مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

التكوين الاعتباري  للأكثرية والأقلية في سوريا – د. هيثم علي الصديان – سوريا

رجل يرتدي بدلة رسمية مع طربوش ويجلس أمام ميكروفون في مؤتمر أو حدث رسمي

هناك عرف معهود على أن في سوريا ثمة أكثرية سنية، وأقليات علوية وكردية ومسيحية ودرزية وإسماعيلية ومرشدية، وغيرها من المكونات الأقلية الأخرى. لكن المطّلع على طبيعة الحياة في هذا البلد على مستوياته المختلفة: الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، يجد أن هذه الأقليات تكوّن أكثرية اعتبارية في نمط عيشها وثقافتها وعاداتها ورؤيتها المدنية المعاصرة للحياة، في مقابل أقلية اعتبارية تعيشها الأكثرية السنية، في طريقة عيشها وفلسفة حياتها. نعم ثمة نمط مشترك بين تلك الأقليات في فلسفة حياتها، نمطٌ يكاد يكون واحداً في أسلوب العيش وفقه المعاصرة. في حين أننا نجد أنّ الأكثريّة السنية تعيش أنماطاً وأساليب حياتيّة على الأصعدة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية ليست واحدة، وكثير منها يجنح إلى تقليد النمط المشترك الذي تعيشه الأقليات.

هنا لا نتحدث عن الشكل الظاهري للحياة في مستوياتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية، وإنما نقصد الأساس الجوهري لفلسفة الحياة؛ فجميع المكونات تبني جوهر حياتها على أساس المعاصرة، بينما تبني الأكثريةُ السنية، على الرغم من تبايناتها الشكلية، جوهرَ حياتها على الماضوية التقليدية المحافظة.

ومن يدقّق في الأنساق الحياتية يجد أن الأقليات تكوّن نسيجاً أكثروياً موحداً أو متشابهاً، ويجد أن ثمة ازدواجية عند كثيرين من الأكثرية السنية في نزوعها نحو نمط الحياة الأقلياتية.

والأكثرية تحتاج دوماً إلى سلطة سياسية ودعم خارجي في مواجهة فلسفة الحياة الأقلياتية وإلا فإنها ستكون أقلية اعتبارية، ولا قِبل لها بمواجهة فلسفة الحياة التي تعيشها باقي مكونات الشعب السوري. ولهذا نجد اليوم محاولة عربية (قطرية خاصة) لتعويم فلسفة الحياة السنية، وهذا على خلاف ما يبدو أنه صراع سياسي يحاول فيه كلُ طرف دعم الطرف الذي يمثله أو يحالفه(وإن كان الأمر لا يخلو من هذا القبيل). فكثير من الدول العربية الضالعة اليوم في الملف السوري تحاول تعويم الأكثرية السنية، خوفاً من ميل الأقليات- معظمها- نحو السياسة الإيرانية أو لغايات سياسية أخرى، وهذا يعد جهلاً معيباً بواقع الحال وطبيعة الرؤية الفلسفية الحياتية للمكونات الأقلياتية السورية. ومردّ هذا الأمر أن الدول العربية التي تدير الصراع في سوريا تعتمد على رؤية ارتجالية آنيّة تعود لولاة الأمر وساسته، وليس لها مؤسسات بحثية وعلمية وسياسية واجتماعية وثقافية تُسند إليها إدارة هذا الملفّ لغايات استراتيجية بعيدة، لا آنية مرتجلة مبنية على نظرة سطحية ومغالطات رؤيوية ساذجة أفقاً ومنظوراً.

يعتقد اليوم أغلبُ – إن لم نقل كلّ- المراقبين للوضع السوري ولملفّه السياسي أنّ الاقلّيات تحتاج إلى حماية، لكن التمعّن في الحياة السورية يقود إلى أنّ الأكثرية هي التي تحتاج حماية وتعويم، لأنّ فلسفة حياتها غير قادرة على مواجهة فلسفة الحياة الأقلّياتية؛ وعليه، فالإشكال ليس صراعاً سياسيّاً على الحكم- وإن كان يتمظهر بهذا الزيّ السياسي، بل هو صراع اعتباري على فلسفة الحياة.

اليوم ثمة هوّة سحيقة وفجوة عريضة بين المكوّنات الأقلياتية السورية وحاضنتها العربية، جرّاء السياسات الارتجالية غير المدروسة، فجوة سيدفع العرب ثمناً باهظاً لردمها، وهوّة تحتاج حفر خليج جديد لملئها.

زمن المدّ القوميّ الضائع- الردّة المعاصرة

 لا شكّ أن العرب شهدوا ذروة يقظتهم المعاصرة بعد حقبة الاستعمار المعاصر، على يد المدّ القوميّ العروبيّ الذي شمل الوطن العربيّ من محيطه إلى خليجه. وكان هذا المدّ القوميّ ذو الطابع العلماني المعاصر أشبهَ ببعث جديد للروح العربيّة التي ران عليها عهدٌ طويل من السبات والمرض والخمول. وقد تبنّته جماهير هذه الأمّة من مشرقها إلى مغربها، منتشيةً بعودة الحياة إليها ومؤمَّلةً بمستقبل عروبيّ يستردّ شخصيّتها التاريخيّة ويعيد لهذه الأمّة دورها الحضاري الذي كان. بيد أنّ الاستثمار السياسيّ لهذا المدّ وتحويله إلى تكتّلات حزبيّة شوفينيّة تسعى إلى السلطة وتصارع من أجلها، جعل هذا البعث للروح العربية يشوبه كثير من الاضطراب والارتداد نحو غايات سياسيّة وأيديولوجيّة تعكّر صفو الجمال الخلّاق لهذا البعث، وتُدني من القيمة التاريخيّة لهذه الروح.

وعلى الرغم من هذا الاستغلال السياسيّ الخاطئ لهذا المدّ القوميّ وما نتج عنه من عثرات وخيبات شانت جماليّته وحطّت من قدره ومصداقيّته وجدواه، لكنّه كان حقبة شهدت فيه معظمُ أقطار العرب نهضةً علميّة وفكريّة – واقتصادية إلى درجة مقبولة- واعدة، وصار عند العرب قيادات وأعلام سياسيّة وفكريّة، ملهمةٌ داخليّاً، ولها مكانتها الاعتباريّة في السياسة الدوليّة. وأخذ هذا المدّ القوميّ العروبيّ توجّهاتٍ سياسيةً وأخلاقيةً مناهضةً لسياسات الاستعمار وللرؤى الإمبرياليّة المتغطرسة، وساند حركات التحرّر الوطنيّة أينما كانت.

بالمقابل من ذلك فإنّ هذا المدّ كان يُجابَه برؤى سياسيّة وأيدولوجيّة مناهضة ورافضة، وكانت هذه المجابهة تتّخذ من الدين سلاحها الرئيس، فتتّهم هذا المدّ بالتغريب والتنكّر للثوابت الدينيّة وتصمه بالكفر أو السعي إلى طمس الهوية الإسلاميّة أو تمييع معالمها؛ علماً أن هذا المدّ القوميّ العروبيّ يقيم بنيانه النظريّ على تراثه الديني الذي يعدّه أهمّ مقوّمات الشخصيّة العربية وملهمها الاعتباريّ الأوّل وأساس نهضتها. لكنّ تلك الرؤى السياسيّة المناهضة التي تلبّست لبوس الدين، واستمسك بها كثير من ملوك العرب وأمرائها، وحظيت بدعم ماليّ وإعلاميّ وجيوسياسي كبير، كانت تَعرف كيف تناطح هذا المدّ وتناكفه وتصطاد نقاط ضعفه ومواطن إخفاقاته.

لقد عرف هذا المدّ أوج حيويّته بعيد أفول الاستعمار إلى ما قبل نكسة حزيران- 67. فتعرّض لضربة كادت أن تكون القاضية بعد هذا  الاجتياح الإسرائيليّ ومدِّ حدوده الاستيطانيّة إلى الدول العربية المجاورة. بيد أن هذا المدّ عاود النهوض واستأنف العمل لاستكمال مشروعه نحو أفق العصرنة والمشاركة مرّة أخرى في صناعة التاريخ الحضاريّ، بغية استئناف مسيرة هذه الروح العربية ومواصلة رسالتها الإنسانيّة التي يؤمن بجدواها وبمكانتها ودورها أصحابُ هذا التوجّه وبناته وأبناؤه. وعلى الرغم من نجاحه في تجاوز مرحلة الانكسار وخيبة الأمل، لكنّه تعثّر بعوائق أخرى وخيبات جديدة: كالإخفاق الديمقراطيّ، والاستئثار بالسلطة، وتباطؤ النموّ الاقتصاديّ، وظهور خلافات عربيّة وقلاقل سياسيّة بينيّة مستحدثة.

هذه وغيرها وضعت حركة التقدّم القوميّ أمام تحدّيات ومعوّقات وتساؤلات أخلاقيّة وفكريّة صعبة. ثم جاءت كارثة احتلال الكويت، لتكون بداية الانهيار لهذا البعث القوميّ والحضاريّ الأخير. من هذا الانهيار ومن هذه المرحلة المفصليّة في التاريخ العربيّ المعاصر، بدأ الفكر المناهض يتصدّر المشهد ويحاول أن يكون البديل الجديد. بديل يسعى لجعل المذهبيّة الدينيّة والعشائريّة القبليّة مزجاً جديداً للهويّة الوطنيّة المعاصرة.

لقد سقط المشروع القوميّ في العراق، واحتلّ محلّه البديلُ الجديد المشهدَ. واليوم نشهد سقوطه الآخر في سوريا، ويحاول هذا البديل التمدّد نحوه ليحلّ مكانه؛ فهو يبذل قصارى جهده. ولقد كانت له محاولة كبرى في مصر فكبا وتعثّر، ولكنّه لا يمكن أن يستسلم وسيعاود الكرّة مرّة أخرى إن كُتب له التوفيق في سوريا، ولبنان التي ستكون تحصيل حاصل(a foregone conclusion) في طريقه نحو مصر. مصر التي كان لضعفها التأثير الأكبر والأقوى في موت المدّ القوميّ ووأد النهضة المعاصرة.

لا شكّ أن العرب- وكلّ من يشاركهم أوطانهم- هم أخوة تاريخ وثقافة ووجدان مشترك يجري مجرى الدم من عروقهم. وهم على الرغم من اختلافاتهم وخلافاتهم يبقون إخوةً وشركاءَ في المصير والمسير= إن نحو الأفضل، وإن نحو الأسوأ، فالمركب واحد. ولا شكّ أن الجميع يريدون نهضة هذه المنطقة وازدهارها، وكلّهم صادقو النيّة في محاولاتهم وسعيهم، بيد أنّ النيّة وحدها لا تكفي؛ فنحن أمام مشروعين متصارعين: نهضويّ معاصر، وتراثيّ ماضويّ. ولقد قدّمت الدول القوميّة الكثير من الخبرات والرؤى لمساعدة دول الخليج العربيّ والأخذ بيدها نحو بناء دولهم وممالكهم وإماراتهم، عشرات السنين والأمر يسير على هذا النحو، فكانَ ما كانَ وما نرى من أوضاع هذا الخليج. واليوم انقلبتِ الآية وصارت الرؤية الخليجيّة السياسيّة هي التي تحاول أن تأخذ بيد تلك الدول المنكسرة نحو التوجّه الخليجيّ ذاته؛ فماذا سنرى وما سيكون عليه المآل الحضاريّ الذي ينتظرنا إن تمّ الأمر.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading