أزمة المثقف – رامي الحلبي
هل سألت نفسك يوما لماذا تطفو السفن رغم أنها مصنوعة من معادن ثقيلة؟، إذا وجدت إجابة فتأكد أن هذه أسباب لا تجعل لإبحارها دون وجهة و قيمة معنى يذكر، ولا يمكن أن يكون عملها فقط الإبحار لوجهة دون قيمة، سواء كانت تجارية أو غير ذلك… أو دعني أقول لك أنه هكذا تطفو الأوطان و تنجو بتحديد الوجهة والقيمة، بأسباب تدفع أبنائها نحو ذلك، ليس من ضمنها وبالتأكيد التمنى والحب الأفلاطوني البريء والشعر والبلاغة والشعار والراية والنشيد، فلا معنى لتخطي الغرق دون أن يكون لأبناء الوطن هدف، حيث التيه لا معنى وحيث الغرق يكون الهلاك، والهدف ليس فقط في نزعة البقاء بل إستراتيجيات البناء، فبموضوعية شديدة والأمر لا يقتصر على مصر فحسب… تملك الأمة العربية أسباب القيام والبناء الحضاري، اذ تملك العالم والخبير والمفكر والمثقف.الأمر الذي يجعل أزمة المثقف العام و الحقيقي هي هي أزمة الوطن، فالعقل في رأس الإنسان العادي لابد له ان يكون برؤية، و غالبا يدرك أي عقل محيطه لاسيما أزمته لكن يعجز لأنه لا يملك فرصة التعبير عنها، قد يدرك حلوله لكنه عاجز ايضا عن ترتيب أولوياته، يمكن القول أنه لا يملك فلسفته، إذ أنه لديه هذه الفلسفة التي يتعامل معها وبها حياتيا لكن كشيء مستعار، والطبيعي أن يتعامل الإنسان العادي بهذه الكيفية طالما أن دوره يقوم على التعامل برفاهية الإستعارة، فليس مطلوب منه أن يخطط بل يعي، أو يبرهن بل يستفيد، أن لا يخطط للعامة من أقرنائه بل يتراحم ويتواد ويعطى الحقوق ويأخذ منها نصيبه، والتخطيط والبرهان هموما على عاتق المثقف دون سواه، ورؤية الإنسان العادي الحياتية هي في الأصل نظرية المثقف في فن التعايش، أو لابد أن تكون كذلك لأنه يملك التعبير وإمكانية ترتيب الأولويات وتحديد مكامن الأزمات وإيجاد الحلول، ليس تعاليا أو تكبر بل حقيقة وواقع، حيث يملك المثقف زمام وادوات الفلسفة المشتركة، تلك يجب أن تكون رواسخ و لمجتمع يريد الترابط من ثم النهوض، ألا تكون الصورة والمشهد مثقفا ينضح الماء المتسرب لبدن الوطن الطافي بالكاد والبقية يثقبون في البدن مهالك جديدة.
نواجه واقع مركب، الحقيقة وضدها حيث السياق الواحد، سياق المعيشة، كذلك تتعدد انواع المثقفين، ويتركب الواقع الثقافي، و عن سؤاله أنواع المثقفين الإرتكاسيين، أجاب عمار علي حسن ؛ نوع يتلاشى مع التيار وآخر يداهن وهذا يعجز للسن أو الخوف وأخير منغمس في البحث الأكاديمي، الأخير هذا يسميه عابد الجابري خبير ولا يعدده ضمن انواع المثقفين، مُصلحين أو إرتكاسيين، وهذا رأي المسيري كذلك إذ ينبذ الشكل الذي يمثله هذا الخبير من الثقافة، وكشكل يأخذ معنى مادي ومنفعة خاصة لرأس المال(الشركات الداعمة للجامعات والبحث العلمي) أو المسار السياسي(ما يخدم مصالح السياسيين)، وبشكل عام تذهب الباحثة في الشأن الثقافي نور حريري؛ أن الواقع العربي منفصل عن الثقافة إذ يُفقد الإهتمام بأسباب النهوض، وهذا الفقد متعمد لأن النظرة إلى الفلسفة نظرة عابثة مقارنة بلحظات النهوض مطلع القرن الثامن عشر الأوربي، وترى حريري أن هذا الإنفصال أثبت أن الفلسفة لابد أن تكون في مسار واحد مع الثقافة، إلا أن الثقافة في عالمنا العربي تخلت عن الفلسفة لصالح الإستهلاك فأصبح الكم من المطبوعات و الترجمات وما تدره من ارباح أهم عند المثقف من الكيف القيمي الإصلاحي الذي ينبأ برؤية وهدف. ذلك إلى جانب تدخل السلطة في تدوير الحياة الثقافية بما يخدمها عبر إنتاج أبواق لها يرى عمار على حسن أن هذه الصورة تصرعها كلمة الحقيقة. فتذهب السلطة إلى إستهداف المثقف نفسه في خوفه على نفسه والمحيطين به، إذ يراد للكلمة أن تُحبط والحقيقة أن تشير لفضاء خيالي يصعب على الإنسان العادي تصوره واقعا.
لماذا يراد للمثقف ان يولد ميتا؟، ولماذا الكلمة تمارس هذا القدر من الطعن في مآرب السياسة الإقصائية؟
يتطلع الشر لإجهاض ولادة الخير، إلا أن محبة الخير فطرية، تولد الخيرية من رحم المعاناة، ومعاناة المثقف أيما معاناة!. يرى غرامشي ان المثقف يموت عندما ينسلب في قضاياه الحياتية ولما يترك قضاياه التي تحمل الإصلاح. ويرى عمار علي حسن في أزمتة الأخيرة تتويج لمسيرته الفكرية الأدبية، حيث اختزل المشوار الطويل في ادعاءه ساخرا أن الدولة تريد تكديره (تقديره) على مجمل أعماله، وهو في الحقيقة تقدير بكل ما يحمل الوصف من معنى، بل تقدير بمستوى مرتبة الشرف.
مرتبة الشرف للمثقف أن تكون كلمته بإحداث، وفي واقعنا، واقع البطش والتسلط يكون إحداث الضرر برواية السلطة منتهى السعي الثقافي حتى يتغلب السن واليأس والملل أو الخوف على المثقف، وهذه الوضعية كحرب إستنزاف بين الطرفين حتى يسقط إحداهما رهقا، لكن معركة المثقف مذدوجة يجابه خلالها نفسه أولا ثم يوجه قواه نحو الآخر.
لم يرى طرابيشى في الغرب سلطة إستعمارية ولم يتخيل أن السعي نحو الإقتداء به سعي محدق بالمخاطر، ففي رؤيته كانت الثقافة الخاصة العربية الإسلامية جامدة يرى فيها سلطة مستوحشة مقابل سيولة أداء ومقبولية للثقافة الجاهزة المستوردة من الغرب، كذا يطابقه حسن حنفي في بعض المواضع، وآخرون كثر كالعروي، إلا أن المسيري خلال أطروحته العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة أطبق الفم المتحدث عن الفارق الهائل في الثقافة لصالح الغرب، وقيد المتباكين على قصور النظرات وتقيدها بالثقافة الخاصة، وأطلق العنان لمشروع محمد عمارة، ذلك لمن يريد أن يبحث إذ أن أطروحة كاملة من بحث وجهد لسنوات للمسيري فسرت الخصوصية التي تبناها عمارة للثقافة الإسلامية وشرح بتروي وجهات نظر التيار المقابل عبر رؤيته عن امكانية إستيعاب الحضارة الغربية في حضارتنا الشرقية دون أن يكون القصد دمج تام أو تشبه كامل.
الكلمة هي هوية المثقف، هي الكشف الكامل عن الواقع الذي يراه، و أزمته هي تأثير للكلمة في قوالب جامدة، أن يكشف عن فلسفته في الوقت الذي يحتاج لها الواقع حتى يكون بمعنى، لا مجرد مواجهة، فحين واجه ادوارد سعيد امبريالية السياسة الأمريكية لم يكن مأذره فقط خلفيته العربية، ليكن الأمر هو فقط صراع حضاري، بل واجه الإمبريالية بأدواتها التي تتعلل بالموضوعية والرؤية المنطقية، وضح سعيد أن السياسة تمارس سفسطئة ينتجها الوجه الثقافي الأكاديمي في الولايات المتحدة وطعن في الثقة التي يتبناها واقع الإستشراق المزيف مابين الجمهور وسياسيه، وهي طعنه كذلك في رؤية العروي و طرابيشي وسواهم، فبرؤية معاكسة يظهر للبيان أن القوالب التي قيل عنها جامدة وضح أنها تنازع للتحرر من قوالب بدت متحركة للأمام ثم اتضح انها تفرض رؤية نهائية للتاريخ بفرضية حتمية لنهاية السعي الثقافي البشري بشكل عام.
يقول المسيري أن الشاب عندما يدعي الثقافة لابد له أن يشجعه طالما أنه مازال يخطو الخطوات الأولى، شرط ألا يقيد بسلطة فكرية أو سلطان سياسي وألا يعيقه شيء خلال بحثه. وهكذا يواجه المثقف أزمته أن يتحرر أولا من قيوده النفسية ويواجه الواقع بما يحويه من جهالة وخداع برؤية وفلسفة قوية سواء كانت تعود له أو ينتمي إليها.






