حنين حبرٍ لقلمٍ ريشتُه بحجم 0.3 مم..محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

إهداء:- إلى سي محمد جناتي من مدينة فاس: منحتني ثقتك رغم أننا لا نعرف بعضنا. لم ترَ عيناي وجهك يوماً ولم تر عيناك وجهي يوماً. لم تسمع عني ولم أسمع عنك. لكن قلبي لمس نبلك!
عندما تجتاحني حمى الكتابة، أُحلّق كهدهد يراقص الحروف على شاشة لوحتي الإلكترونية. متعةٌ أخاذة. بساطٌ من إلهام يحملني. لكن عينيّ أرهقتهما الشاشة المضيئة. فكرتُ في خطة: أكتب على الورق أولاً. أراجع نصوصي. ثم أرقنها بعد الاقتناع بها. هكذا أقلّص وقتي أمام الشاشة. بدأتُ. أمسكتُ قلم رصاص. لكن يدي لم تعد كعهدي بها! كانت ساحرة الحروف من قبل. الآن ترسم خطوطًا مهتزة، متنافرة، وغريبة عني وعن القلم. سبع سنوات على الشاشة سرقت مهارتي الخطية. تلك التي نسجتها بحب. عبر سنين طويلة. غضبتُ. وبّختُ نفسي. كيف ضاعت لغتي البصرية؟ رقصاتي الحرة مع القلم؟ و كيف حدث هذا في غفلةٍ مني؟
استعدت طفولتي في المدرسة، أيام سلسلة «إقرأ» لأحمد بوكماخ: المحبرة والريشة رفيقاي. حصص الخط والإملاء، موعد أسبوعي أنتظره بشغف. أرسم الحروف بعناية، أتبع توجيهات المدرس. فزرعت بذرة عشق للخط في قلبي.
في شبابي، صادفت ديوان نزار قباني. قصائده بخطه الشرقي، لوحة شعر وفن. سحرني. قلّدت حروفه، رسمتها كأنفاسي. منحت خطي لمستي الشخصية، كمرآة تعكس ملامحي.
لم أدرك سحر خطي حتى رآه أستاذي في مادة التاريخ بقسم الباكلوريا. يملي الدرس، ينظر إلى يدي خلسة وهي ترسم الكلمات. يقف مأخوذًا، وفي يوم همس لي:
«خطك يامحمد لوحة فنية، لم أرَ مثلها في مسيرتي المهنية الطويلة».
كانت كلماته صوتاً فرسمتها خطاً كوسام على صدري.
تذكرت معاناتي مع تلامذتي حين صار المنهاج يعتمد الكراسات و يقلل الكتابة. فسميتهم «أجيال صل بخط» و«ضع علامة (x)» و «اكمل النص بكلمة مناسبة». ولأواجه هذا المشكل لديهم مارست الخداع على المنهاج: كنا نقرأ النصوص، نناقش، نحلل، أدوّن على السبورة، أطلب منهم كتابة الحصيلة على الدفاتر. ثم أطوف بينهم، أنصح، أوضح، أرشد لتحسين خطوطهم.
قالت لي اللوحة:
«شمتك؟»
أجبتها:
«عرفتك».
تركتها تنتظر. خرجت إلى مركز المدينة. لأشتري أوراقًا وقلم حبر يناسب يدي وترتاح له نفسيتي. أقف أمام محل لبيع المعدات المكتبية فأجده قد تحول إلى مقهى! أتجه نحو آخر فأجد الأمر نفسه. ثلاث محلات عثرت عليها بالكاد. وجدت الأوراق لدى واحد ولم أجد المداد. وجدت المداد لدى آخر ولم أجد القلم. سألت الثالث عن القلم وأنا أقدم له وصفا لريشته وسنها بحجم (0 .3) مم، لكنه لم يفهم عما أتحدث. احتقن وجهي بحمرة القلق، فرحت إلى نهر سبو أشكو له ما فعله الطمس الإسمنتي بمدينتنا. ولما صفا مزاجي وهدأ قلقي وأنا عند استدارة مجرى الماء متجها صوب المصب، فكرت في السفر إلى العاصمة. فلربما أجد هناك قلمي. ولأقوي هذا الاحتمال استحضرت ما قرأته عن تحليل الخط (Graphology) فتذكرت:
« ألم أقرأ بأن «توقيع» أصحاب السلطة هو في الأغلب الأعم كبير الحجم، خطوطه قوية ثابتة، واضح، مقروء، يميل للأعلى، يتوسط الصفحة، له زخرفة معتدلة، خط أفقي تحته، يركز على الاسم الشخصي، مكتوب بسلاسة وسرعة، و بقلم رفيع بريشة ( 5. 0) مم، دقيق، يصب المداد بسخاء، و يعكس شخصية مهيمنة بثبات؟!»
