مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سينما ومسرح

ما يحتاجه الكاتب الكوميدي – ا.د/ علي خليفة

رجل متوسّط العمر يرتدي قميصًا أصفر مع نظارات، يظهر وجهه بملامح جادة في خلفية مكتوب عليها نص عربي.

لا شك أن صناعة الكوميديا ليست أمرا سهلا، ومن يقوم بصناعة الكوميديا يدرك جيدا أنه يعتصر نفسه اعتصارا شديدا لكي يؤدي وظيفته في إضحاك من يرغب في إضحاكهم، وبعض من يقومون بصناعة الكوميديا من كتاب وممثلين ومخرجين ومهرجين ورسامي الكاريكاتير يصابون بالاكتئاب وحالات من الضيق – على عكس ما يظن الناس فيهم- لأنهم اعتادوا أن يقوموا بإضحاك غيرهم وتسليتهم، ولا يعبئون بمن يضحكهم أو بما يضحكهم، فقد صاروا كالآلات التي تتجه في اتجاه معين، وليس لهم الحق في أن يبحثوا عن ذواتهم الظامئة لمن يهتم بها ويبعث النشوة في نفوسهم.

وقد يكون من أسباب إصابة كثير من صانعي الكوميديا بحالات من الاكتئاب والضيق أنهم مهمومون دائما بالبحث عن كل جديد وطريف يضحك من يقدمون لهم أعمالهم الكوميدية، وهذا البحث والتأمل والترقب لا شك يبعدهم كثيرا عن مواطن السعادة التي يرغبون في وصول مستقبلي كوميدياتهم لها.

ومن أهم ما يحتاجه الكاتب الكوميدي أن يكون لديه تلك الروح الساخرة العابثة، فالكتابة الكوميدية لا يمكن أن تأتي بالدراسة فقط فلا بد من أن يكون الكاتب الذي وهب نفسه لكتابة الكوميديا موهوبا بالقدرة على إضحاك الناس، وحين نتتبع بعض ظرفاء العرب في العصور القديمة مثل أشعب وأبي دلامة ومزبد، نرى أنهم لم يكونوا يصلحون في أي أعمال سوى في إضحاك غيرهم؛ ولهذا تنسب لأشعب عدة نوادر -في ترجمته في كتاب الأغاني للأصفهاني -نراه فيها يفشل في كل عمل تحاول أمه أن توجهه إليه ليتعلمه، ولا يرى فلاحا في أي عمل سوى في إضحاك الناس وإسعادهم، ويا له من عمل عظيم!

والكاتب الكوميدي قد يحلو له أحيانا أن يجرب نفسه في عمل آخر، وغالبا ما يلقى فشلا كبيرا ويرتد لحصنه الكوميدي، مثل موليير حين كتب مسرحية تراجيدية واحدة، وفشلت فشلا ذريعا، ولم يعد الكرة واكتفى بكتابة كوميدياته الرائعة التي عد بها أعظم كاتب مسرح كوميدي عرفه العالم على مدى العصور كلها.

ويدرك الكاتب الكوميدي تلك الموهبة عنده في قدرته على الكتابة الكوميدية، وعند ذلك يدرك أيضا انه لا بد من أن يرعاها وينميها ويصقلها، وأهم ما يحتاجه الكاتب الكوميدي بعد وجود الموهبة لديه في الكتابة الكوميدية- أن يكون قريبا من الناس على مختلف طبقاتهم وفئاتهم، وأن يستخرج كتاباته الكوميدية من ظروف حياتهم وما فيها من تناقضات، ومن الأنماط الكثيرة الغريبة في مجتمعه، وقد كان الجاحظ – أديب العربية الأكبر وصاحب الكتابات الفكاهية الكثيرة لا سيما في النوادر والقصص الفكاهية- قريبا من كل طوائف مجتمعه، ويتحاور معهم، ويخرج فكاهاته من تصويره للتناقضات التي بهم ومن الأشخاص غريبي الأطوار بينهم، وكذلك عاش موليير سنوات طويلة مع فرقته المتنقلة في قرى فرنسا يتأمل الناس ويستكشف خباياهم؛ لتكون كتاباته صادقة عنهم وفيها حساسية عصره وما يمكن أن يضحك أهل عصره منها.

ويضاف لما سبق مما يحتاجه الكاتب الكوميدي – أن يكون كثير القراءة للأعمال الكوميدية خاصة، وفي كل العصور ، فيقرأ كوميديات أرسطوفان، ومن جاء بعده حتى كتاب العبث وما أحدثوه من وسائل كوميدية جديدة في كتاباتهم، تقوم على التغريب وكسر المنطق والعبث بالحقائق.

وقد قرأت أن جوته – كاتب الألمان الأكبر – كان يقرأ أعمال موليير الكوميدية مرة كل عام، وحسنا كان يفعل، ولم يكن جوتة من كبار كتاب الكوميديا، ولكن كتاباته كان فيها مسحة رومانسية وتأملات فكرية.

وذكر توفيق الحكيم في كتاب زهرة العمر وكتاب سجن العمر أنه في سنوات تكوينه كان يقرأ كثيرا من المسرحيات، ومنها الكوميدية، ويتأمل أسلوب كل كاتب وطريقته في الكتابة؛ ليحاول اكتساب بعض قدراته، ولكنه بعد أن اكتملت موهبته انفصل عن كل هؤلاء العظماء من الكتاب الذين تأثر بهم، وصار له أسلوبه الذي يعرف به.

وعن نفسي فلست أكتفي بقراءة روائع كتاب الكوميديا، بل إنني أقرأ وأشاهد بعض الأعمال التي أبدعها كتاب الكوميديا على المستوى الشعبي، وعلى المستوى المحلي الشديد الخصوصية، فأنا أستمتع بكتابات أبي السعود الإبياري فيما كتبه من أفلام ومسرحيات، وكذلك أستمتع بكتابات بديع خيري والريحاني، مع علمي بأنهما كانا ممصران عظيمان لكثير من مسرحيات الفودفيل الفرنسية، وأعجب بغيرهم من كتاب الكوميديا ذوي الانتشار المحدود، والذين ينظر إليهم البعض على أن كوميدياتهم تقدم للإضحاك فقط، أو لا يوجد بها أبعاد فكرية وتأملية.

ولا شك أن كاتب الكوميديا لا بد أن يكون له أسلوب يتفرد به في أعماله الكوميدية، ويعرف به بين القرّاء والمشاهدين لهذه الأعمال، ورحلة بحثه عن أسلوبه لا بد أن تنتهي بالوصول للبصمة الخاصة لذلك الأسلوب بعد أن يمر بالخطوات السابقة في سعيه لامتلاك الأسلوب الكوميدي في كتاباته؛ ولهذا فالناقد المتمكن يستطيع أن يعرف كتابات الجاحظ الكوميدية حتى لو لم يكن اسمه مذكورا عليها، والأمر كذلك بالنسبة لمسرحيات أرسطوفان ومسرحيات موليير، ولكل عمل كوميدي ألفه كاتب كوميدي عبقري.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading