قراءة نقدية بلغة متقدمة للنص المتوّج في مسابقة القصة القصيرة جداً النسخة الثالثة عشر 2019/9 للكاتبة العراقية/ دعاء عادل، بعنوان/ اقتصاص – بقلم الأستاذ الناقد/ المصطفى الصغوسي-المغرب

متن النص: اقتصاص
في اليوم الأول خلعَ قناعه، امتثلتْ مرغمة، حاولتْ التَّرويض، قعَّرتْ ظهرها الأثقال، نهقتْ في عيدهم الأول، أهداها حافراً يزينهُ الصَّدأ، تفاخرَ بزيادة حجم أذنيها، أمام القضاء كان دليلها السَّوط واللجام.
دعاء عادل/ العراق.
**************
توطئة
بالرغم مما قيل ويقال بخصوص سمو العلاقات الإنسانية، وسلوكها مدارج الرقي، لا تزال أقدم هذه العلاقات وأسماها في مواثيقنا السماوية والوضعية، تعيش على وقع الانتكاس والتصدع، نحيل بذلك على علاقة المرأة والرجل. علاقة ما يزال بعض الرجال، والنساء أيضا، يرى نفسه فارسا لا تكتمل رجولته إلا بفرس دلول، والفرس لا تستمد وجودها إلا وفوقها من ظله أفضل من ظل “حيطة” حسب المثل الشعبي العربي.
من هذه الزاوية، ارتأيت أن ألامس مكونات نص” اقتصاص”، لمبدعته دعاء عادل، وقد نتفق جميعا أن هذا الموضوع مطروح حد الإنهاك، وقد نجمع أنه لم تعد فيه زوايا مظلمة تغري بالسبر والاستغوار، وسنتفق كذلك على أننا ما نزال جميعا نلوب عن علاقة تساكن نهادن فيها أرواحنا وذواتنا. لكن طريقة الطرح هي ما ستستوقفنا عند هذا النص.
فكيف قال نص اقتصاص، ذلك فنيا؟ وماذا وظفت المبدعة دعاء عادل، لتوصل إلينا هذه الرسالة؟
على مستوى العنوان: حرص النص على أن يضعنا مباشرة في عين العلاقة المأزومة، بإحالته الواضحة على الشرخ والتباعد: اقتص مزيد الفعل اللازم: قص، الدال على القطع والإضعاف والتتبع والمراقبة… وكما يقول النحويون: الزيادة في المبنى زيادة في المعنى، والاقتصاص زيادة في القطع والصدع، رد فعل على فعل سابق لم يجبر أثره ولم يشف جرحه، ليصبح انتقاما. وفي كل انتقام ادعاء باسترداد حق ودفع حيف وظلم، ووراء كل انتقام بحث عن سلام داخلي سراب.
نجاح العنوان، في نظري، تأتى من هذه الحمولة الضاجة بالتدافع، والذي يفترض طرفين على الأقل، وفي كل تدافع ولادة للسرد ركائزها: بين من؟ ولم؟ وكيف؟ ولأية غاية وبأي الوسائل؟…ونجاح العنوان هو أيضا في رسمه علاقة السؤال والجواب بينه وبين النص، علاقة التشويق والبحث عن إجابة لتلكم الأسئلة المنداحة من العنوان.
لعبة الضمائر: وظفت دعاء عادل الضمائر توظيفا مقصديا حرصت من خلاله على تكريس واقع القطع والشرخ الذي رسمه العنوان بداية، في ذهن القارئ، فجاءت الضمائر ممعنة في الغياب والفردانية: هو وهي، وفي التناوب على الظهور والاستتار. وكأنها على ركح معتم تسلط الإضاءة فيه على هذا تارة، وعلى تلك تارة أخرى، وأبدا لن تجمعهما بقعة الضوء معا. سقف واحد يجمعهما وبين مشاعرهما وأفكارهما بعد المشرقين والمغربين.
في لعبة الأفعال: ومن منطق الفارس والفرس المشار إليه في أول القراءة، يكون لل”هو” شرف اقتصاص شريط الأحداث ومتوالية السرد( ما دام السرد في عمقه حدث في زمن)، يقتصه من خلال فعل خلع، الذي هو أيضا استمرار لدلالات العنوان، ففي الخلع قطع أعنف، وفي خلع القناع موت شخصية، ربما نكون قد تآلفنا معها، وظهور أخرى قد تكون مسخا أو تخييب انتظار ممض.. وفي أذهاننا ترتسم صورة ذئب تزيا بقناع حمل لم يتحمل وداعته الزائفة، فتخلى عنها في اليوم الأول، بعد أن ضم “دابته” إلى حظيرته الآسنة، تحت مظلة زواج وأعراف اجتماعية، تجعل المرأة، من يومها الأول، تدرك أن” الفأس وقعت على الرأس” فحولتها إلى قطة يجب كتم أنفاسها في اليوم الأول كذلك، وفي المغرب، وأكيد في ثقافتنا الشعبية العربية عموما، يقول المثل: فالنهار الأول كيموت المش( والمش في الدارج المغربي هو القط). وننوه بتوظيف دعاء عادل للفظة “يوم” بدلا من “ليلة” التي تستعمل عادة في هذا السياق، كي تبين أن سبب القطيعة والشرخ، ليس منحصرا في ما هو جنسي جسدي، بل هو أعمق ويمتد في الطباع والسلوك والمعاملة.
إن محاولة الإخضاع هاته، التي بها تكتمل ” الرجولة” هي أيضا بها تتزين المرأة “الحكيمة”، فتمتثل مرغمة، ودائما بثقل العرف والتقاليد التي تجعل المرأة دائما مسؤولة عن فشل زواجها ومشاكله، وهذا يدفعها إلى مزيد من الصبر والامتثال، وتقديم تنازل يجر وراءه سلسلة من التنازلات، حتى تتحول الفرس الأصيلة إلى أتان تزداد أذناها طولا، وبحوافر صدئة، وشخصيا أرى أن توظيف كلمة حافر، جاءت هنا قلقة في مكانها، إلا من باب الكناية البعيدة التي نطلق بها لفظا ونقصد لازم معناه: كأن نطلق الحافر ونقصد به لازم معناه وهو:الحدوة التي لا تكون ألا في الحافر، والتي قد نفهم منها، في هذا السياق، أنه أهداها / أي: أنجبت في عامها الأول ذكرا هو مفخرة لأبيه واستمرار لعقليته الصدئة، وفي الوقت نفسه خناق ذكوري آخر سيتحكم في حياتها ويرهقها صعودا لتكون له جارية كما كانت لأبيه حتي يقضي الله أمرا كان مفعولا. وقد ارتأت المبدعة دعاء عادل، أن يكون هذا الأمر المفعول وقوفا أمام القضاء وطلبا للاقتصاص/ قضاء الدنيا أم قضاء الآخرة؟ ..دوامة ممتدة مستحكمة الحلقات تصدح وبألم قول الشاعر المغربي محمد الميموني:
“وذات الخمار
كذات اللجام،
مسخرة للذي يستقر فوق خصرها”
صرخة اقتصاص هي في نظري، صرخة كل نساء القهر والكرامة المهدورة، وهو نص حاولنا فقط تقديم بعض مكنوناته، مع يقيننا أن في أعماقه، ما يزال الكثير من الأنين الذي يريد الآخر/ الرجل أن يسمعه نهيقا.





