نشيد الكينونة الأنثوية: قراءة عاشقة في قصيدة سراب غانم – بقلم: الأستاذ الشاعر والناقد مراد اللحياني

تستوقفنا بين الفينة والأخرى نصوصٌ شعريّة تخرق المألوف، لا بالصياغة اللغوية المبتكَرة وحدها، ولا بالصور المستغربة فحسب، بل بجرأة الموقف الوجودي الذي تنطلق منه، وبعمق الرؤية التي تحفر في طبقات الذات والعالم. قصيدة “سراب غانم” تنتمي إلى هذا الصنف من النصوص التي لا تكتفي بأن تكون جميلة، بل تطمح إلى أن تكون مُؤلِمةً بجمالها، مُربكةً بصدقها، مُكتملةً بنقصانها الظاهري. إنها قصيدة تستدعي قراءة “عاشقة” ، لا بمعنى الانحياز العاطفي الأعمى، بل بمعنى التورط في فضاء النص، والتعاطف مع نبضه الداخلي، وفهم لغته كاكشاف لا كترجمة. إنها قراءة تحاول أن تسبح في نهر القصيدة، لا أن تقف على ضفتها لتوصيف مجرى الماء. من هنا، ننطلق.
تبدأ القصيدة باستدعاء غرائبي: “نَدَهتُ بقلبِ المُريدِ: تعالِيْ/ كصوفيّةٍ أرَّقتها الليالِيْ”. النداء هنا ليس نداء عاشقٍ لمحبوبته فحسب، بل هو نداءُ قلبٍ “مُريد” – وهو لفظ يحمل دلالات التَّطلُّع الروحي، والسير في طريق المعرفة، والبحث عن مرشد – لأنثى تتلبس صورة “صوفيّة”. من اللحظة الأولى، تُرسَم العلاقة ليس على أساس عاطفي دنيوي بحت، بل على أساس بحثٍ روحي مشترك. المُريد يبحث عن حقيقته، والصوفية التي أرقّتها الليالي تحمل أسراراً وتجاربَ وجوديةً عميقة. الإرهاق هنا (أرَّقتها الليالي) ليس ضعفاً، بل علامة على السهر الطويل في محراب التأمل، ومعانقة الأسئلة الكبرى. وهكذا، تؤسس الشاعرة لعلاقة ندّية فريدة، هي علاقة التمام الناقص، بحث النصف عن نصفه في مساحة تتجاوز الجسد إلى الروح.
ثم تأتي المفاصلة الحاسمة: “لأنّكِ أنثى.. فوحيُكِ ماءٌ/ ودربُكِ طينٌ/ وكعبُكِ عالِيْ”. في هذا المقطع تتجلى رؤية الشاعرة للمرأة/ الأنثى بوصفها كينونة أسطورية-واقعية في آن. وحيها “ماء” وهو أصل الحياة، رمز العطاء، المنبع الأول للإلهام والفكر. ولكن دربها – طريقها في الحياة – “طين”، وهو رمز الأرضي، المتعب، الموحل، الواقع المادي الثقيل. بين المنبع السماوي (الماء/ الوحي) والطريق الترابي (الطين/ الواقع) تقف الأنثى، وكعبها “عالٍ”. الكعب العالي هنا صورة مدهشة تجمع بين الجمال الأنثوي المُغْري، والارتفاع المجازي عن مستوى الواقع العادي، والإصرار، والتحدي. هي ليست ملاكاً منفصلاً عن الأرض، بل هي كائن ينتمي لعالمي الوحي والطين معاً، وتسير راسخةً عاليةً رغم وعورة الطريق. إنها صورة للأنثى المبدعة، الحاملة لهموم الوجود، والساعية بكبرياء.
وهذا الكبرياء يتجلى بوضوح في السطور التي تلي: “لكِ الكبرياءُ.. متى شئتِ رُدِّيْ وراءَكٍ بابًا بكى للوصالِ”. الكبرياء هنا سمة إيجابية، هي سيادة الذات وامتلاك قرار الفتح والإغلاق. الأنثى هنا “تارة”، لها أن ترد الباب الذي “بكى للوصال”، أي لها أن ترفض وتغلق، حتى أمام الرغبة المشتركة. هذا يؤكد استقلاليتها وعدم خضوعها لمنطق العاشق الواحد ثم يأتي الإعلان الأكثر جلاءً: “فإنّي أتيتُكِ أنثى لِأنثى/ وحالُ القصيدةِ يشبه حالِيْ”. هنا يكمن جوهر الرؤية. العلاقة ليست بين ذكر وأنثى بالمعنى البيولوجي أو الاجتماعي التقليدي. إنها لقاء “أنثى لأنثى”. هذا التعبير يحمل عدة طبقات: قد يشير إلى كون المتكلم أنثى جنساً، مما يضفي على القصيدة بعداً من التماثل والانعكاس الداخلي. وقد يكون “الأنثى” هنا صفةً للروح، بمعنى أن المتكلم – ذكراً كان أو أنثى – يأتي بصفته الجانب الأنثوي من كينونته (العاطفة، الحدس، الإبداع، الاستقبال) ليُكلم الجانب الأنثوي في الآخر. وفي كل الأحوال، فهي علاقة تقوم على التماهي والتشابه الجوهري، لا على الاختلاف والتناقض. وحال القصيدة – التي هي كائن أنثوي بالضرورة – يشبه حال الشاعرة، فهي أيضاً بحث عن اكتمال، عن تزاوج بين المعنى والصورة، بين الفكرة والإيقاع.
