مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

الإنسان المعاصر وسؤال الوجود والهوية في عالم يتحول :- (علاقة الإنسان بالعمل) ✍ محمد الجلايدي- القنيطرة المغرب

رجل يرتدي نظارات شمسية وقميص أخضر يجلس على شاطئ قريب من البحر.

٤- علاقة الإنسان بالعمل:

لقد شهدت علاقة الإنسان بالعمل تحولات جوهرية عبر المراحل التاريخية، بحيث لم تعد الوظيفة مجرد نشاط مادي يضمن الكسب والحياة اليومية، بل أصبحت منظومة متعددة الأبعاد، تتفاعل مع التكنولوجيا، والاقتصاد، والمجتمع، وحتى مع الذات.

ففي العصر الزراعي، كان العمل مرتبطًا بالزمن الطبيعي والموسم، وكانت المهام محددة وواضحة، كما كانت العلاقة بالعمل مباشرة وعضوية، إذ كان الإنسان جزءًا من دورة الإنتاج الطبيعية، والجهد البدني مقياسًا للقيمة والإنجاز. وكان الهدف هو الحفاظ على شرط البقاء في الحياة بضمان الاستمرارية ضمن جماعة العمل لكسب وسائل العيش في حدها الأدنى.

ومع دخول العصر الصناعي، تغيرت طبيعة العمل بشكل جذري، حيث ظهر تقسيم العمل، والتخصص، والآلات الثقيلة التي زادت من إنتاجية الفرد والمجتمع. فأصبح العمل أكثر تنظيماً وأدق تقسيما للأدوار، ومحدد في ساعات العمل بشكل صارم. وهكذا انتقل الإنسان من عمل عضوي مرتبط بالوجود اليومي، إلى عمل ميكانيكي مقنن وصارم، تتحدد قيمته بالكمية والجودة والوقت، وأصبحت علاقة الإنسان بالعمل علاقة مباشرة مع الآلة والعملية الإنتاجية.

ولم يقتصر هذا التحول على فضاء المصنع، بل امتد ليشمل مختلف مجالات الحياة، حيث تمت معايرة الخدمات وفق إيقاعه: توحيد أنماط التركيز والانضباط بين الموظفين والعمال، تركيز الساكنة في المدن، ضبط دقيق لأوقات العمل والعطل، وتنميط التنظيم الإداري ضمن هرمية بيروقراطية صارمة. وبذلك تحولت صفارة المصنع إلى رمز مركزي يضبط إيقاع المجتمع بأكمله، لا مجرد إشارة لبدء العمل أو انتهائه.

أما في العصر التكنولوجي، فقد بلغت هذه التحولات أبعادًا جديدة، إذ أصبح العمل غير محدود بالمكان أو الزمن بفعل الرقمنة، والعمل عن بُعد، وتوكيل الآلة بإنجازه، عبر الحاسوب، أو منحه للعقل الاصطناعي. لم يعد حضور الإنسان جسديًا شرطًا لإنتاج القيمة، بل أصبح دوره أكثر توجيهًا ومراقبة وتخطيطًا، في حين تتولى الأنظمة الذكية تنفيذ المهام الروتينية. كما أن العمل أصبح أكثر مرونة وقابلية لإعادة التنظيم حسب احتياجات السوق، كما تحولت مهارات الإنسان إلى عنصر تنافسي محوري، وأصبح الابتكار والتكيف والقدرة على التعلم المستمر مفتاحًا للبقاء ضمن منظومة العمل الحديثة.

وتكشف هذه التحولات عن دلالات عميقة؛ إذ لم تعد قيمة العمل محصورة في الجهد البدني أو الوقت المبذول، بل في القدرة على إدارة المعرفة، والتفاعل مع الأنظمة الذكية، والابتكار المستمر. كما يعكس هذا التحول انتقال الإنسان من علاقة عضوية وارتباط طبيعي بالعمل إلى علاقة شبكية وتفاعلية، حيث يصبح الفرد جزءًا من منظومة إنتاجية تتجاوز المكان والزمان، ويصبح معيار الفعالية مرتبطًا بالكفاءة الرقمية- الشبكية والقدرة على التأقلم مع التغير المستمر.

وفي هذا السياق، يكشف انتقال العمل من الجهد العضلي إلى الجهد العقلي عن انقلاب عميق في العلاقة بين قوة العمل ووسائلها؛ إذ لم تعد هذه العلاقة تتمحور حول الجسد بكليته، بل أعيد تمركزها في القدرات الذهنية والمعرفية للعامل، بحيث أصبحت السيطرة على أدوات الإنتاج وتوجيهها تنبثق أساسًا من كفاءاته الإدراكية، لا من طاقته البدنية.

