اللاءات المجدية ..خديجة جعفر

ان كافة مسارات التشكلات المجتمعية بدء من الشخصية الفردية، الشخصية المجتمعية بما تعكسه من وعي عام ،التشريعات و القوانين وصولا إلى شكل النظم السياسية التي تدير هذه التشكلات جميعها ، تتارجح بين سلوكات “النعم – و -اللا “…
فأن تكن النعم، انعكاسا للسلوك الامتثالي الطوعي ، تظهر ” اللا ” في معناها الاعتراضي، الثوري ، الرافض للامتثالية مما ترسخ نظما وإنماط عيش وتفكير من خلاصات التجارب السابقة من رسم الهوية الثقافية لجماعة ما ..وما أن يطرح السؤال حول الجهات المسؤولة عن الفصل بين “النعم ” و”اللا”، لتاتي إجابة علماء الاجتماع ثابتة موحدة في مسؤولية نظام القيم الاجتماعية، باعتبارها مجموعة المعايير
التي تحدد الخير والشر، المسؤولة عن ضبط السلوك حتى في غياب القانون، ما يخلق الثقة بين الناس، ضمانة التضامن من سلوكيات الأفراد لتلبية الحاحات وتحقيق المصالح العامة.
فالقيم هي جملة الصفات والقواعد غير المكتوبة التي تنظّم الحياة اليومية، تمتلك قوة التأثير والتنظيم وإدارة السلوك البشري على مقاييس الثوابت البناءة للمثل العليا ، أي، جملة
” النعم “المتبعة ..
فأين تسكن ” اللا ” إذا ؟ وهل تتحمل مسؤولية تفكك المجتمعات؟
في معرض الإجابة على سؤال التفكك هذا، سوف ننطلق من مسار عكسي نقاشا، بدء توصيف مجتمع تآكلت منظومة قيمه وماذا سيتبقى منه؟
ان مجتمع مخترق في وحدته، مشتت في منظومة قيمه، يعني مجتمع عجزت فيه آليات التنشئة عن صناعة الفرد الفاعل. فحين فشل مؤسسات الشأن العام في صناعة الفرد الفاعل، القادر على أحداث فرق في المسار، فأننا نبتعد عن أن يكون ذلك بسبب عامل واحد، بل نتيجة تداخل عوامل سياسية وتعليمية واقتصادية وثقافية، بالتالي فهو مجتمع عجزت مؤسساته ونظمه عن إيجاد فرص التكيف مع الحيز العام الذي تعيش فيه الجماعة، واصبحت
” النعم “، خلاصة امتثال لا إرادي نتيجة التلقين المفرغ من مضمونه، انها”نعم” مُسَيرة من قبل مجموعة افراد ممكننة، قاصرة عن الإنتاج المعرفي وحل المشكلات، مَسيرَة من يمتلك المعلومات لكنه يفتقر إلى الجرأة والقدرة على التأثير. هيمنة بيروقراطية وسلطة مركزية تركز على الطاعة بدل المبادرة، قيادات تعاقب الخطأ أكثر مما تكافئ الابتكار، مواطن يمتهن السلامة في الصمت لا في الفعل، ضعف الثقة بين المواطن والدولة، وانتشار للفساد حتى فقدان الدافع للمشاركة العامة. هذا ما يوصفه علماء الاجتماع امثال ( هوبز) و( روسو ) ب :” خلل العقد الاجتماعي “، ما يؤدي بافراد الجماعة الى ان تنتقل إلى مرحلة المواطن الناجي ببراغماتية المنفعة والوساطة وانعدام الثقة بالكفاءة والجهد والمبادرة، وتتراجع المشاركة المدنية والسياسية لمناقشة حرة للمشكلات في ظل اعلام مقيد وموجه خاضع لسلطة الامر الواقع ،فتنشأ حلقة مفرغة: مؤسسات ضعيفة – أفراد غير فاعلين – قيادات نفعية – استمرارية الضعف للمؤسسات – انهيار الدولة …
فالمجتمع الذي يشهد انهيارا في منظومة قيمه لا يتبقى من هيكيليته سوى حفنة قوانين بلا روح،مجرد نصوص كأدوات للقمع وليست انظمة عدالة، فينتشر الخوف بدل الضمير، يصبح ارتكاب الخطأ مجرد تجنب أو خوف من عقوبة، تتخلى الرقابة عن أن تكون ذاتية لتصبح رقابة قسرية ، والجريمة قوة، والروابط عبء ثقيل، الوطن مجرد جغرافيا ، شعور عام بالعبثية والضياع ..