وتتواصل عملية التماثل بين الشاعرة والقصيدة والمخاطبة: “فأنتِ عروسةُ هذا الخيالِ/ ومهرُ الجميلاتِ في العرفِ غالِيْ”. المخاطبة هي “عروسة الخيال”، أي الهدف الأسمى للتخيل الإبداعي، الحلم المتجسد الذي تسعى إليه الشاعرة. وهي أيضاً تُقاس بـ”الجميلات” ولكن مهرها – قيمتها – أغلى في العرف، أي أنها تتجاوز المقياس المعتاد للجمال والقيمة. ثم ينتقل النص إلى كشف نفاق المشاعر السطحية: “يقُلنَ: كَرِهنا الهوى، -كاذباتٌ-/ ويعرفنَ بالكِذْبِ نصفَ المُحالِ”. هنا نقد لاذع للنفس الأنثوية – أو ربما للمجتمع – التي تتنكر للهوى بدعوى الكراهية، وهي تعلم في قرارتها أنها تكذب، وأن في هذا الكذب تحقيقاً لنصف المستحيل، أي أن إنكار الهوى هو نفسه عمل شاق ومحال نسبياً. وهنا تضع الشاعرو نفسها، مرة أخرى، في موقع الوسيط الصادق: “وفي الحالتينِ أتيتُكِ نِصفًا/ فكُونِي/ لأشهدَ فيكِ اكتمالِيْ”. هي تعترف بنصفيتها، بنقصها، بكونها جزءاً يبحث عن كل. وتطلب من المخاطبة (الأنثى/ القصيدة/ الروح) أن تكون هي الكل التي تشهد من خلالها على اكتمالها الذاتي. الاكتمال ليس اندماجاً، بل هو شهادة على الذات عبر مرآة الآخر الكامل.
ثم ينزلق النص إلى فضاء الحياة اليومية في صورة ساحرة: “أرتّبُ في الصبحِ بيتي لنرقى/ وفي اللّيلِ أَكْنُسُ فوضى العِيالِ/ وأمسحُ عنهُ غبارَ المرايا/ لكي يبصِرَ العابرونَ جَمالي”. هنا تتحول الأنثى – المتكلمة – إلى ربة بيت، لكن أفعالها (ترتيب البيت، كنس فوضى العيال، مسح غبار المرايا) تكتسب أبعاداً صوفية. ترتيب البيت “لنرقى” هو تطهير للمكان ليكون معبداً للصعود الروحي. مسح غبار المرايا ليس للنظر للذات، بل “لكي يبصر العابرون جمالي”. الجمال هنا ليس للمتعة الذاتية، بل هو هبة للعابرين، رؤية يُعدُّ لها العالم بإزالة الغبار عن مرآة الوجود. إنها صورة الأنثى الحارسة للجمال الكوني، والمقدمة له كمشهد لأبناء الحياة “العابرين”. وتتوالى الصور المنزلية المحمَّلة بدلالات وجودية: “وأغلي على النّارِ قهوةَ عمري/ فكوني بها مثلَ حبّةِ هالِ”. “قهوة العمر” هي خلاصة التجربة، المرة أحياناً، المنعشة أحياناً. ويطلب من المخاطبة أن تكون فيها “كحبّة هال”، أي ذلك العنصر العطري الصغير الذي يغيّر نكهة القهوة كلها، ويعطيها عمقاً وتميزاً. المخاطبة هي السر، النكهة الخاصة التي تعطي معنى لتجربة العمر كلها.
وتواصل الشاعرة نسج خيوط العلاقة بين الخفاء والظهور: “وأُرخيْ لِسَترِ المعاني خِمارًا/ فسرُّ الغوايةِ كشفُ الخيالِ”. إرخاء الخمار على ستر المعاني يعني إبقاء بعض الغموض، بعض الحجاب. لكن المفارقة أن “سر الغواية” – قوة الجذب – يكمن في “كشف الخيال”، أي في القدرة على الإيحاء والتلميح، لا في التجلي الكامل. هذا منطق فني بالدرجة الأولى: القصيدة الجميلة هي التي تكشف بقدر ما تخفي. والأنثى الغاوية – بجمالها ومعناها – هي التي تبقى لغزاً يثير الخيال. ثم تأتي صورة مدهشة في بساطتها: “نَشرتُ المدى/ فوقَ حَبلِ الغسيلِ/ لألبَسَ روحيْ وأخلعَ شَالِيْ”. “المدى” بمعنى الفضاء الواسع، الزمن الممتد، يتم التعامل معه كقطعة قماش مبلولة تُنشر على حبل الغسيل لتجف. هذا الفعل المنزلي البسيط يحوّل الوجود المجرد إلى شيء ملموس يمكن لبسه وخلعه. الشاعر/ة يريد أن يلبس روحه – أي أن يصبح روحاً محضا – ويخلع شاله – أي يتخلى عن الغطاء الخارجي، الهُوية الظاهرية، الثوب الاجتماعي. إنها عملية تجريد للذات من كل ما هو عارض، عبر فعل يومي بسيط.
ثم يتحول الخطاب إلى استفهامين استنكاريين يعكسان تأثير المخاطبة المدوّي: “وكنتُ أهادنُ خطوَ النجومِ/ فكيفَ مررتِ كضوءٍ خِلالِيْ؟/ وكيفَ استحلتِ بكلِّ الجهاتِ/ شِمالي يميني/ يميني شِمالي”. كان المتكلم في حالة من الهدنة الكونية، من المسالمة مع إيقاع الزمن البطيء (“خطوَ النجومِ”). فجأة، مرت المخاطبة “كضوء خلالي”، أي كنفاذة سريعة، خاطفة، غير قابلة للمهادنة. هذا المرور قلب كل الموازين، حتى جعل الجهات تتخبط: الشمال يميناً واليمين شمالاً. إنها صورة للارتباك الوجودي الكامل الذي يخلقه الحب أو اللقاء المصيري. العالم لم يعد كما كان، والإحداثيات انقلبت. هذا الاضطراب يقود إلى حالة من اليقين العاطفي: “أردتُ لكلِّ سؤالٍ جوابًا/ فكنتِ الجوابَ لكلِّ سؤالِ”. المخاطبة هنا تتحول من موضوع السؤال إلى جواب الوجود كله. هي ليست جواباً على سؤال الحب فقط، بل على كل الأسئلة الوجودية. اكتشافها هو اكتشاف للمعنى الشامل.
يصل التماهي بين الشاعر والمخاطبة إلى ذروته في فعل إبداعي مشترك: “وحينَ نَحتُّكِ باسميَ نحتًا/ رقصتِ معي مثلَ نجمٍ يُلالِيْ”. نحت المخاطبة باسم الشاعر هو فعل خلق وتشكيل، هو إعطاء الهوية، هو ختم الكينونة بعلامة الشاعر. والاستجابة كانت رقصاً، حركة حيوية جميلة “مثل نجم يلالي” (أي يتلألأ، يبرق). إنها صورة لانسجام تام بين المبدع ومادته الإبداعية، بين المحب ومحبوبه. وهذا الرقص يتحول إلى دعوة صريحة: “لنرقصْ إذنْ/ فوقَ جلدِ الطريقِ/ وإنْ قيلَ: مجنونةٌ/ لا تُبالي”. الرقص هنا هو احتفاء بالحياة، باللقاء، هو تعبير جسدي عن الاكتمال الداخلي. والأمر بأن يتم “فوق جلد الطريق” يعني علنية هذا الاحتفاء، وتحدياً للعالم الخارجي. وإهمال تهمة “مجنونة” هو رفض للنقد الاجتماعي، وتأكيد على حرية الروح في التعبير خارج الأطر المقبولة. الجنون هنا هو العقلانية العليا للحب والإبداع.
وتنتهي القصيدة بلازمة خالدة: “سَأقضُمُ تفاحةً من حروفي/ لتحيا القصائدُ وحيًا بدا لِيْ/ فلو كانَ هذا الجنونُ حَرامًا/ لَكانَ الحَرامُ أشدَّ الحَلالِ”. صورة “قضم تفاحة من الحروف” هي استعارة رائعة للفعل الإبداعي. الحروف تصير فاكهة محرمة لذيذة، معرفة خطيرة. قضمها هو اكتشاف المعرفة، هو التجربة الإبداعية المحفوفة بالمخاطر والتي تمنح الحياة: “لتحيا القصائد”. وهنا يعلن الشاعر/ة أن هذا “الجنون” – جنون الكتابة، والحب، والرقص على الطرقات – لو كان حراماً (دينياً، اجتماعياً، أخلاقياً)، فإن هذا الحرام نفسه سيكون “أشد الحلال”، أي سيكون هو الأمر الأكثر استحقاقاً لأن يكون حلالاً، أو أن حلاوته وجدواه تتجاوزان أي تصنيف حرام. إنها نزعة تمردية أخيرة تؤكد قدسية التجربة الداخلية بغض النظر عن الأوصاف الخارجية.
قصيدة “سراب غانم” هي نشيدٌ للكينونة الأنثوية بوصفها كائناً مكتملاً في ذاته، يمتلك سرَّ الخلق (الوحي الماء) ويثبت على طريق التراب (الطين) بكبرياء. وهي أيضاً استكشاف لعلاقة “أنثى لأنثى” بكل ما تحمله من تماثل وانعكاس داخلي، حيث يصبح الحبيب مرآةً يرى فيها المرء اكتماله. القصيدة، بهذا المعنى، هي بحث عن الهوية عبر الآخر المشابه. لقد نجحت القصيدة في تحويل الفضاء المنزلي اليومي إلى فضاء طقسي مقدس، حيث يصبح كنس الفوضى ومسح الغبار وتنشير المدى أفعالاً تهدف إلى الكشف عن الجمال وتلبس الروح. إنها ترفض النفاق العاطفي (“يقُلنَ: كَرِهنا الهوى، -كاذباتٌ-“) وتعلن صراحة عن رغبتها في الرقص فوق جلد الطريق، غير مكترثةٍ بتهمة الجنون. وفي النهاية، تعلن قدسية “جنون” الإبداع والحب، حتى لو كان حراماً، لأنه ببساطة “أشد الحلال”. إنها قصيدة تشبه “قراءة عاشقة” فيها صوفية الليالي، ووحي الماء، وصَلابة الكعب العالي، وعطر حبة الهال في قهوة العمر المرة والحلوة.
النّصّ :
نَدَهتُ بقلبِ المُريدِ: تعالِيْ
كصوفيّةٍ أرَّقتها الليالِيْ
لأنّكِ أنثى..
فوحيُكِ ماءٌ
ودربُكِ طينٌ
وكعبُكِ عالِيْ
لكِ الكبرياءُ..
متى شئتِ رُدِّيْ وراءَكٍ بابًا بكى للوصالِ
فإنّي أتيتُكِ أنثى لِأنثى
وحالُ القصيدةِ يشبه حالِيْ
فأنتِ عروسةُ هذا الخيالِ
ومهرُ الجميلاتِ في العرفِ غالِ
يقُلنَ: كَرِهنا الهوى،
-كاذباتٌ-
ويعرفنَ بالكِذْبِ نصفُ المُحالِ
وفي الحالتينِ أتيتُكِ نِصفًا
فكُونِي
لِأَشهَدَ فيكِ اكتمالِيْ
أرتّبُ في الصبحِ بيتي لنرقى
وفي اللّيلِ أَكْنُسُ فوضى العِيالِ
وأمسحُ عنهُ غبارَ المرايا
لكي يبصِرَ العابرونَ جَمالي
وأغلي على النّارِ قهوةَ عمري
فكوني بها مثلَ حبّةِ هالِ
و أُرخيْ لِسَترِ المعاني خِمارًا
فسرُّ الغوايةِ كشفُ الخيالِ
نَشرتُ المدى
فوقَ حَبلِ الغسيلِ
لألبَسَ روحيْ وأخلعَ شَالِيْ
وكنتُ أهادنُ خطوَ النجومِ
فكيفَ مررتِ كضوءٍ خِلالِيْ؟
وكيفَ استحلتِ بكلِّ الجهاتِ
شِمالي يميني/ يميني شِمالي
أردتُ لكلِّ سؤالٍ جوابًا
فكنتِ الجوابَ لكلِّ سؤالِ
وحينَ نَحتُّكِ باسميَ نحتًا
رقصتِ معي مثلَ نجمٍ يُلالِيْ
لنرقصْ إذنْ
فوقَ جلدِ الطريقِ
وإنْ قيلَ: مجنونةٌ
لا تُبالي
سَأقضُمُ تفاحةً من حروفي
لتحيا القصائدُ وحيًا بدا لِيْ
فلو كانَ هذا الجنونُ حَرامًا
لَكانَ الحَرامُ أشدَّ الحَلالِ
سراب غانم





