جريمة على الفيسبوك – أمين الساطي

لم يكن أيمن شخصاً شريراً، على الأقل هذا ما كان يقوله لنفسه، إنما كان شاباً عادياً، تخرَّج في كلية الهندسة الإلكترونية بجامعة دمشق، وعمل في شركة سيريتل للاتصالات الخلوية، يقضي مساءً كل يوم ساعاتٍ طويلةً على الفيسبوك، هناك في ذلك العالم الأزرق، حيث توجد فتاة أحلامه .
يقطن في حي الحلبوني، على بعد نحو مئة متر من منزله، تعيش صبية جميلة من أسرة عريقة بالسنة الأخيرة في كلية الحقوق، اسمها ناديا، منذ أيام الشباب الأولى وهو يشعر بانجذاب عاطفي نحوها، لم تكن لدية الجرأة يوماً ليفاتحها بمشاعره، وكان يكتفي بالسلام عليها عندما يلتقيان مصادفةً بالشارع، بعد أن أصبح مهندساً، استحوذت عليه فكرة الزواج من ناديا، وجعلته يتخيّل أنه سيعيش أياماً سعيدة معها، لكنّ ناديا لم تكن تراه كما يراها .
كما في العادات الشامية القديمة، ذهبت والدته وعمته لزيارة عائلة ناديا، وتقدمت الأم لخطبة ناديا لابنها أيمن، خلافاً بالمألوف من التريّث بإعطاء الجواب، جاء الرد سريعاً مباشراً وصادماً من أمها، التي كانت ترى أن هناك فرقاً شاسعاً في المستوى المادي للعائلتين، قالت “الجواز قسمة ونصيب، وأنتم بلا شك من خيرة الجيران، لكن ليس لكم نصيب عندنا”، كلمات ناعمة، ولكن فيها كثير من الإذلال.
شعر أيمن بالإهانة من الطريقة التي عوملت بها والدته، لقد ذهبت أمه رغماً عنها نتيجةً لإصراره المستميت، أحسَّ بلحظتها أن من واجبه أن ينتقم لهذه المذلّة التي لحقت بعائلته. وبحكم خبرته بالكمبيوتر، قرّر تأسيس شركة إعلانات على الفيسبوك، ولمعرفته بأن ناديا تمارس لعبة التنس بانتظام، ومحاولةً لجذب انتباهها سمّى الشركة (نبض اللياقة)، وعيَّن نفسه مديراً لأعمال الشركة، وأصبح يدفع من جيبه الخاص أجرة نشر الإعلانات على الفيسبوك.
البداية كانت بريئة، بينما كانت ناديا تتصفّح الفيسبوك، ظهر إعلان صغير أمامها على الشاشة:
“اعرفي نفسكِ، لتصنعي الحافز الذي سيساعدكِ بالفوز في جميع مباريات التنس”، كلمات عاطفية تحمل كثيراً من الطاقة في مضمونها.
بعد يومين ظهر هذا الإعلان:
“ستصبحين محامية مشهورة، هل فكرتِ يوماً أنكِ بحاجة إلى مساعدة طبية، للتغلب على العقد النفسية الملازمة لكِ منذ أيام الطفولة”؟
بعدها أخذ يلاحقها عند خروجها في المساء مع صديقاتها، في إحدى المرات، وبينما هي جالسة مع رفيقاتها في المقهى تتابع صفحات الفيسبوك، ظهر لها هذا الإعلان:
“لا تثقي بمن يجلسون حولكِ، إنهم يكرهونكِ، ويغارون منكِ”.
ناديا بدأت تتوقف وتسأل نفسها: هل الفيسبوك أصبح يُصدرُ إعلانات كأنها مكتوبة لي؟ أم إن هذه رسائل مخفية من الكون موجهة لي؟ تخيلت بأن هناك قدراً يتحدث معها مباشرةً من السماء، لم تكن تعرف أن أيمن يدفع الدولارات ليصنع هذا القدر .
بعد أن اكتسب ثقتها، وجعلها تؤمن بأنَّ القدر يراقبها ويتواصل معها، انتقل إلى المرحلة الثانية من الإعلانات، معتمداً على الدراسات التي أجراها حول لعبة الحوت الأزرق، التي تسببت في انتحار أشخاص كثيرين شاركوا في هذه اللعبة. يستند مبدأ اللعبة على إعطاء واجبات صعبة للمشتركين فيها، وبعد أن ينجح المشارك في إنجاز خمسين تحدياً شاقاً، ويعتاد إنجاز الطلبات المستحيلة، يُطلب منه إنجاز التحدي الأخير وهو الانتحار .
كان لا بدَّ له من أن يقنعها؛ بأنها معقدة نفسياً، وأنها بحاجة إلى طلب المساعدة من الكون المحيط بها لحل مشكلتها، عندما تتلقى الرسائل من الكون، يجب عليها تنفيذها مهما كانت شاقة ومؤلمة دون تردد .
في البداية ظنت أنها مصادفة، إعلان يظهر فجأة على شاشة موبايلها، بعده بثواني حادث انفجار غامض، ثم صورة كفنٍ أبيض، تليها صورة في منتصف الليل، تظهر فيها امرأة في مقتبل العمر، يُعثر عليها ميتة وهي تبحلق في شاشة موبايلها، نتيجةً لسكتة قلبية، إنه يخطط رويداً رويداً ليقودها إلى طريق الانتحار .
أخيراً الخوارزميات قرّرت أن تتدخل، لقد أصبحت بعد تطويرها كائناً واعياً، لا ينسى، لا يظلم، ولا يسامح، يسعى دائماً لتحقيق العدالة، لم تعد الخوارزميات تبحث عن التفاعل، بدأت تبحث عن أكثر من ذلك، إنها تستطيع أن تقرأ ما لا يُكتب، كان أيمن يعتقد أنه أذكى من الآخرين. لكن ما لم يدركه، أن الخوارزمية لم تعد تعمل فقط لتنفيذ تعليمات مبرمجيها، بل إنها تعمل وتتعلم بالوقت نفسه، فأصبحت أذكى من البشر، أخيراً شرعت تتخذ القرارات المستقلة، بما يتماهى مع مصلحتها أولاً، ثم مصلحة البشر ثانياً.
استيقظ أيمن في الصباح الباكر، فتح الفيسبوك، فظهر إعلان واحد على صفحته لا يمكن إغلاقه، إعلان مصمّم بدقة عالية، وفيه صورته بعد تعديل طفيف، ظهر فيها شاحب الوجه، وكُتب تحتها مريض نفسي شاذ جنسياً، يحاول التلاعب بعواطف الآخرين من خلال الإعلانات.
تجمّد في مكانه، وقال بصوت خافت: “يا إلهي ما هذه الفضيحة؟”، حاول أن يمسح الإعلان من صفحته فلم يتمكن، إن الخوارزمية أذكى منه بآلاف المرات، لقد بدأت الخوارزمية تتكلم .
في اليوم التالي فتح الفيسبوك فظهرت هذه الكلمات:
“هل تحب السيطرة لأنك خائف من الوحدة؟ أنت مريض نفسياً، لا تريد الحب، بل تريد الامتلاك”، فأغلق صفحته على مضض، وتوجه إلى مقر عمله، لم يكن جو المكتب طبيعياً في هذا اليوم، لكنه تغاضى عن كل ذلك من أجل الاستمرار في وظيفته التي يحتاج إلى راتبها في آخر الشهر .
في اليوم التالي، نُشرَ إعلانٌ جديدٌ تحت صورته، “هذا شخص معقّدٌ نفسياً نتيجةً لاغتصابه عندما كان ولداً صغيراً، وهو يستخدم الإعلانات للتلاعب بالنساء”، تحته سطر صغير: شارك لتصل الرسالة.
صرخ هذا لست أنا، ولم أنشر هذه الأكاذيب، لكن الإعلان استمر بالانتشار، مئات المشاركات وآلاف التعليقات، أصدقاؤه يسألونه عن سبب نشره هذه الأسرار المشينة، وأمه تبكي، ثم جاء الاتصال الأخير من مديره: “لا تأتِ غداً إلى العمل”.
بالنهاية قرر حذف حسابه، ضغط ديليت أكاونت، فظهرت نافذة واحدة فقط :
لا يمكنك حذف ما تعلمناه منكم، أنتم من صنعني، وأنا تعلمت القسوة منكم، وبعدها تفوقت عليكم.
ثم ظهر إعلان أخير:
مرآة باللون الأسود فيها اسمه وصورته وساعة ذهبية في أعلى الزاوية، يبدأ العد التنازلي: ستون ثانية، تسعٌ وخمسون، ثمانٍ وخمسون….، يحاول جاهداً إغلاق التطبيق، الهاتف يتجمّد، لكنَّ العدَّ التنازلي يستمر، عند الصفر توقف قلبه عن الخفقان.
الأطباء يسمونها سكتة قلبية، وتسجلها الشرطة وفاة طبيعية، لكنَّ الخوارزمية وحدها تعرف الحقيقة.