وهو الامر الذي حلّله عالم الاجتماع ( اميل دوركهايم) منبها لمفهوم ( اللامعيارية) ..
عند غياب القيم، تتحول المصالح إلى صراعات
مصالح غير مقيدة، غير منظمة، غير قابلة للتفاوض الأخلاقي فيتحول المجتمع إلى ساحة تنافس خام، أقرب إلى ما وصفه ( توماس هوبز )
“حرب الجميع ضد الجميع”. يُفرَغ الوعي الجمعي من معناه فتنهار الثقة افقيا كما عموديا، تتشوه الهوية، ولا يبقى غير الدين واللغة التي سوف تترجمه تطرف وعصبيه وانقسامات وانتماءات ضيقة بعدما تُفتَقَد أطر الحماية والعدالة المؤسساتية .
مع انهيار القيم، يتبعه حكما انهيار للدولة، فلا يبق منها غير شكلها و يتغير مضمونها وظيفتها .
فبعد انهيار القيم: القانون الذي يفترض احترامه والالتزام به، سوف يتم التحايل عليه/ الوظيفة الخدماتية،ستتحول إلى مصدر ربح/ السياسة والتشريع بدل أن تكون أدوات لإدارة المصالح ستصبح صراع نفوذ..
فإذا تخلّى مجتمع في دولة نامية عن منظومة قيمه، فإن ما ستيبقى في الوعي الجمعي هو:
الخوف بدل الضمير، المصلحة بدل الأخلاق، الانتماء الضيق بدل الهوية الجامعة والقانون بلا شرعية أخلاقية…أي أن المجتمع لن يختفي ، لكنه سيتحول إلى بنية مادية بلا روح معيارية.
فتتحول الدولة إلى ما يسميه بعض علماء السياسة: دولة شكلية أو “قشرة مؤسسات بلا مجتمع حي”.
وان أخطر ما ترسخه الدولة الشكلية، في ما سوف يُملأ هذا الفراغ القيمي سريعا من ظواهر : التطرف – العصبيات- عبادة الشخصيات، العبثية والشتات….
وهذا ما لاحظته ( حنة ارندت ) عند تحليلها كيف تستغل الأنظمة الشمولية المجتمعات التي فقدت مرجعيتها الأخلاقية.
بالعودة إلى السؤال حول سكن ” اللا ” ،جدواها ومسؤوليتها من هذا التفكك ، قد بات واضحا انها سلوك النتيجة وليس السبب، ففي السلوك الاعتراضي الثوري انعكاس الضرورة لانهيار القيم وللتفسخ الوظيفي للدولة ، فيسلك بعض المتنورين، سلوكا نقديا ، تحليليا، تشريحيا، محايثا لهذا الواقع متبعا موقف “اللا “النقدية التي تشرح الأسباب وتقترح الحلول وليس “اللا ” الاعتراضية الساكنة حضن الاكتفاء من الشرح والرفض دون ثورة قادرة على قلب الموازين، واستعادة دور آليات التنشئة في بناء الشخص الفاعل… ليبقى جدل الاسبقية قائما لجهة أولوية استعادة دور الدولة الوظيفي وتحقيق التماسك ووحدة مستجدة؟ أم لأهمية أن يُترَك لمؤسسات البناء الاجتماعي دورها في رسم بنية قيم جديدة تتمكن من إعادة بناء دولة قادرة على ترسيخ الوحدة؟
في مجتمعاتنا المنكوبة اليوم، بحروب الاقتصاد والأصوليات، لا بد من إعادة النظر لقيم الوحدة والتماسك بعد عرضها للمراجعة النقدية الموضوعية،من اثار تجربة سابقة لدور آليات التنشئة والمؤسسات القابضة على القرار لجهة القدرة على بناء المواطن الفاعل ..





