منزلة الحب والكيد من خلال رواية جهاد المحبين لجرجي زيدان – هشام أيت القائد -المغر ب

تقع رواية جهاد المحبين لجرجي زيدان، الصادرة عن دار المغرب، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى (2020)، في 137 صفحة، وهي رواية أدبية، كتبت بأسلوب سهل سلسل، وتصوير دقيق للأحداث التي تدور عليها الرواية كأنها رؤية عين، وهي رواية تتضمن سمات المحبين الصادقين، والأصدقاء الأوفياء ونتيجتها، وفي المقابل نتيجة الكيد وبث سموم الكراهية، وتشتيت الشمل، وتقطيع الوصل والرحم، وذلك من خلال تشخيص هذه المعاني السامية، في شخصيات رمزية.
- في غلبة الحب والخير الأسمى.
فكانت فيه الغلبة في المرة الأولى للحب، الذي زرع البسمة في وجوه المحبين، وأطرب قلوبهم، وأسكن نفوسهم، قبل أن تدخل اليد الخفية الماكرة، يد الكيد والحقد، لتعكر صفو هذا الماء العذب الزلال، وتزعزع أركان هذه العلاقة المتينة، بوشاية يبدو من ظاهرها أنها الحق كل الحق ولا مراء فيه، ليقاوم المحب بكل قواه، هذه الموجات من الوشايات التي يتوصل بها من حين إلى حين، لكن في الأخير كان للقلب رأي آخر، فانتصر على العقل وأعماه، وأسدل الستار عليه، فسلم نفسه إلى شكوكه، وانهزم أمامه، واتبع خطواته، ولم يترك له مجالا لأن يميز بين الصدق والكذب، وبين الحقيقة والوهم، فاختلطت الأمور واشتبكت، فأصبحت عين المحب تقتنص كل الهنات، ويؤول كل تصرف تصدر من محبوبته وصديقه المقرب الحميم، فكانت العوامل التي يراها أمامه تؤيد شكوكه، وتثبت ادعاءات وافتراءات الواشي، التي همس بها في أذنيه، وتتشكل له كل الصور على الشكل والهيئة التي رسمت في مخيلته، وطبعت على قلبه منذ أن نفخ فيه الشيطان الذي على صورة إنسان، فتناسى الماضي الجميل، والحب والدفء الذي يحظى به من أحبائه، لا يرى إلا الصورة التي نجح في رسمها في ذهنه، وزرعها في قلبه، الخداع الماكر، (أنهم خونة) وطمس كل الذكريات، وما يربطه بأقربائه، وجعله في صراع دائم بين قلبه وعقله، وأشغل ليله بنهاره، ونهاره بليله، وأضرم نار الشك فيه، التي ما أتت على شيء إلا وأحرقته وجعلته غثاء أحوى، فاكتوى بها بدون أن يصرح إلى من كان السبب في نظره في الخذلان، ورميه في هذه النيران، أضمر ما أضمر، واختفت ابتسامته ولطافته وطلاقة وجهه، أصبح مهموما مأسورا في داخله، مسجونا في قفص الحيرة، لا يدري أي رجل يقدم ولا أيهما يؤخر، مما جعل محبيه يلاحظون تصرفاته الغريبة، ونظراته المملوءة بالضجر والتبرم، ووجهه الشحوب، كلما سئل عن السبب تعلل بكثرة الأشغال، وأحيانا بالتعب والمرض، لكن ذلك كله غير مقنع بالنسبة لهم، فشربوا أيضا من نفس الكأس، إلا أنهم لم يشربوها إلى حد الثمالة كما فعل هو، فتضاربت الشكوك فيما بينهم، فاتسع الخرق على الراقع
- الصداقة الحقة بوصفها حل.
ليأتي دور الصديق الصادق، الذي يعرف معنى الصداقة وتشربها، ليبدد تلك الغيمة، وينتشل ذلك الغارق في وحل الشك، ويزيح عن عينه كتلة الضباب التي حجبت عنه الحقيقة، فبدأ يبحث عن العلة وعن مكن الداء، وعن حقيقة الأشياء، التي تسببت في دمار الشمل، وتمزيق حبل الوصل، فسعى جاهدا أن يواصله من جديد، جاهلا ما يضمر صديقه الجريح تجاهه، ونظراته إليه، وشكوكه فيه، وهو طريح الفراش، فكان سعيه مشكورا، فتدخلت يد القدر، لتفضح المكنون، وتكشف عن السر المصون، وترد الكيد في نحر الكائدين، وتعري عن الحقيقة، وتنزع لباس الباطل عن الحق، وتبصر الأعمى وترشده إلى الصواب، إنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، فشلت يد الحقد والكيد، وخاب مسعى الشامتين، فغرقوا في دمائهم، ونحروا بسيف الهم والغم، وقطعت الخيبة رقابهم، وكان النصر والتمكين للمحبين، فاجتمعوا بعد فرقة، فتصالحوا وتسامحوا، فعادت المسرة والفرح، ورحل عنهم الحزن والترح، فعوضوا ما فاتهم في الأيام الخالية، فنجحت الجهود المبذولة في لم الشمل وجمعه، فظهر الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا، وردت إلى الأعداء والكائدين كل السهام الطائشة التي رموها، فأصابت مقتلهم وأردتهم، فطرحتهم صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقية…. والحق يعلى ولا يعلى عليه.
المصدر المعتمد :
- لجرجي، زيدان. رواية جهاد المحبين. ط1. بيروت – لبنان: دار المغرب، 2020.





