الإنسان المعاصر وسؤال الوجود والهوية يتحول: العلامات والدلالات- (مقاربة سميائية)- محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

2- الإنسان والاستهلاك: علامة تحرر الهوية القيمية من الضرورة الوظيفية، وارتهانها للتمثيل الرمزي في علاقة الإنسان بالاستهلاك:
(…)
إذا كانت «الهوية المكانية» للإنسان المعاصر، لم تختف، بل أعيد تشكيلها ضمن أفق جديد، حيث يغدو الانتماء نتيجة اتصال، لا مجرد موقع مع الانتقال إلى بعد سميناه ب «المكان الشبكي»- في المقالة السابقة- فماذا عن هذا الإنسان والاستهلاك؟
(…)
لم يعد الاستهلاك، في التجربة الإنسانية المعاصرة، مجرد تلبية للحاجات الأساسية ضمن معيار يربط الجودة بالديمومة لأطول زمن ممكن، بل تحول إلى ممارسة دينامية تحكمها السرعة والتجدد المستمر. ففي المجتمعات الزراعية، كان الاستهلاك محكومًا بمنطق الندرة والاعتدال، حيث تُصنع الأشياء لتدوم، ويُعاد إصلاحها واستعمالها، وكان الامتلاك مرتبطًا بالقيمة الوظيفية والاستمرارية. ومع دخول العصر الصناعي، بدأت ملامح التحول تظهر تدريجيًا، إذ أتاح الإنتاج الكمي وفرة نسبية، فصار الاستهلاك أوسع نطاقًا، لكنه ظل محتفظًا ببعد من الاستقرار، حيث كانت السلع تُنتج لتُستعمل لفترات طويلة، وظلت قيمة الديمومة حاضرة في الوعي الاقتصادي والاجتماعي، رغم طابع التنميط الذي طبع الإنتاج.
غير أن التحول الجذري تبلور مع تسارع الثورة التكنولوجية وصعود الاقتصاد الاستهلاكي، حيث انتقل الإنسان من منطق «الاستعمال الممتد» إلى منطق «التجديد المستمر»، ومن ثقافة الحفاظ إلى ثقافة الاستبدال. وهنا برز نموذج استهلاكي جديد يمكن تلخيصه في ثلاثية: (اشترِ – استعمل- تخلّص)، حيث لم تعد السلعة تُقيَّم بقدرتها على الاستمرار، بل بمدى حداثتها وقابليتها للاستبدال. وقد تعزز هذا التحول بفعل الابتكار التكنولوجي المتسارع، وتكثيف الإنتاج المتنوع بدل النمطي، وتطور استراتيجيات التسويق التي لم تعد تكتفي بتلبية الحاجات، بل تعمل على خلقها وتوجيهها.
وتتجلى علامات هذا التحول في قِصر دورة حياة المنتجات، حيث تصبح الكثير من السلع قديمة بسرعة، ليس بالضرورة بسبب تلفها، بل بسبب ظهور بدائل أحدث، أو بفعل منطق إنتاجي موجَّه يعيد إدماج المستهلك باستمرار داخل دورة الشراء. وهو ما يكشف عن انتقال عميق من اقتصاد يهدف إلى إطالة عمر الأشياء إلى اقتصاد يقوم على تسريع فنائها الرمزي أو الوظيفي المبرمج، بما يعزز التبعية المستمرة للسوق ويحول الاستهلاك إلى عملية لا تنتهي.
وباختصار، فإن برمجة دورة حياة السلع تمثل ذروة التحول من ثقافة الديمومة إلى ثقافة الاستبدال، حيث لم تعد نهاية الشيء مرتبطة بنفاد صلاحيته، بل بقرار ضمني داخل بنية الإنتاج نفسها. كما أن الإشهار والمنصات الرقمية أسهما في تكريس هذا المنطق، من خلال تحفيز الرغبة وتسريع وتيرة الاستهلاك.
