فتنة الكذب الجميل ونفور من الصدق العاري: تأملات في المفارقة العاطفية

بقلم: هشام فرجي
في دهاليز النفس البشرية مفارقات عجيبة تتحدى منطق العقل. ولعل من أكثرها غرابة واستفزازًا للتأمل، تلك الحالة التي نراها تتكرر: لماذا تميل بعض النساء إلى معاشرة الرجل المخادع، المتقن لفنون التمويه، فيطول بهن المقام، بينما ينفرن من الرجل الصادق، الواضح في نواياه، فيغادرنه سريعًا أو يغادرهن؟
الجواب ليس أحادي البعد، فالمسألة تتقاطع فيها خيوط النفس، والاجتماع، والتربية، وحتى الذوق الجمالي المشروط.
الصدق، في جوهره، مرآة لا تجامل. يعرض الحقيقة كما هي، دون رتوش أو تزويق. هو ضوء قد يبهر العين، لكنه لا يعد بالدفء دومًا. أما الكذب الجميل، فغالبًا ما يتقن فن الإغواء، يزين الواقع ويلبسه حلة من الوهم، فيخدر العقل ويداعب العاطفة، فيغدو مقبولًا، بل مرغوبًا، عند من تحب الحكايات أكثر من الحقائق.
الرجل المخادع لا يحب المرأة بقدر ما يجيد أداء دور الحبيب، يعرف متى يقول ما تحب سماعه، يتقن الإطراء، ويحسن الغياب المتعمد ليزرع اللهفة، ويوهمها بأنها البطلة الوحيدة في مسرح قلبه، بينما يتقن هو أدوارًا أخرى في كواليس خفية. أما الصادق، فربما يفتقر إلى هذا “الفن”، لأنه لا يرى في الحب مسرحًا، بل حياة حقيقية. يقول ما يشعر به، لا ما يُتوقع منه أن يقول. يظهر كما هو، دون أقنعة أو أضواء مسلطة.
ولعل المفارقة الكبرى أن بعض النساء، في سعيهن وراء “الرجولة الحلم”، يسقطن الصادق لأنه لا يشبه النماذج الجاهزة التي صاغتها الدراما والقصص، في حين يقعن فريسة لمن يحسن التقمص والتمويه.
في العمق، قد تكون الرغبة في الإصلاح جزءًا من الجواب. كثيرات يتوهمن أن الرجل المخادع مشروع إصلاحي بانتظار أن تروضه أنوثتهن، وأن حبهن كفيل بتحويل الذئب إلى حمل. بينما الرجل الصادق، يبدو “مكتملًا”، غير قابل للتغيير، ولا يمنح فرصة لبطولة عاطفية من هذا النوع.
لكن، إلى متى يعمر الكذب؟
وإلى أين يقود الوهم أصحابه؟
قد يأتي يوم تفيق فيه المرأة على فراغ، على قلب أنهكته الخيبات، وعلى ذكرى رجل صادق مر ذات يوم ولم يُحتمل.
إن الحب الحقيقي لا يسكن في العبارات المنمقة ولا في المسرحيات المكررة، بل في صدق واضح، نقي، خالٍ من الزخرف، وإن بدا جافًا للوهلة الأولى.
فالقلوب التي تجرؤ على قول الحقيقة، وتتحمل سماعها، هي وحدها القادرة على بناء حب لا ينهار مع أول رياح الكذب.





