مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

الإنسان المعاصر وسؤال الوجود والهوية في عالم يتحول : (علاقة الإنسان بالأشياء)✍محمد الجلايدي- المغرب

رسم توضيحي لرجل يرتدي نظارات شمسية، يظهر تعبيره بشكل هادئ.

-علاقة الإنسان بالأشياء:

شهد الإنسان في عصر المصنع علاقة مباشرة وواضحة مع الأشياء؛ كان الجسد هو الوسيط الأساسي، وكانت وظيفة الأشياء تمارس من طرفه عبر الاحتكاك المادي المباشر. يضغط الزر فيضيء المصباح، يدير المقبض فينفتح الباب، يشغّل الآلة فيتحكم في إيقاعها وحركتها. في هذا السياق، كان الإنسان مركز الفعل لمحيط الأشياء التي يستعملها، ومنه تنطلق أوامر التشغيل والتعطيل، وكانت الأشياء تستجيب له بوصفها أدوات «صامتة»، لا تفعل إلا حين تُمسّ.

غير أن هذه العلاقة بدأت تتحول تدريجيًا مع الانتقال إلى عصر التكنولوجيا الرقمية والأنظمة الذكية. إذ لم يعد التفاعل مع الأشياء مشروطًا بالجسد أو بالقرب الفيزيائي، بل صار يتم عبر وسائط غير مرئية، تعتمد على الاستشعار والمعالجة والبرمجة. الأبواب تُفتح وتُغلق تلقائيًا عند الاقتراب، والمصابيح تشتعل وتنطفئ دون الحاجة إلى زر مثبت على الجدار، بل عبر استشعار الحركة. ولم يعد الإنسان يباشر الفعل بيده، بل يكفي حضوره الحركي أو صوته أو حتى ملامحه ليتم التفاعل.

لقد أصبح الجسد ذاته أداة تشغيل: بصمة الإصبع، ملامح الوجه، نبرة الصوت.. كلها تحولت إلى مفاتيح رقمية. الهاتف النقال لم يعد يحتاج إلى ضغطات تقليدية، بل يُفتح برمز لمسي أو بتعرّف بيومتري، وكذلك الشأن بالنسبة للتلفاز، وأنظمة الحاسوب، ووسائل الاتصال والتواصل. أما داخل الفضاء المنزلي، فقد امتد هذا التحول ليشمل مختلف التجهيزات: آلات غسل الأواني، وآلات غسل الملابس، وأجهزة الطبخ الذكية التي تضبط الحرارة والوقت، بل حتى أسرة النوم التي تتكيف مع وضعية الجسد، وموائد الأكل التي تستجيب لحاجات المستخدم..

هكذا، لم تعد الأشياء مجرد أدوات جامدة، بل صارت أنظمة تفاعلية قادرة على «فهم» محيطها والاستجابة له. وبالمقابل، لم يعد الإنسان فاعلًا مباشرًا بقدر ما أصبح مُدبّرًا عن بُعد، أو بالأحرى «مُنسّقًا» لعلاقة معقدة بينه وبين محيط ذكي. لقد انتقل مركز التحكم من الجسد إلى الشيفرة، ومن الفعل المباشر إلى الأمر غير المرئي، ومن العلاقة الفيزيائية إلى علاقة وسيطة تحكمها الخوارزميات.

وعلى مستوى بنية هذه العلاقة الوسيطية، لم تعد هذه الأخيرة ثنائية بسيطة (إنسان- شيء)، بل أصبحت علاقة ثلاثية مركبة: (إنسان <> وسيط تكنولوجي <> شيء). بحيث لم يعد الإنسان يتصل مباشرة بالشيء، بل يمر عبر وسيط يشكل حلقة انتقال إلزامية تعبر من خلالها الإشارة قبل أن تتحقق وظيفيًا. هذا الوسيط لم يعد مجرد أداة إضافية، بل صار شرطًا بنيويًا لحدوث الفعل نفسه، وموقعًا حاسمًا لإعادة تعريف معنى التحكم والتفاعل.

ويأخذ هذا الوسيط شكلين أساسيين ضمن النسق التقني المعاصر. فمن جهة، هناك وسيط مستقل، يشتغل كوحدة مغلقة نسبيًا، حيث تتم عملية التقاط الإشارة ومعالجتها وتنفيذها داخل الجهاز نفسه، دون حاجة إلى اتصال خارجي دائم؛ كما هو الحال في مستشعر حركة يشغّل مصباحًا بشكل تلقائي، أو نظام بصمة يفتح بابًا أو نافذة. ومن جهة أخرى، هناك وسيط مرتبط بشبكة، يشتغل ضمن بنية موسعة تتجاوز الجهاز ذاته، حيث تمر الإشارة عبر شبكة، قد تكون محلية أو سحابية، ويتم توزيع المعالجة أو جزء منها خارج الجهاز نفسه. في هذه الحالة، تأخذ الإشارة مسارًا ممتدًا ومعقدًا: إنسان < > وسيط محلي < > شبكة < > نظام معالجة < > جهاز منفّذ، بما يجعل الفعل التقني نتيجة تفاعل منظومة كاملة لا مجرد استجابة فورية لطلب مباشر. هذه العلاقة: (الإنسان- الشبكة التفاعلية). ف «بعد أن نجحت شبكة الإنترنيت في ربط البشر حول العالم، جاء الدور.. على الأشياء من حولنا لتصبح جزءا من شبكة المعلومات الدولية «الإنترنيت» (وصارت تحمل اسم) إنترنيت الأشياء (Internet of Things) أو ما يعرف اختصاراً ب (IOT) وهي عبارة عن مجموعة من الكائنات أو الأجهزة التي لها قابلية الاتصال بالإنترنيت والتي يمكن التفاعل فيما بينها (آلة- آلة) أو التفاعل مع الإنسان (آلة- إنسان) للقيام بمجموعة من المهام المنوطة بها.» (١)