وتحمل هذه التحولات دلالات عميقة؛ إذ تشير إلى انتقال الاستهلاك من وظيفة إشباع الحاجة إلى وظيفة إشباع الرغبة، ومن اقتصاد الندرة إلى اقتصاد الوفرة المتسارعة، ومن التنميط إلى التنوع. كما تعكس تحول قيمة الأشياء من ديمومتها إلى راهنيتها، ومن نفعيتها إلى رمزيتها، حيث أصبحت السلع تؤدي دورًا في التعبير عن الهوية والانتماء الاجتماعي. وإلى جانب ذلك، يكشف هذا التحول عن علاقة جديدة بين الإنسان والزمن، حيث لم يعد الاستهلاك مرتبطًا بالاستمرار، بل بالإيقاع السريع للتجديد، مما يعمق من منطق التسارع في الحياة اليومية.
في هذا الإطار، لم يعد الاقتصاد المعاصر يقتصر على الاستجابة لحاجيات قائمة، بل تجاوز ذلك إلى مستوى أعمق يتمثل في إنتاج الرغبة ذاتها وتجديدها باستمرار. فإذا كانت الحاجات في الأنماط التقليدية تُفهم بوصفها معطى سابقًا على الإنتاج، فإن ما يحدث اليوم هو العكس تقريبًا: إذ يصبح الإنتاج هو الذي يسبق، ثم يعمل على استدعاء الحاجة وتوسيعها، بل وخلقها.
ويتجلى ذلك في كون السلع لم تعد تُقدَّم باعتبارها وسائل لإشباع نقص وظيفي، بل بوصفها حوامل لمعانٍ ورموز وصور مرغوبة، حيث يُعاد تشكيل وعي المستهلك عبر الإشهار والمنصات الرقمية ليشعر بأن ما لم يكن ضروريًا بالأمس أصبح اليوم حاجة ملحّة. وهنا لا تُصنع الرغبة مرة واحدة، بل تُجدَّد بشكل دائم عبر إدخال تحسينات شكلية أو وظيفية طفيفة، أو عبر ربط السلعة بقيم الحداثة والتميز والانتماء، مما يدفع الفرد إلى السعي المستمر نحو «الجديد»، لا لأنه يحتاجه بالمعنى التقليدي، بل لأنه يرغب فيه ضمن أفق اجتماعي وثقافي معاد تشكيله.
وبما أن الاستهلاك اليوم ينتقل من تلبية الحاجات إلى إنتاجها، ومن إشباع الرغبة إلى إعادة توليدها، فإن المستهلك صار جزءًا من دورة لا نهائية تُعاد فيها صياغة رغباته باستمرار. وبذلك ينتقل الاقتصاد من منطق «تلبية الطلب» إلى منطق «صناعة الطلب»، حيث لا يكون الهدف إشباع الحاجات بقدر ما يكون توسيعها وتجديدها، بما يضمن استمرارية الاستهلاك وتسارع وتيرته.
وباختصار، يعكس هذا التحول انتقال الإنسان من ثقافة استهلاكية قائمة على الديمومة والحفاظ إلى ثقافة قائمة على السرعة والتجديد، حيث لم تعد الأشياء تُمتلك لتدوم، بل لتُستبدل، وأصبح الاستهلاك محكومًا بمنطق «الاستعمال والتخلّص»، في إطار اقتصاد لا ينتج استجابة لحاجيات الإنسان فحسب، بل يعمل أيضًا على تطوير هذه الحاجات وتوسيعها وتجديدها باستمرار.
استخلاص:- الاستهلاك كأفق جديد للهوية:
يُظهر هذا المسار أن الاستهلاك لم يعد مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبح بنية رمزية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. فهو من جهة يعكس تحرر الهوية القيمية من الضرورة الوظيفية، حيث لم تعد قيمة الأشياء تُختزل في نفعها، بل في ما تحمله من دلالات. لكنه من جهة أخرى يكشف عن شكل جديد من الارتهان، إذ تصبح الهوية نفسها خاضعة لمنطق التمثيل الرمزي الذي تصوغه السلع. وهكذا، يتحول الإنسان من مستهلك للأشياء إلى مستهلك للمعاني، داخل نظام لا ينفك يعيد إنتاج الرغبة ويجددها دون نهاية. بهذا، تتضح ازدوجية التحول: تحرر من هوية تلبية الحاجة وارتهانها الجديد لنسق صناعة الحاجة المستمر.
2- الإنسان والاستهلاك:
(علامة تحرر الهوية القيمية من الضرورة الوظيفية، وارتهانها للتمثيل الرمزي في علاقة الإنسان بالاستهلاك):
(…)
إذا كانت «الهوية المكانية» للإنسان المعاصر، لم تختف، بل أعيد تشكيلها ضمن أفق جديد، حيث يغدو الانتماء نتيجة اتصال، لا مجرد موقع مع الانتقال إلى بعد سميناه ب «المكان الشبكي»- في المقالة السابقة- فماذا عن هذا الإنسان والاستهلاك؟
(…)
لم يعد الاستهلاك، في التجربة الإنسانية المعاصرة، مجرد تلبية للحاجات الأساسية ضمن معيار يربط الجودة بالديمومة لأطول زمن ممكن، بل تحول إلى ممارسة دينامية تحكمها السرعة والتجدد المستمر. ففي المجتمعات الزراعية، كان الاستهلاك محكومًا بمنطق الندرة والاعتدال، حيث تُصنع الأشياء لتدوم، ويُعاد إصلاحها واستعمالها، وكان الامتلاك مرتبطًا بالقيمة الوظيفية والاستمرارية. ومع دخول العصر الصناعي، بدأت ملامح التحول تظهر تدريجيًا، إذ أتاح الإنتاج الكمي وفرة نسبية، فصار الاستهلاك أوسع نطاقًا، لكنه ظل محتفظًا ببعد من الاستقرار، حيث كانت السلع تُنتج لتُستعمل لفترات طويلة، وظلت قيمة الديمومة حاضرة في الوعي الاقتصادي والاجتماعي، رغم طابع التنميط الذي طبع الإنتاج.
غير أن التحول الجذري تبلور مع تسارع الثورة التكنولوجية وصعود الاقتصاد الاستهلاكي، حيث انتقل الإنسان من منطق «الاستعمال الممتد» إلى منطق «التجديد المستمر»، ومن ثقافة الحفاظ إلى ثقافة الاستبدال. وهنا برز نموذج استهلاكي جديد يمكن تلخيصه في ثلاثية: (اشترِ – استعمل- تخلّص)، حيث لم تعد السلعة تُقيَّم بقدرتها على الاستمرار، بل بمدى حداثتها وقابليتها للاستبدال. وقد تعزز هذا التحول بفعل الابتكار التكنولوجي المتسارع، وتكثيف الإنتاج المتنوع بدل النمطي، وتطور استراتيجيات التسويق التي لم تعد تكتفي بتلبية الحاجات، بل تعمل على خلقها وتوجيهها.
وتتجلى علامات هذا التحول في قِصر دورة حياة المنتجات، حيث تصبح الكثير من السلع قديمة بسرعة، ليس بالضرورة بسبب تلفها، بل بسبب ظهور بدائل أحدث، أو بفعل منطق إنتاجي موجَّه يعيد إدماج المستهلك باستمرار داخل دورة الشراء. وهو ما يكشف عن انتقال عميق من اقتصاد يهدف إلى إطالة عمر الأشياء إلى اقتصاد يقوم على تسريع فنائها الرمزي أو الوظيفي المبرمج، بما يعزز التبعية المستمرة للسوق ويحول الاستهلاك إلى عملية لا تنتهي.
وباختصار، فإن برمجة دورة حياة السلع تمثل ذروة التحول من ثقافة الديمومة إلى ثقافة الاستبدال، حيث لم تعد نهاية الشيء مرتبطة بنفاد صلاحيته، بل بقرار ضمني داخل بنية الإنتاج نفسها. كما أن الإشهار والمنصات الرقمية أسهما في تكريس هذا المنطق، من خلال تحفيز الرغبة وتسريع وتيرة الاستهلاك.
