السيدة هلاري – أمين الساطي

في نهاية كل ليلة، كنت أتخذ القرار نفسه: سأحذف حسابي على الفيسبوك نهائياً. فبعد ساعات طويلة من التحديق في الشاشة الزرقاء، كان الألم في كتفي يتحول إلى وخز لا يطاق. لكنني، ومع أول خيط من نور الصباح، كنت أجد أصابعي تتحرك تلقائياً نحو الهاتف. فماذا عساه أن يفعل طبيب أسنان متقاعد، يعيش وحيداً في بيته بدمشق، بعد أن خطف الموت زوجته قبل خمس سنوات .
أعيش اليوم على راتب تقاعدي متواضع يسد الرمق بالكاد. حاولت ابنتي مراراً أن تنقل حياتها وحياة زوجها وأطفالها الثلاثة إلى بيتي بحجة رعايتي، لكنني قاومت الفكرة بضراوة؛ كنت أخشى أن أفقد آخر حصن أملكه: حريتي .
ذات مساء، استوقفتني صورة امرأة في الخمسينيات من عمرها. كانت سمراء، أنيقة، تشع من عينيها جاذبية دافئة مألوفة، كأنني ألمح فيها وجهاً سينمائياً قديماً. دفعتني الحشرية لإرسال طلب صداقة، وما هي إلا دقائق حتى جاء القبول.أردت أن أظهر بمظهر الرجل المثقف واللبق، فأرسلت لها كلمة “مرسي” بالفرنسية. جاءني ردها سريعاً بالإنجليزية. استعنت بمترجم “جوجل” لأفهم أن اسمها السيدة “هيلاري”، وأنها معجبة بكتاباتي ونشاطي على الصفحة.في ذلك الوقت، كنت قد صممت لنفسي بروفايلاً براقاً؛ إذ قدمت نفسي بصفتي “طبيب أسنان وباحثاً في أمراض المناعة، وكنت أواظب على نسخ نصائح طبية معقدة ونشرها لأبدو علامة في مجالي. لذا، بدا لي اهتمامها أمراً طبيعياً يستحقه طبيب ومفكر بمستواي.
توطدت علاقتنا سريعاً عبر الرسائل. كانت تكتب لي أحياناً بعبارات عربية مفككة ومترجمة آلياً، وأرد عليها بإنجليزية لا تقل عنها تكسيراً وركاكة. أخبرتني أنها أرملة ضابط أمريكي قُتل في العراق، وأنها تعمل حالياً كمدرسة في إحدى المدارس الدولية بدمشق، وتعيش بمفردها تماماً.
بدأت الأوهام تنسج خيوطها حول قلبي المنهك. تخيلت نفسي عريساً من جديد، وحلمت ببدء حياة رغيدة تعوضني ضيق ذات اليد، ملوحة براتب بالدولار يغير مجرى سنيني المتبقية.حين سألتني ذات يوم عن تفاصيل حياتي ويومي، تملّكني الخجل من واقعي، فادعيت أنني أقتني سيارة “أودي” سوداء فاخرة. وفي اليوم التالي، لم أضيع فرصة زيارة زوج شقيقتي ليلى . تسللت إلى الشارع، والتقطت لنفسي صورة بجانب سيارته الفارهة وأرسلتها إليها متباهياً.
تطورت أحاديثنا وتعمقت العواطف، حتى جمعت شجاعتي ودعوتها إلى العشاء في فندق “الشيراتون”، ناصباً هذا اللقاء فرصة لطلب يدها للزواج. وافقت بعد تردد قصير، فخفق قلبي طرباً.في الموعد المحدد، كنت أجلس في ردهة الفندق بكامل أناقتي وعطري، وعيناي معلقتان بالباب. مرت نصف ساعة ثقيلة والكرسي المقابل لي فارغ، حتى اهتز هاتفي معلناً وصول رسالة نصية.كانت هيلاري تعتذر قائلة:— “أنا في غاية الأسف، لن أتمكن من القدوم. لقد استدعوني فجأة لاجتماع طارئ مع إدارة المدرسة .
أغلقت الهاتف وغصة مريرة تخنق حنجرتي. تملكني الشك والوجل وتساءلت: أي مدرسة تلك التي تعقد اجتماعاتها في التاسعة ليلاً .
بعد تلك الليلة، انفرط عقد الحكاية؛ بدأت أعذارها تتلاحق وتتكرر، حتى استيقظت ذات يوم لأجد حسابها قد حُذف تماماً واختفت صفحتها كأنها لم تكن.مدفوعاً بمزيج من القلق والفضول والصدمة، قمت برفع صورتها الشخصية على أحد مواقع البحث عن الصور. كانت النتيجة صفعة أيقظتني من الحلم: الصورة لم تكن لمدرسة مغتربة، بل كانت للممثلة الأمريكية الشهيرة هالي بيري. لم تكن “السيدة هيلاري” سوى قناع رقمي، شخصية وهمية صنعها محتال عابر في فضاء الإنترنت.
تسمّرت في مقعدي صامتاً، والضوء الأزرق للشاشة ينعكس على تجاعيد وجهي المنكسر.فتحت صفحتي الشخصية ونظرت إليها بعينين أول مرة تريان الحقيقة. تأملت صورتي المتفشخرة بجانب السيارة التي لا أملكها، ولقب “الباحث في المناعة” الذي سرقته لزوم الوجاهة الزائفة.ابتسمت بمرارة وسخرية من نفسي. أدركت أخيراً أن السيدة هيلاري لم تكن المخادعة الوحيدة؛ لقد كنا شريكين في نسج خيوط الوهم والهرب من واقعنا خلف أقنعة مستعارة.
أغلقت الحاسوب، وتمددت على سريري البارد في عتمة غرفتي المستوحشة. لكن ألم كتفي في تلك الليلة.. كان أشد وأعمق من أي وقت مضى .