ثم تساءلت لأقنع نفسي بقوة احتمال أن أجد قلمي هناك:
« أوليست العاصمة هي فضاء لكل بنايات السلط الإدارية في البلد؟»
ثم أضفت:
« هناك طلبٌ نشطٌ لأقلام التوقيع، لذلك سيكون عرضها في السوق نشطاً من دون شك.»
عدت إلى منزلي عازماً على السفر إلى العاصمة في اليوم الموالي. لكنني وجدت بالصدفة إشهارًا لقلم حبر في صفحة من صفحات التواصل، تصميمه كأنه دعوة للكتابة، أنيق ومغري. أعجبني ففكرت في التواصل مع صاحب المحل. كتبت له على الفور، معبرًا عن رغبتي في اقتنائه. والبائع من ساكنة مدينة المدن العريقة: فاس. أخبرني أنه لا يبيع عبر الإنترنت، وأنا بدوري لا أثق بهذا النمط من الشراء إلا إذا كان الأداء بعد التسليم.
كان حوارنا كأننا نسجنا حكاية صغيرة حول هذا القلم. اهتدينا أخيرًا إلى حل: إرساله عبر شركة نقل الطرود. فطلب عنوان سكني. كتبته له على الميسنجر. لكنه فاجأني حين لم يشترط الأداء مسبقًا، بل منحني ثقته الكاملة. أدهشني ذلك.
تساءلت:
«كيف يثق بي، وأنا غريب عنه، في زمن صارت فيه الثقة استثناءً والحذر قاعدة؟»
شعرت أن هذا القلم ليس مجرد أداة، بل صار رمزاً للتواصل البشري الذي لا يزال يحمل شيئًا من النبل.
ذهب الرجل كما أخبرني إلى فرع شركة لتحويل النقود ونقل الطرود، حاملاً علبة القلم.
قالت له الموظفة بنبرة رسمية:
«لا يمكن إرسال الطرد إلا إذا كان وزنه يفوق الكيلوغرام الواحد.»
استغرب وسألها:
«وماذا أفعل إن كان في العلبة قلم وزنه بضعة غرامات؟»
أجابته:
«أضف إلى علبة القلم كيلوغرامًا من الملح.»
تحول استغرابه إلى ضحك، فقال مازحًا:
«وأي نوع من الملح؟ الحجري أم المطحون؟»
ضحكتُ وأنا أتساءل باستغراب:
«كيف تطرح الموظفة ضابطاً للإرسال وشرطَه، وتقترح في الآن نفسه كيفية التحايل عليه؟!»
راح نحو مصلحة البريد، حيث أنجز المهمة بسلاسة، ثم أخبرني بذلك برسالة قصيرة تحمل نكهة الإخلاص:
«القلم في طريقه إليك يامحمد.»
سألته بمكالمة:
لمَ وثقت بي والزمن زمن حذر؟
أجابني بنبرة هادئة تحمل الكثير من الحكمة:
«أنا هكذا، وأفضل أن أكون هكذا. جلت في سبعة بلدان أجنبية، خالطت أناسًا من جنسيات وطباع وقيم مختلفة. تعرضت لخيانة الثقة من طرف الكثير. وعلى الرغم من ذلك، قررت أن أعيش بناءً على ما يقودني إليه قلبي. أفضل أن أكون شمعة في وسط الظلمة.»
كلماته استقرت في قلبي كضوء خافت ينير زاوية مظلمة. شكرته بحرارة، ثم أخبرته أنني سأكتب قصة عما حصل بيننا، لأخلّد هذه التجربة التي بدأت بقلم وصارت شعاع ثقة في زمن صارت فيه الخدائع قاعدة يتنافس على توسيعها واقعنا المرجعي الحي والواقع الأثيري الرقمي. فطلب مني إن كتبت القصة أن أرسلها له قبل نشرها، ليكون أول قارئ لها. وعدته بذلك، وشعرت أن هذا الوعد يضيف إلى القصة طبقة أخرى من المعنى:- من الثقة إلى الوعد!
في الغد، وصلني القلم عبر موظف بمصلحة البريد. كنت أشرب قهوتي الصباحية، أدخن سيجارتي الأولى، حين رنّ هاتفي. كان الموظف يحدد موقعي. ما إن أنهى المكالمة حتى وقف بسيارة العمل أمامي. تحقق من هويتي عبر بطاقتي الوطنية، ثم سلم لي الأمانة. أمسكت القلم، وشعرت أنني صرت مؤتمنًا، ليس فقط على القلم، بل على وعد كتابة القصة أيضاً. اخترت لها عنوانًا يحمل نبض هذه التجربة:
«حنينُ حبرٍ لقلمٍ ريشتُه بحجم 0.3 مم»
لم تكن ريشة القلم بهذا الحجم. وتلك مشكلة خاصة بي سأجد لها حلا في العاصمة من بعد. لذلك رحلت مسرعًا إلى مكتب التحويلات النقدية، لأرسل لصاحبي ثمن القلم، كأنني أكمل طقسًا بدأ بثقته ويجب أن ينتهي بوفائي.