وتحمل هذه التحولات دلالات عميقة؛ إذ تشير إلى انتقال الاستهلاك من وظيفة إشباع الحاجة إلى وظيفة إشباع الرغبة، ومن اقتصاد الندرة إلى اقتصاد الوفرة المتسارعة، ومن التنميط إلى التنوع. كما تعكس تحول قيمة الأشياء من ديمومتها إلى راهنيتها، ومن نفعيتها إلى رمزيتها، حيث أصبحت السلع تؤدي دورًا في التعبير عن الهوية والانتماء الاجتماعي. وإلى جانب ذلك، يكشف هذا التحول عن علاقة جديدة بين الإنسان والزمن، حيث لم يعد الاستهلاك مرتبطًا بالاستمرار، بل بالإيقاع السريع للتجديد، مما يعمق من منطق التسارع في الحياة اليومية.
في هذا الإطار، لم يعد الاقتصاد المعاصر يقتصر على الاستجابة لحاجيات قائمة، بل تجاوز ذلك إلى مستوى أعمق يتمثل في إنتاج الرغبة ذاتها وتجديدها باستمرار. فإذا كانت الحاجات في الأنماط التقليدية تُفهم بوصفها معطى سابقًا على الإنتاج، فإن ما يحدث اليوم هو العكس تقريبًا: إذ يصبح الإنتاج هو الذي يسبق، ثم يعمل على استدعاء الحاجة وتوسيعها، بل وخلقها.
ويتجلى ذلك في كون السلع لم تعد تُقدَّم باعتبارها وسائل لإشباع نقص وظيفي، بل بوصفها حوامل لمعانٍ ورموز وصور مرغوبة، حيث يُعاد تشكيل وعي المستهلك عبر الإشهار والمنصات الرقمية ليشعر بأن ما لم يكن ضروريًا بالأمس أصبح اليوم حاجة ملحّة. وهنا لا تُصنع الرغبة مرة واحدة، بل تُجدَّد بشكل دائم عبر إدخال تحسينات شكلية أو وظيفية طفيفة، أو عبر ربط السلعة بقيم الحداثة والتميز والانتماء، مما يدفع الفرد إلى السعي المستمر نحو «الجديد»، لا لأنه يحتاجه بالمعنى التقليدي، بل لأنه يرغب فيه ضمن أفق اجتماعي وثقافي معاد تشكيله.
وبما أن الاستهلاك اليوم ينتقل من تلبية الحاجات إلى إنتاجها، ومن إشباع الرغبة إلى إعادة توليدها، فإن المستهلك صار جزءًا من دورة لا نهائية تُعاد فيها صياغة رغباته باستمرار. وبذلك ينتقل الاقتصاد من منطق «تلبية الطلب» إلى منطق «صناعة الطلب»، حيث لا يكون الهدف إشباع الحاجات بقدر ما يكون توسيعها وتجديدها، بما يضمن استمرارية الاستهلاك وتسارع وتيرته.
وباختصار، يعكس هذا التحول انتقال الإنسان من ثقافة استهلاكية قائمة على الديمومة والحفاظ إلى ثقافة قائمة على السرعة والتجديد، حيث لم تعد الأشياء تُمتلك لتدوم، بل لتُستبدل، وأصبح الاستهلاك محكومًا بمنطق «الاستعمال والتخلّص»، في إطار اقتصاد لا ينتج استجابة لحاجيات الإنسان فحسب، بل يعمل أيضًا على تطوير هذه الحاجات وتوسيعها وتجديدها باستمرار.
استخلاص:- الاستهلاك كأفق جديد للهوية:
يُظهر هذا المسار أن الاستهلاك لم يعد مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبح بنية رمزية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. فهو من جهة يعكس تحرر الهوية القيمية من الضرورة الوظيفية، حيث لم تعد قيمة الأشياء تُختزل في نفعها، بل في ما تحمله من دلالات. لكنه من جهة أخرى يكشف عن شكل جديد من الارتهان، إذ تصبح الهوية نفسها خاضعة لمنطق التمثيل الرمزي الذي تصوغه السلع. وهكذا، يتحول الإنسان من مستهلك للأشياء إلى مستهلك للمعاني، داخل نظام لا ينفك يعيد إنتاج الرغبة ويجددها دون نهاية. بهذا، تتضح ازدوجية التحول: تحرر من هوية تلبية الحاجة وارتهانها الجديد لنسق صناعة الحاجة المستمر.
(يتبع)





