية الفرد العراقي) مسترشدا بالملاحظات والدراسات ،ليخلص إلى شخصية مبللة بمنابع القبلية والعشائرية من جهة، والاقطاع السياسي من جهة ثانية، بالتالي صعوبة بناء دولة المواطنة.
اما لبنانيا، فما هي خصوصية الشخصية اللبنانية؟ وكيف يمكن تحرير هذه الشخصية من معوقات المواطنة ؟
منذ البدء، يصعب الحديث عن اللبناني، يوجد لبنانيون.. فالاصل اللبناني التاريخي، بحسب ولاة الاستعمار العثماني، هو الوسط الناشط زراعيا وتجاريا والمتميز بخصوصية الجذب. امكن لاحقا توسيع الجغرافيا بما ضمه من ولايات إضافية شكلت مع الزمن والمصالح والمطالبات حدوده الحالية، والتي ترسمت بالدستور الاستقلالي الذي كان خلاصة مراحل : استعمار+ انتداب + حركات تحرر+ طبقيات اقطاعية+ رجالات دين+ وسائل اعلامية ناشطة …
بمعنى اخر ،الشخصية اللبنانية خلاصة ترسبات لوعي النقص، ما تم الرد اللاواعي عليه بمنظومة قيم مؤدلجة تنطلق ضمنا من التحايل على وعي عقد الخوف بتبني ما شوه أصول التفاعل المجدي مع قاعدة التنوع من هذه الاصالة، بسطحيات مطلبية وحقوقية لم ترتقِ لمستوى ان تصبح قوانين رادعة للخوف ، فيحدث ان تترسخ معها الانتماءات الدينية اولا ، ثم الطبقية، كمعطيات وجودية تبنى مرجعيتها في التحالفات والاصطفافات اطرافا خارجية على حساب الفهم الموضوعي لهذه القوة التي يحققها التنوع.
الشخصية اللبنانية، تتجاذبها اتجاهات ثلاث. فداخل كل رأس لبناني مهما نشطت محاولاته لبلوغ الموضوعية صراعات لمخاوف ثلاث :
الاتجاه الأول، ( عقدة الخوف من الآخر العقائدي) :
ينطلق التفكير اللبناني من عقدة الخوف الوجودي العقائدي، فالحذر من الاخر الديني حاضر دوما ، يتجلى في مظاهر ديمغرافية سكنية وانجابية كما في اشكال الحراك السكاني ،ليصبح هذا الحذر مقياسا للانتماء، ما شكل شبيها لنظام الطائفة المغلقة بمعايير التفوق والنقص، فعلى كل لبناني ان يثبت أحقية وجوده مستفيدا من اي انتماء يضمن هذا الوجود، وعليه ان يكرس تفوقه دون التنبه لمخاطر استغلال هذا الانتماء. وقد شكل هذا الاتجاه القطبة المخفية في تشوهات ممارسة المواطنية الفاعلة أو المشبوهة من جهة، واصول الدبلوماسية السياسية مع الجيرة من جهة أخرى حتى تكرست عنصريات مجتمعية أثرت سليا على السلوكات الشخصية والمجتمعية والدولية ،وترسخت قوانين ومواد دستورية مستفيدة من رواسب الاستعمار لنظام الملل…
الاتجاه الثاني( عقدة التصاغر ) :
تشكل المساحة المصغرة للحدود الجغرافية اللبنانية والمكرسة في الدستور لحمايتها والدفاع عنها،عامل الخوف الوجودي الإضافي في خلل توازن المواطنة في الشخصية اللبنانية ، فهي مساحة لا تحتسب بين مساحات دول العالم ، نقطة على خرائط الكون، فإن يكن هاجس الحركة الصهيونية، الوجود اليهودي بعد الشتات التاريخي ليجعله شعبا عنصريا هجوميا ،فالجغرافيا اللبنانية بتصاغرها انتجت خوفا وجوديا مشابها يعيش ويتغذى على مشاعر الحماية المنقوصة، ما جعل اللبناني في حالة بحث دائم عن حماية دولية،مستهلكا لاستعمارات جديدة تتعدد وتتنوع تبعا للحدث والمرحلة ،ثم يكتشف عدم قدرتها على طمأنته تحقيقا لمصالحها ، فينقلب عليها ليعيش مخاوف إضافية وينغلق على مشاعر تفوق العداء الذي سيصبح موجها مركزيا في التفاعل المجتمعي، والتشريع السياسي، والدبلوماسيات الدولية.
الاتجاه الثالث،( عقدة التقليد والحداثة) :
الهجرات المتتالية والمكثفة، وتوسع الانتشار اللبناني في دول العالم بين غرب وشرق، ساهم والى حد كبير في خلق تمايز ثقافي وطبقي بين اللبنانيين، حول الأنشطة الاقتصادية نحو اقتصاديات ريعية خدماتية لصالح المتمولين المغتربين والاجانب، ما اساء بشكل غير مباشر إلى سمات الأصالة والتقليد من الوعي التكاملي للتنوع ، وشيوع ثقافة الاستسهال من التدخل الانقاذي الخارجي الذي بات لاحقا اساس وركيزة للتماسك السياسي الموازناتي من جهة، وركيزة لبناء ثقافة طبقة ينطلق من تقليد وانخراط للوافد اقتصاديا واجتماعية وسياسيا، بعيدا عن مقاربات التوافق بين طبيعة الموارد والرساميل وكيفية استثمارها ..
خلاصة القول ، ان الشخصية اللبنانية مزيج من ترسبات منتج الخوف، الخوف الوجودي ، والخوف العقائدي والخوف الثقافي. خوف يتحكم في أصالة منظومة قيم اللبناني، لتصبح الأصل والهوية وكل ما يتبقى من اغنيات فيروز، ليس إلا غطاء لخفض منسوب الظهور وتعرية هذه المخاوف . وكل لغو سياسي يبتعد عن مواجهة هذه الحقائق هو بحث مؤقت ، وقنبلة موقوتة لحرب جديدة نخترع لها عناوين تناسب توقيتها في حينه الذي سوف يكون حيناً قريبا دوما ..





