أنا لك ولست لك.. محمد الجلايدي – القنيطرة – المغرب

ناداني البحر عند الغبش، فسرتُ إلى الشاطئ بخطوات وئيدة. وعلى صخرة استويتُ. لا نوارس، لا كروان، لا يمام، لا حمام، ولا طيور غطَّاسة! مسحتُ المكان بعينيَّ، فلم أرَ غير الزرقة المنتشرة وقد شرعت تملأ دواخلي! كان الموج يتكسَّر معلنًا قوةً في الحضور عبر الهدير، فأدركتُ بحسي البحري أن اللحظة تشهد انطلاق المد! استحضرتُ حورية البحر، وتساءلتُ متعجبًا:
-«كيف اهتدى الخيال البشري إلى صنع حوريات البحر، وأكسبها ملامح، وقسَّم جسدها ليمنح جذعها الأعلى صورة امرأة فاتنة، وأسفلها جسم سمكة؟!»
لم أجد فرصة للتفكير في سؤالي، إذ حملت الموجة السابعة حورية بحرية تلتقط أنفاسها على الصخر أمامي! ركَّزتُ بصري فيها، وفي تفاصيل مكوناتها الجسدية، فإذا بها تستبدل قسمها السفلي لتتشكل في صورة امرأة بالكامل:
قامة صفصافية، هالة بدرية، وجه بلوري، شعر كستنائي فحمي مسدل خلف الكتفين بفوضى أنيقة! حاجبان بلون السواد البهيم مرسومان كالهلال في أوله، عينان واسعتان تنبعث منهما نظرة آسرة يرسلها تآلف السواد والبياض بداخلهما، صدر ناهد، خصر ضامر يعكس انسجام عناصر الجسد ويمنحه تناغمًا كليًا بديعًا!
(…)
مشت بخطوة واثقة نحوي، وفي كل خطوة ينبعث تمايل يفصح عن خيلاء أنثوي يعزف سمفونية الثقة المرفوقة بالتمنُّع، يتقدمها بهاء الحسن والجمال في أشد حالاته ظلمًا!
-«وهل من ظلم أشد من ظلم الجمال إذا بُصِرَتْ به العين واستعصى وتمنَّع؟!»
هكذا قلتُ لنفسي وأنا أتنهَّد.
ابتسمتْ فارتسمت الغمازتان على خدَّيها! رفعتْ الثوب عن ساقيها، كما فعلت بلقيس حين ظنَّت أن الأسفلت البلوري ماء! وبجانبي استوتْ! علق لساني في فمي وانشلَّ!
-«هل أنا في حلم أم في يقظة، أم في يقظة حالمة؟!»
تفتَّق السؤال في مخيّلتي، ولم أترجمه صوتًا. فجاءني صوتها الهديلي ليفك عقدة لساني:
-«صباح النور.»
-«صباح النور يا نور!»
وأضفتُ:
-«ما اسمكِ يا جميلة؟! ولمَ جئتِ من عمق الخضم بدل البر؟!»
ثم بُحتُ لها بتلقائية وعفوية، من دون أدنى احتراز:
-«لقد أسرتني بسلطة جمالكِ!»
أجابت وهي تبتسم لي:
«أنا كما تراني عيناك، وكما يترجم دماغك صورتي بداخله.»
وعن هويتها واسمها، أضافت مسترسلة بتوليفة سردية مكثفة:
-«أنا امرأة بالفعل، ولستُ امرأة على الإطلاق. أنا أرض. أنا حياة في بحر. أنا مدٌّ وجزر. أنا شمس وقمر. أنا شفق محمر. أنا غسق وغبش. أنا وطن للبؤساء. أنا غطاء للتعساء. أنا خصب للمحرومين. أنا عدالة المظلومين. أنا ربيع أخضر. أنا فداء قوي للعزة والكرامة. أنا نقش تراثي على حجر. أنا السهل الممتنع في قصائد الشعر. أنا بثينة خليلة جميل بن معمر، وعبلة عشيقة عنترة بن شداد، وصبابة قيس بن ذريح وقيس بن الملوح. أنا ليلى الأخيلية، والخنساء. أنا خولة بنت الأزور، فارسة الصحراء. وأنا في مثل هؤلاء ممن قتلهنَّ وقتلهم الحب، وشكَّلنَ وشكَّلُوا بالشهادة معبرًا للإبداع ضد كل أشكال الاتباع!»
(…)
ثم ختمت بسؤال موجَّه إليَّ بالحصر:
-«فهل عرفتني الآن؟»
أجبتها بصدق:
-«لا، لم أعرفكِ بعد!»
(…)
أضافت لتقربني إلى تمثُّل هويتها:
-«أنا لكِ وفي الآن نفسه أنا لخصمك أو عدوك. ومن منكما لامس نقطة بيضاء في دواخلي، صرتُ له جسدًا وروحًا وهوية! وبجسدي وبروحي ثم بهويتي، يبسط سلطته على الذي لم أعد له، لأن الذي لم أعد له لم يعرف كيف يلامس النقطة البيضاء في دواخل دواخلي! فهل عرفتني؟»
أجبتها بصدق:
-«ورغم كل ما قلتِ، لم أتوصل إلى معرفة من أنتِ!»
(…)
قالت قبل أن تدير ظهرها:
-«أنا المعرفة.»
(…)
ولما غادرت مع موجة، قذفتُ بنفسي في البحر، أسبح لأمسك بها، ثم أدغدغ جسدها، لعلِّي ألامس سرَّ نقطتها البيضاء في دواخل دواخلها!
(…)
لحظتها أتت النوارس والكروانات، وأتى اليمام والحمام، وخلفها الطيور الغطَّاسة، لتتعاون عليَّ كي تردني إلى خلوتي في جلستي!
(…)