هذه التحولات كعلامات سيميائية، تكشف عن دلالات عميقة؛ إذ لم تعد الأشياء مجرد أدوات مساعدة، بل أصبحت وسيطًا ذكيًا يعيد توزيع الفعل البشري في علاقته بالأشياء، حيث يُقاس الفعل البشري ليس فقط بالتحكم المباشر، بل بقدرته على التفاعل ضمن منظومة ذكية متصلة وعن بعد. وفي هذا السياق، يبرز السؤال المفهومي الذي يقارن هذا التحول بالعصر الصناعي: هل علاقة الإنسان بالأشياء كما تشكلت في العصر الصناعي- القائمة على التحكم والاستخدام المحدود- هي نفسها في عصر الإنترنت الذكي، أم أنها تعرضت للهدم وإعادة التشكيل لتصبح علاقة تفاعلية وشراكة ضمن شبكة ذكية تحقق التحكم عن بعد؟

(…)

الخلاصة- التحول في مفهوم الأشياء كأفق جديد للهوية:

١- التحرر من.. والارتهان إلى:

تكشف التحولات المعاصرة أن الإنسان تحرر من العلاقة المباشرة والبسيطة مع الأشياء بوصفها مواد صامتة تُستخدم بقدر الحاجة، إذ لم يعد ملزمًا بالحضور الفيزيائي أو التحكم اليدوي المباشر فيها. غير أن هذا التحرر أفضى إلى ارتهان جديد، حيث أصبحت العلاقة بالأشياء تمر عبر وساطة تقنية ذكية تتحكم في طريقة استخدامها وتحدد إمكانات التفاعل معها. وهكذا انتقل الإنسان من سيطرة مباشرة على الشيء إلى علاقة مُدارة عبر أنظمة وسيطة، تعيد تشكيل موقعه 

داخل فعل الاستعمال نفسه.

٢- المفهوم المركب للأشياء:

أصبحت الأشياء مفهومًا مركبًا يتداخل فيه المادي مع الرقمي، والوظيفي مع التفاعلي. فلم تعد مجرد أدوات تُستخدم، بل أنظمة ذكية تستجيب وتتفاعل وتُنتج معلومات وبيانات. كما لم تعد العلاقة بها علاقة استعمال فقط، بل علاقة تواصل غير مباشر، حيث تتوسط الواجهات والتطبيقات هذا التفاعل. في هذا السياق، تتحول الأشياء إلى امتدادات تقنية للإنسان، تمكّنه من توسيع قدراته، لكنها في الوقت نفسه تعيد تشكيل أنماط سلوكه في اعتماده عليها.

٣- الوعي بالمخاطر:

ينطوي هذا التحول على مخاطر دقيقة، أبرزها تراجع العلاقة الحسية المباشرة مع العالم المادي لصالح علاقة وسيطة قد تضعف الإحساس بالتحكم الفعلي. كما يؤدي الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية إلى نوع من التبعية التقنية، حيث تصبح القدرة على الفعل مشروطة بسلامة هذه الوسائط وكفاءتها. ومن جهة أخرى، قد يُنتج هذا النمط نوعًا من الاغتراب، إذ يتحول الإنسان من فاعل مباشر إلى مجرد مستخدم داخل منظومة تتحكم في شروط الفعل. ويكمن 

الخطر الأعمق في انتقال مركز التحكم تدريجيًا من الإنسان إلى الوسيط التقني.

٤- إدراك وتمثّل المفهوم يساعد على اتخاذ القرارات الناضجة:

إن استيعاب الطبيعة المركبة للأشياء في هذا السياق يمكّن الإنسان من إعادة ضبط علاقته بها على نحو أكثر وعيًا. فإدراك أن الأشياء التي لم تعد محايدة، بل موجهة ضمن أنظمة ذكية، يساعد على اتخاذ قرارات متزنة في استخدامها والاعتماد عليها.

بهذا المعنى، لا يكون المطلوب رفض الوساطة التقنية، بل التحكم فيها: استخدامها لتعزيز الفاعلية دون الوقوع في التبعية، والحفاظ على قدر من العلاقة المباشرة مع العالم المادي. وهكذا يستعيد الإنسان موقعه كفاعل واعٍ، لا كمجرد مستخدم داخل شبكة من الأشياء الذكية، وتُبنى هويته على هذا المستوى على قاعدة التوازن بين القدرة التقنية والاستقلال الإنساني.

———

(١) المرجع:- إنترنيت الأشياء الذكية في مجال الرعاية الصحية- حنين عبد السلام أبوعود، أسيل أحمد الضراط، علي محمد عبد الشاهد- قسم الهندسة الكهربائية والإلكترونية- كلية الهندسة- جامعة مصراتة- مجلة البحوث الأكاديمية، العدد 15، 2019-الصفحة 1- متاحة على الإنترنيت بتاريخ 08 نوفمبر 2019 (www.Iam.edu.Iy)

(يتبع)

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading