مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

كرم الصباغ – توظيف الرمز في “عروسٌ في علبةٍ مخمليّةٍ” للقاص هشام العطار… قراءة نقدية

صورة لرجل يرتدي نظارات وقميص أبيض، يظهر بملامح جادة على خلفية بيضاء.

*** يقول فرانز كافكا” إن غاية النص الأدبي أن يكون فأسًا يحطمُ بحرَ الجليد فينا” فمن خلال سردٍ نفسيٍّ اجتماعيٍّ يمزج بين الواقعية والرمزية ودونما لغةٍ وعظيَّةٍ مباشرةٍ يقدِّم لنا السارد هشام العطار من خلال قصته “عروس في علبة مخملية” نقدًا لاذعًا للعادات والأعراف الاجتماعية القائمة على التنافس والتعالي الطبقي، كما يقدِّم لنا نقدًا فلسفيًّا لفكرة التشييء بتحويل القيم والمشاعر إلى أشياء قابلة للتسعير بل تحويل الإنسانِ نفسِه إلى مجرد سلعةٍ، مَنْ يملك ثمنها ينعم بها، ومن لا يملك ثمنها يُحرم منها.
هذا وقد اعتمد الكاتب على ضمير المتكلم أنا وصوت الراوي المشارك الذي ينفذ إلى أعماق الشخصية، كما اعتمد على تقنية الفلاش باك أو الاسترجاع، وألبوم الصور كوسيطٍ ماديٍّ يثير الذاكرة ويجسد الماضي ويحييه في نفس الشخصية الرئيسة العنود من خلال ما تثيره الصور الفوتوغرافية في نفسها من ذكريات مؤلمة تمثل حلقات في مسلسل الاستلاب والحصار داخل بهرج الرفاهية الزائفة وفقد العنود أحلام الحب والدفء الأسري والأمومة التي تؤكِّد وجودها كأنثى، فقدٌ بفعل فاعلين: الفاعل الأول يتمثل في التعسف في استخدام السلطة، سلطة الأب والقبيلة، وسلطة الأعراف الاجتماعية التي نتج عنها رفضُ الخاطبِ الأول حمود بدعوى إكمال العنود دراستها ونتج عنها أيضا مغالاة الأب في مهر ابنته، وتحويلها إلى سلعةٍ باهظة الثمن، الأمر الذي دفع جاسمًا إلى الفرار والاختفاء والزواج من ابنة خالته، أما الفاعل الثاني، فيتمثل في سطوة الزمن تلك القوة القاهرة التي لا يسلم منها إنسان.. وتمثلت في مخاطبة حسام العنود بقوله: يا خالة. تلك الجملة المحورية الصادمة التي مثلت صفعة نبهت العنود إلى مأزقها الوجودي الذي لا فرار منه ألا وهو أن الزمن قد لعب لعبته القاهرة، وأن الوقت قد جرى، وأن الفرص في إقامة علاقة حب وزواج بشكل مُرضٍ، قد تلاشت، وأنَّ ما تبقى ما هو إلا فتات فرصٍ وبقايا أحلام مبتورة.
*** العنوان ودلالاته: اختار الكاتب عنوانًا رامزًا يحمل العديد من الإيحاءات؛ فالعروس ترمز إلى الجمال؛ إذ تكون المرأة في أوج زينتها، وترمز إلى الأنوثة الطاغية، ولفت الأنظار وبالتالي التحقق الذاتي والنفسي؛ إذ تكون المرأة محط أنظار الجميع، ولكن يفاجئنا الكاتب وفي مفارقة ضدية بقوله في علبةٍ مخمليّة، والتي ترمز إلى الفخامة والثمن الباهظ، ولا يتم الرمز إلا من خلال الإشارة إلى الدور المحوري الذي يلعبه حرف الجر في الصياغة؛ إذ يرمز حرف الجر “في” إلى الإحاطة التامة بمعنى بأن تصبح العروس مأسورة بالكلية، أسرًا وإحاطة وعزلًا قسريًّا.. وبناء على ما سبق يوحي العنوان في مجمله بالقهر الذي يمارس على المرأة من قبل المجتمع بسلطاته المتعددة، وتحويلها إلى شيءٍ فاخرٍ يقتنى داخل رفاهيةٍ زائفةٍ أو سجنٍ بجدرانٍ مزينةٍ، لكنه يبقى سجنًا في كل الأحوال.
** دلالة اسم العنود: ببحثٍ معجميٍّ بسيط نجد أن العنود اسم علم مؤنث عربي، يعني الفتاة شديدة العناد والقوية التي لا تُملى عليها الأوامر، ويشير أيضًا إلى السحابة الكثيرة المطر، أو الناقة القوية النشيطة التي تبتعد عن القطيع لسرعتها، أو قائدة الغزلان التي تنفرد بنفسها. ويُعد اسم العنود من الأسماء المشهورة في الخليج العربي، ويحمل معاني القوة والتميز.
لم يكن اختيار هذا الاسم اعتباطيا بل أحسن الكاتب توظيفه ويتجلى ذلك في إظهار العنود بمظهر الرافضة للأعراف الاجتماعية و لسلطة الأب والعائلة ولكنه رفض لم يرتق للقدرة على المواجهة والتغيير وهذا مربط الفرس كما يقولون إذ أضيف مشاعر الكبت والعجز عن المواجهة إلى القهر ، وتحولت العنود إلى ضحية تكابد شأنها شأن العديد من النساء عدم قدرتها على تغيير مصيرها أو حتى حق اختيار شريك حياتها في ظل هيمنة الأعراف والسلطة المذكورة الأمر الذي قادها إلى النفور التام من بيئتها الخانقة ومحاولة التنصل منها نقرأ معا قول الكاتب ” -أَبْغِي شَيْئًا مُخْتَلِفًا، لَقَدْ سَئِمْتُ مَنَاظِرَ بَاقَاتِ الْوُرُودِ وَأَحْوَاضِ الزُّهُورِ بِالْحَدِيقَةِ، دِيكُورَاتِ الْبَهْوِ، النَّوَافِيرَ التَّقْلِيدِيَّةَ، أَطْقُمَ صَالُونَاتِ الِاسْتِقْبَالِ، مَفْرُوشَاتِ غُرَفِ النَّوْمِ، مَجَالِسَ النِّسَاءِ وَحَتَّى زَخَارِفَ رُخَامِ الْحَمَّامَاتِ ضَجِرْتُ مِنْهَا. لَقَدْ مَلِلْتُ حَتَّى مِنَ اللَّافِتَةِ الرُّخَامِيَّةِ أَعْلَى الْبَوَّابَةِ الْخَارِجِيَّةِ وَالْمَحْفُورِ عَلَيْهَا بِالْخَطِّ الْكُوفِيِّ عِبَارَة “بَيْتُ آلِ رَاشِد “،أَوْدُّ تَبْدِيلَهَا بِلَوْحَةٍ فِضِّيَّةٍ تَحْمِلُ عِبَارَةَ “بَيْتُ الْعَنُودِ”
***المظهر الثاني الذي يمثل تمرد العنود على واقعها هي إدراكها أن ما يحيط بها من زخارف ورفاهية ما هو إلا محض سراب لا يحقق السعادة ويتجلى ذلك في إشارتها في المتن تارة وفي القفلة أو الخاتمة تارة أخرى يقول الكاتب على لسان العنود ” -انْظُرِي، هَذِهِ دَارُنَا الْقَدِيمَةُ. سَقْفُهَا خَشَبِيٌّ وَخِزَانَةُ الْمَلَابِسِ عِبَارَةٌ عَنْ صُنْدُوقٍ زُخْرُفِيٍّ مَوْضُوعٍ عَلَى الْأَرْضِ” ونلاحظ هنا ضمير المتكلمين نا في قولها دارنا القديمة الذي يوحي بالاعتزاز والحنين والانتماء، ويقول الكاتب في النهاية المفتوحة الصادمة: ” زَاغَ بَصَرِي نَحْوَ السَّقْفِ. كَانَتِ الْجُدْرَانُ تَزْحَفُ نَحْوِي، أَمَّا السَّقْفُ فَأَخَذَ يَهْبِطُ مِنْ عَلْيَائِهِ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ نَحْوَ رَأْسِي. ضَاقَ أُفُقِي. أَشْعُرُ بِالْمِسَاحَةِ حَوْلِي تَتَضَاءَلُ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى أَنْ أَطْبَقَتِ الْجُدْرَانُ عَلَى صَدْرِي فَصَارَ الْقَصْرُ كُوخًا صَغِيرًا لَا أَكَادُ أَنَامُ فِيهِ وَلَا أَحْلَمُ” القصر يتحول إلى كوخ ربما يكون الحل أن تتخلص العنود من ثقل الرفاهية الخانقة الجدران التي تطبق على صدرها وأن تعود إلى فطرتها وأن تظفر بأحلامها الضائعة في كوخ فقير صغير.
*** المكان: تخطى توظيف المكان العلامات الطبوغرافية والجغرافية إلى توظيفه توظيفا نفسيا يتماهى مع حالة الاغتراب النفسي والفقد والضجر التي تعاني منه البطلة المأزومة، وتوظيف المكان على هذا النحو يعد انزياحا من نوع خاص كسر التوظيف المألوف وحقق ما يطلق عليه الشعرية المكانية أو المجالية.
***توظيف الألوان نفسيا ودلاليا:
وظَّف الكاتب الألوان في قصته بما يتوافق مع تدرج وتعمق الأزمة فثمة اللون الذهبي الذي يلون الأحلام في مطلع الشباب وبمرور الوقت والتقدم في السن وفقد فرصة الارتباط بحسام نظرا لفارق السن تتحول الأحلام من ذهبية إلى فضية أقل في القيمة ويتحول الحصان الأبيض رمز الرومانسية الحالمة إلى طائرة ترمز إلى العصرية والمادية وإلى رتم الزمن السريع الذي لم يعد يأبه بالمشاعر، وفي النهاية تتلاشى الأحلام بلونيها الفضي والذهبي ليحل محلها الكوابيس المفزعة السوداء في إشارة إلى وصول أزمة البطلة النفسية إلى ذروتها. يقول الكاتب: ” فَأَنَا أَكْبَرُهُ بِنَحْوِ عِشْرِينَ عَامًا. حَلِمْتُ بِهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ يَرْكَبُ حِصَانًا أَبْيَضَ يَتَحَوَّلُ إِلَى طَائِرَةٍ. كَانَ حُلْمًا فِضِّيًّا غَرِيبًا…عِنْدَمَا الْتَحَقْتُ بِالْجَامِعَةِ كُنْتُ أَرَى الْمُسْتَقْبَلَ فِي أَحْلَامٍ ذَهَبِيَّةٍ، وَمُؤَخَّرًا رَأَيْتُ الْمَاضِيَ فِي أَحْلَامٍ فِضِّيَّةٍ. كَانَ الْحِصَانُ هُوَ آخِرَ أَحْلَامِي الْفِضِّيَّةِ. الْآنَ هَجَرَتْنِي أَحْلَامِي وَاصْطَبَغَتْ مَنَامَاتِي بِصِبْغَةٍ رَمَادِيَّةٍ مَزَّقَتْهَا الْكَوَابِيسُ السَّوْدَاءُ الْمُرْعِبَةُ.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading