مقالات فكرية

الإنسان المعاصر وسؤال الوجود والهوية في عالم يتحول: (علاقة الإنسان بالجسد)✍محمد الجلايدي- المغرب

رجل يرتدي نظارات وقميص مربع باللون الأصفر، جالسًا مع ذراعيه متقاطعتين.

يشهد الإنسان المعاصر تحوّلًا عميقًا في علاقته بجسده. لذلك لم يعد بالإمكان فهمه ضمن التصورات التقليدية التي اختزلت الجسد في كونه معطًى بيولوجيا أو وعاء ثابتاََ للهوية. ففي سياق يتسارع فيه الإيقاع التكنولوجي وتتداخل فيه الحدود بين الطبيعي والتقني، أصبح الجسد ذاته مجالًا لإعادة تعريفه مفهوميا، في أفق إعادة تشكيل هويته في وجود عالمي يتحول.

في الماضي، اتسمت علاقة الإنسان بجسده بالمباشرة؛ إذ كان يتفاعل مع إشارات جسده من الداخل عبر الإحساس والتجربة اليومية، وتؤطر نظرته له منظومات ثقافية ودينية وأخلاقية تمنحه معناه. وكان يُنظر إليه إما كمعطى بيولوجي ينبغي التكيّف معه، أو كأمانة تستوجب الرعاية وفق إيقاعات ارتباطه ببيئته. 

أما اليوم، فقد انتقل الجسد من كونه موضوعًا للرعاية إلى موضوع للتقنية، وللتدخل المستمر عبر معلوماتها وبياناتها، التي تمده بقواعد للسلوك والفعل.

ويرتبط هذا التحول بظهور ما يمكن تسميته ب «إنترنت الجسد»، باعتباره امتدادًا ل «إنترنت الأشياء»، حيث لم تعد الأجهزة أدوات تكنولوجية خارجية فحسب، بل غدت امتدادًا مباشرًا للبنية الجسدية أيضا. وتتخذ بنية هذه الأجهزة أشكالًا متعددة: أجهزة تُرتدى لقياس المؤشرات الحيوية، وأخرى تُزرع مؤقتًا لمراقبة وظائف دقيقة، وأخرى دائمة تتدخل في تنظيم العمليات الحيوية و تقويم الاختلالات.

«وقد عرّف الاتحاد الدولي للاتصالات.. إنترنيت الأشياء (ومن ضمنها إنترنيت الجسد أيضا) بأنه بنية تحتية عالمية لمجتمع المعلومات تمكن من تقديم الخدمات المتطورة عن طريق الربط (المادي والافتراضي) بين (الإنسان و جسده وبينه وبين) الأشياء، استنادا إلى تكنولوجيا المعلومات الحالية القابلة للتشغيل البيني.» (١)

ولا يقتصر أثر هذه البنية التكنولوجية على المجال الطبي، بل يمتد إلى مجالات مثل التربية البدنية والصحية، حيث لم يعد إدراك الفرد لجسده قائمًا على الخبرة الذاتية فقط، بل على معطيات دقيقة تنتجها الأجهزة. وهنا تتشكل علاقة مزدوجة: علاقة ذاتية يعمل فيها الفرد على جسده اعتمادًا على المعلومات والبيانات، وعلاقة تشاركية يدخل فيها فاعلون آخرون كالأطباء والمدربين، سواء في تفاعل مباشر أو عن بُعد، عبر نقل المعطيات واتخاذ القرار دون حضور فيزيائي مشترك.

كما تتسم هذه البنية بطابع تطوري متسارع، حيث يُعاد تعريف الممكن التكنولوجي الرياضي أو الطبي باستمرار. وتُبرز تقنية قياس مستوى السكر في الدم هذا المسار على سبيل المثال لا الحصر: فمن أدوات تقليدية إلى مستشعرات ذكية، ثم إلى أنظمة متكاملة تحاكي وظيفة البنكرياس عبر ضخ الأنسولين تلقائيًا. في هذا السياق، لا يتراكم الابتكار فقط، بل يُقصي ما سبقه، مما يعمّق منطق التحديث الدائم.

غير أن هذا التطور يطرح تحديات حاسمة، أبرزها الكلفة، التي تجعل الولوج إلى هذه التقنيات غير متكافئ. وهنا تتجلى إشكالية العدالة الصحية: هل سيغدو الجسد المحسَّن تقنيًا امتيازًا لفئات محددة؟ وهل ستُعاد صياغة الفوارق الاجتماعية في صيغة بيولوجية- تقنية؟

بحيث «يعتبر الوصول إلى جهاز رخيص الثمن من أهم التحديات التي تواجه صانعي التقنية اليوم.» (٢) ويتحججون بارتفاع التكلفة وضعف فائض القيمة. كما أن «أي تلف يحدث للأنظمة الذكية يمكن أن يحتاج إلى تكاليف مادية باهظة لإعادة تشغيلها.» (٣)

وعلى المستوى الدلالي، يكشف هذا التحول عن إعادة تشكيل عميقة لمعنى الجسد. فمن جهة، تتيح التقنيات إمكانات غير مسبوقة للفهم والتحكم، بما يعزز شعورًا بالتحرر؛ ومن جهة أخرى، تفتح المجال لأشكال جديدة من الارتهان، سواء للتقنية ذاتها أو للمعايير التي تفرضها.

وفي هذا الإطار، لم يعد الجسد معطًى بيولوجيًا خالصًا، بل أصبح كيانًا مركبًا تتداخل فيه الأبعاد البيولوجية والتقنية والرمزية. كما تتبلور مفاهيم جديدة مثل «التربية البدنية الذاتية» و«الطب التشاركي»، حيث يتراجع منطق السلطة الأحادية (الطبيب أو المدرب) لصالح سلطة موزعة تقوم على تقاسم المعرفة والمسؤولية.

غير أن هذا التحول لا يخلو من مخاطر: تآكل العلاقة الحسية المباشرة بالجسد، قابلية المعطيات البيولوجية للتسليع، إخضاع الجسد لمعايير نمطية، ونشوء قلق وجودي يجعل الإنسان أسير مؤشراته الحيوية. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى وعي نقدي لا يرفض التقنية، بل يعيد إدماجها ضمن أفق إنساني متوازن.

وفي هذا السياق، يتخذ سؤال الجسد بعدًا أنطولوجيًا: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على وحدته 

وهويته في عالم يعيد تشكيل جسده باستمرار؟

الخلاصة:- التحول في مفهوم الجسد كأفق جديد للهوية:

1- بين التحرر والارتهان:

يتحرر الإنسان من محدودية الجسد البيولوجي ومن الاحتكار المعرفي للخبرة، لكنه يدخل في المقابل في أشكال جديدة من الارتهان للتقنية والمعايير الرقمية. وهكذا، لا يختفي القيد بل 

يعاد تشكيله في صورة أكثر تعقيدًا.

2- الجسد كمفهوم مركب:

لم يعد الجسد كيانًا طبيعيًا صرفًا، بل مجالًا تتقاطع فيه الأبعاد البيولوجية والتقنية والرمزية، مما يجعله موضوعًا للتأويل المستمر، ويجعل الهوية الجسدية نفسها قابلة لإعادة الصياغة.

3- المخاطر والتحديات:

أ- المخاطر: تتمثل في تآكل التجربة الحسية المباشرة، وتسليع المعطيات البيولوجية، وفرض معايير نمطية، إلى جانب نشوء قلق وجودي مرتبط بالمراقبة المستمرة للجسد.


ب- التحديات: تكشف عن أبعاد اجتماعية وسياسية، أبرزها عدم تكافؤ الولوج إلى التقنيات الصحية، مما يفرض توسيع مفهوم العدالة الصحية ليشمل الحق في التكنولوجيا الحيوية، وإعادة توجيه الفعل النقابي والمدني نحو ما يمكن تسميته ب «عدالة صحية تكنولوجية».

4- نحو قرارات ناضجة:

أ- فرديًا: يتيح الوعي بهذا التحول تبنّي موقف نقدي متوازن، يجعل من التقنية وسيلة لتعزيز الوعي بالذات لا بديلًا عنها، ويؤكد أن الرهان ليس في كفاءة الجسد فحسب، بل في صون معناه الإنساني.



ب- جماعيًا: : في أفق التحولات التي يفرضها منطق العصر، حيث تتداخل المعرفة بالتقنية ويتحوّل الفاعلون إلى منتجين ومشاركين في آن، لا نعود إزاء علاقة قائمة على السيطرة المطلقة، بل أمام منطق جديد قوامه التفاوض: تفاوضٌ بين المنتج المعرفي والمستهلك-المشارك بوصفهما فاعلين في إنتاج القيمة والمعنى، وتفاوضٌ بينهما وبين منظومات الإكراه التقنية والمؤسساتية المؤطرة لفعلهما، وتفاوضٌ، في الآن نفسه، داخل كل منهما بين فيض الاختيار وأفق الحاجة كما يتشكل ضمن شروط الضرورة.

————

(1) المجلة الدولية للبحوث في العلوم التربوية، المجلد (3)، العدد (3)، 2019، ص 60
(2) المرجع نفسه، ص 80
(3) المرجع نفسه، الصفحة نفسها

(يتبع)

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading