التوظیف الواعي للغة في روایة الیافعین – د. سيد علي مفتخرزادة


” البحث عن نبات الرعد ” لعبدالله جدعان
تتيح اللغة للإنسان الكشف عن الأنماط السلوكية المتشابهة عبر الأجيال. ويعد الفيلسوف “أوستن” – أستاذ فلسفة الأخلاق في جامعة أوكسفورد – من الرواد الأوائل الذين أسهموا في صياغة نظرية “الفعل الكلامي”، حيث رأى أن تبادل المعرفة يتم عبر هياكل الخطاب وأطره الصياغية، معتبرا القول فعلا كلاميا يصدر عن المتكلم.ثم جاء “سيرل” ليطور نظرية أوستن، مؤكدا على أن نظام الفعل الكلامي يقوم على أساس جملـي منتظم يحمل دلالة ومرجعية، دون الاقتصار على المستوى الصوتي والمفرداتي. وقد قاد هذا التصور إلى نظرة أعمق لنسيج الجملة، مما حدا ببعض الباحثين إلى اعتبار تشكل بنية الفعل الكلامي نتاجا لتفاعله مع البعد القصدي وجوهر العملية الانتاجية .وفیما یلي محاولة متواضعه مني لکشف اللثام عن بعض البنى الکلامیة في روایة “البحث عن نبات الرعد ” للروائي العراقي عبدالله جدعان التی تخاطب الیافعین . يضعنا السرد الوصفي منذ بدء الرواية على أرض جزيرة تسمى ” الياسمين ” يحكمها ملك عادل وتتربع على عرش أنوثة القصر الملكة ” شاه زنان ” ومعهما اميرهما اليافع ” بسام” . الشخصية المحورية -بسام- اثر موت الملكة يدخل في نوبة كآبة ويكابد كربا تشله عاطفيا وكلاميا وتخفق الاطباء في البحث عن دواء يداويه حتى تطل على مسرح الاحداث فتاة تحمل عبق البادية وصفاءها وبيدها الرقيقتين آلة الرباب وسحر الانغام والالحان فيصحو “بسام” من سبات الصمت على أنغام “نسرين” ورقة كلامها التي تمزجها بشيء من مسحة فلسفية بسيطة فكان أن عاد الامير الى الواقع ثم يعرج السرد الى رحلة تقطع الشخصيتان بسام ونسرين فيها البراري والادغال بحثا عن نبات اسطوري يسمى (الرعد) يداوي الحزن. البحث يحقق المنشود وهو تبديد الكآبة ونسرين تنال عنوان مستشارة الملك عرفانا لحكمتها ونقاء روحها . إن المتأمل للبنية العميقة لهذه الرواية سيكشف عما يخبئه النص من عمق فلسفي حول اللغة والموسيقي والكلام ودورها في حياة الانسان وذاك مع الاخذ بعين الاعتبار قدرات المرحلة العمرية الموجهة اليها بحيث يأتي الحديث والتحاور والاصغاء معادلا للتحول النفسي والوجداني في الحبكة القصصية وما يبرهن على ذلك هو هذا الصمت ( ولا اقصد هنا ما يلوكه اللسان فحسب) الذي يخيم على فضاء النص وشخوصه اثر موت الملكة _الأم_ ليشكل هذا الحدث ثالوثا من الصمت: غياب صوت الأم _صمت الابن _واخفاق الوالد ( الملك) في خلق افعال كلامية فاعلة مع بسام. هذا الثالوث حمل السرد الى وصف خارجي ( في هذه المرحلة من تكوين الحبكة ) يكشف عن هذا الفراغ العاطفي وعقم التحاور بين الشخصيات. في ضوء نظرية أفعال الكلام، كما صاغها جون سيرل، “لا يُعَدُّ الكلام مجرد وسيلة لتمثيل الواقع، بل فعلا يُنتج أثرا في العالم”. ولكن شخصية الملك يخاطب ابنه الامير بافعال كلامية تقريرية اعلامية لاتجدي في خلق التواصل الا أن حضور “نسرين ” بآلة الربابة وحديثها تخلق خطابا آخر وبما أنها مازالت تتنفس نقاوة البادية والايقاعات راحت تردد على مسامع السلطة( الملك) سحر الكلمات والالحان وهو ما يعد فعلا كلاميا يغير نظام المعنى في القصر حيث يواجه السلطة ( لا اقصد المعنی السلبي) وخطابها التقريري الاعلامي وان کان صادرا عن عطف الابوة کما یری سيرل” أن الفعل الکلامي لا يُقاس بالنية العاطفية الصادقة فحسب، بل بالعلاقة التواصلية التي يخلقها القول”.
فالملك حزين ومخلص، لكن فعله الكلاميّ لا يحقّق الاتصال المباشر الذي يُحدث الأثر النفسيّ في الامیر .
لهذا يفشل قوله رغم صدقه بينما تنجح نسرين لأنّ كلامها يكسر البنية التقليدية للفعل الكلاميّ ويفتح مجالًا جديدًا وهو مجال المشارکة الانسانیة الوجدانیة ولغة تفاعلیة وجودیة. وهذا التغیر تکشفه الافعال الکلامیة لنسرين في حواراتها مع بسام التي اتسمت حسب سيرل ب”الفعل الكلامي الترغيبي” حيث لا تملي نسرين على بسام قولا بل تدعوه على أن يعبر عن مكنونات نفسه ويبوح ويشارك .في منتصف الرواية تأخذ البنية اللغوية منحى آخر بالافعال الكلامية وذلك من خلال الحوارات مع شخصيات فرعية كالعفريت الصغير وحارس الأبواب فعلى سبيل المثال وليس للحصر يتبدل موقف العفريت حين يقع على سمعه كلمة “الصداقة” لم يعهدها من قبل فتشرع نسرين في الكشف عن معانيها عبر الافعال الكلامية التفسيرية تولد الحقيقية عبر القول ذاته .وعندما يعود بسام ونسرين الى الجزيرة بعد ظفرهما بنبات الرعد ( الذي يعلن عنه النص بانه هي “الكلمة” وايضا انتبهوا الى دلالات الرعد وما يتبادر الى الذهن ) تستعيد اللغة بعد هذ الاتصال ( وبعد الانقطاع مع الخارج) وهذه الرحلة مكانتها وحيويتها من وجهة التداولية فالملك يصغي والابن يتكلم وتصبح نسرين جزءا من نسيج القصر وخطاباته فبهذا يتحقق شروط النجاح في الفعل الكلامي كما يعرّفها سيرل: “فالمتكلّم والمخاطَب يشتركان في أفقٍ واحدٍ من الفهم.” كما أن الافعال الكلامية في هذا النص تمكن من أن يمنح المتلقي_اليافعين_فرصة الكشف عن خبايا الشخصيات النفسية ومسار تطوراتها. كما ساعد هذا التوظيف الواعي من قبل الروائي حتى يبتعد عن المباشرة في بث رسائله وادت الافعال الكلامية الى نسج خيوط السرد والحبكة القصصية ورسم الشخوص الروائية الى جانب الوصف حتى انحلال عُقد الرواية وانجلاء المصائر .