انطلاقا من ذلك، يبرز السؤال المفهومي: هل علاقة الإنسان بالعمل كما تشكلت في العصر الزراعي والصناعي، القائمة على الجهد المباشر والزمن الطبيعي والميكانيكية، هي نفسها في العصر التكنولوجي، أم أنها تعرضت لإعادة تشكيل عميقة لتصبح علاقة قائمة على التفاعل الرقمي، والمرونة، والابتكار المستمر، مع ما يرافق ذلك من تغير في معنى القيمة والجهد والوظيفة؟

(…)

الخلاصة:- التحول في علاقة الإنسان بالعمل كأفق جديد للهوية:

١- التحرر من.. والارتهان إلى:

يتحرر الإنسان المعاصر من إكراهات العمل المقنن زمنيًا ومكانيًا، ومن الارتباط بالجهد البدني و الحضور الفيزيائي داخل فضاء الإنتاج. غير أن هذا التحرر يقابله ارتهان لنمط جديد من العمل، قائم على الرقمنة والمرونة، حيث يصبح الفرد مرتبطًا بشكل دائم بشبكات الإنتاج، وخاضعًا لإيقاع السوق المتغير، ومتطلبات التكيف المستمر والمفتوح على التجدد المتلاحق.

٢- المفهوم المركب للعمل المعاصر:

لم يعد العمل مجرد نشاط إنتاجي مادي، بل أصبح مفهومًا مركبًا يتداخل فيه الاقتصادي بالمعرفي، والتقني بالإبداعي. فهو ممارسة تشمل إدارة المعرفة، والتفاعل مع الأنظمة الذكية، والقدرة على الابتكار، مما يجعل العمل فضاءً لإنتاج القيمة الرمزية والمادية في آن واحد، ويتجاوز حدود الوظيفة التقليدية نحو نمط من الوجود الشبكي المتصل. ومن الارتكاز على القرب إلى المزاوجة بينه والبعد.
كما تحولت علاقة العامل بوسائل الإنتاج من الجهد العضلي إلى الجهد العقلي، مما رفع هذه الوسائل إلى التموقع في الجمجمة، بدل الارتباط بها بكامل الجسد.

٣- الوعي بمخاطره:

تكمن مخاطر هذا التحول في ضمور الحدود بين العمل والحياة، وفي تصاعد الضغط نحو الأداء المستمر والتحديث الدائم للمهارات، مما قد يؤدي إلى إنهاك الفرد وفقدان الاستقرار المهني. كما أن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا يهدد بتهميش العديد من الفئات وتعريض غيرها إلى خطر البطالة، ويعيد إنتاج أشكال جديدة من الهشاشة الاجتماعية وعدم المساواة داخل سوق العمل.

٤- إدراك وتمثل المفهوم كشرط لاتخاذ قرارات ناضجة:

إن استيعاب هذا التحول في طبيعته المركبة يمكّن الإنسان من إعادة تعريف علاقته بالعمل، ليس فقط كوسيلة للعيش، بل كاختيار استراتيجي يقتضي وعيًا مزدوجًا: بمتطلبات العصر الرقمي من جهة، وبمخاطر الانخراط غير النقدي فيه من جهة أخرى. ويساعد هذا الوعي على اتخاذ قرارات أكثر نضجًا، من خلال تطوير المهارات بشكل مستمر، وتحقيق توازن واعٍ بين الحياة والعمل، والانخراط في منظومة إنتاجية متغيرة دون فقدان المعنى الشخصي والإنساني للعمل.

كما يفرض هذا التحول دعم الوجود المهني بالتعدد والمزاوجة بين أنماط الاشتغال، حضورًا وبُعدًا، إذ لم تعد المهنة الواحدة كافية لضمان الاستقرار المعيشي. ويتفاقم هذا الوضع الهش في ظل تنامي الخصخصة، وتراجع الخدمات العمومية، وضعف آليات إعادة التأهيل والتعويض عن البطالة، إلى جانب التضييق على الاحتجاجات المطلبية، واعتماد مبدأ الليونة في علاقات الشغل، وما يصاحبه من تآكل القدرة الشرائية في غياب آليات حمائية فعالة، وتراجع دور الدولة في تأطير العلاقة بين أطراف الإنتاج.

وفي هذا السياق، يُترك سوق العمل أكثر فأكثر لهيمنة الرأسمال باعتماده منطق الربح بربطه بتخفيض الكلفة الإنتاجية على حساب قوة العمل. وهو ما يفرض على الممارسة النقابية إعادة توجيه برامجها النضالية، لجعل هذه التحولات والمخاطر في صلب نضالاتها المطلبية.

محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

(يتبع)

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading