مقالات نقدية

أبعاد عناصر الشعر وموضوعاته الجمالية والدلالية في ديوان “مواويل للعشق والشجن ” لكريمة الحسيني ✍️عبد النبي بزاز

غلاف ديوان 'مواويل للعشق والشجن' للشاعرة كريمة الحسيني، يحتوي على صورة فنية لامرأة مشرقة وشمسية، مع نصوص واضحة بالعربية على خلفية خضراء.

يتضمن ديوان  الشاعرة التونسية كريمة الحسيني ” مواويل للعشق والشجن ” عناصر الشعر الأساسية من إيقاع ، ومجاز ، وصور في استعمالات اقترنت بمواضيع قومية وإنسانية أثرت نسيج المتن الشعري ، ونوعت مكونات مدونته ، حيث ورد ت عناصر بلاغية كالتشبيه  في نص شال وشرفة ” : ” كطاعنة في السن / أنهكتها الذكريات … ” ص 17، وفي قولها : ” تسربت كعزف حزين ” ص 19، وهو تشبيه يصور ثقل الذكريات ، وما تشكله من عبء على كل من داهمته الشيخوخة ، وورطته في استرجاع شريطها وما تعج به من حمولات نفسية ووجدانية ، وما يتولد عنها من ندم وأسى ، والانسحاب من قاعة المسرح ومغادرتها في انسلال يشبه لحنا حزينا  انسل من سمفونية متعددة الأنغام والنبرات ، أو (ضوءا خافتا ) يرغب عن التوهج ، ويعزف عن  الإشعاع والسطوع . والجناس في : ” تكبر رويدا رويدا ” ص65، في تصوير لإيقاع التدرج داخل نسق مقامات ومراتب ، أو بغية التأكيد والتثبيت  كما في قولها : ” وما كنت على عجل / ما كنت على عجل ” ص93، وهو ما يقود إلى تعابير مجازية مثل ما ورد في قصيدة ” مواويل عشق ” : ” تأخذني الذكرى / لأنمو بين أناملك / أزهارا برية / ومواويل عشق / وعناقيد عنب لم يدركها الخريف ” ص15، وهو ما يشكل صورة لنمو ذات الشاعرة بين  أنامل معشوق على شكل أزهار برية وما يوحي به ذلك من تجسيد طبيعي ينم عن نضارة وبهاء . وأهازيج / مواويل تطفح عشقا ومحبة ، وعناقيد عنب ما زالت تعيش زمن نضج لم يدركه الخريف. مجاز ما يفتأ  يتطور ويتحول إلى صور توحي ببعد دلالي ، وعمق في المعاني : ” جاء رسول بلا نعل / يبشر الجياع بالجنة ” ص55 ، وما يمكن أن يستشف منها من مضامين رسالة ذات نفحة دينية يختزلها الرسول ( حامل الرسالة) والتي تبشر فئة الجياع بجنة يقيهم العيش بين أحضانها محنة الجوع والسغب  بما توفره لهم من طيب الزاد ونعمته . واستعارة صفة الالتهام للأرض التي تغدو لها شفاه : ” أخاف من الأرض أن تلتهمني / وتطبق شفاهها على حلمي ” ص69، مما يثير مخاوف الشاعرة ، ويضاعف من منسوب خشيتها على ضياع حلمها  الذي قد يقع فريسة لأرض لن تتوانى في التهامه ، وتصوير فوضى النساء على شعر رأس يحمين أفكاره ، ويضبطن إيقاع أنفاسه ، بل يشنفن مسامعه بحكايات تنساب في منتصف ليل يحلو فيه الحكي ،  ويلذ السمر : ” أعد النساء اللواتي / يقفن على شعر رأسك / يحرسن أفكارك / يرتبن أنفاسك / ويغزلن لك / حكايات منتصف الليل / كيف لي أن أعبرهن / لأصل إلى قلبك ” ص73 ، وهو ما يعتبر النساء معبرا لبلوغ شغاف القلب ، والتغلغل في أليافه ، وما يعترض هكذا عبور من خطوات شاقة ومكلفة ، ووصف ما تعيشه الريح من عراء وانكشاف يحرمها من نعمة مأوى يحتضنها ويوفر لها ما تحتاجه من مقر آمن : ” والريح بلا مأوى ” ص 97، والطفلة تنهض من دواخل ذات الشاعرة لتمارس رقصتها المؤجلة ، والرابضة في أعماقها : ” تستيقظ الطفلة بداخلي / لترقص على أنغام فيروز ” ص 97، مع ما تمثله الطفلة من زخم غني برمزية تجمع بين البراءة ، و اليفع ، والتلقائية . وتزخر قصائد الديوان كذلك بأساليب مختلفة الصياغة والتركيب من قبيل : ” حررتني منك / لأغادر الشرفة ” ص17، في طلب التخلص والانعتاق من المُخاطَب من أجل مغادرة الشرفة ، وما يحمله ذلك من أبعاد تأويلية متعددة ، وقولها : ” أرتب شعري / وصدري المبعثر على السرير … ” ص27، مع ما تثيره صورة الصدر المتناثر على السرير من تساؤلات وافتراضات . وفعل هطول الفرح : ” دعوا الفرح يهطل ” ص 55 ، وهو تشبيه ، ضمني ، للفرح بالمطر في تساقطه وانهماره  مع ما ينطوي عليه ذلك من حمولة رمزية للمطر كمصدر خير عميم ، وبركة متعددة النعم . وإزاحة الشمس لجبل ينتصب قبالتها من أجل التمكن من إشاعة نورها وضيائها : ” تزيح الشمس / الجبل من أمامها / ليعم نورها ” ص 65، وتجزيء الشاعرة لذاتها في انتقاء لبعض  الأطراف والحواس للتوجه ركضا نحو البحر: ” سآخذ بعضي / وأجري إلى البحر ” ص 65، وفي قصيدة ” رسائل عشق” تفتح حوارا مع الشتاء الذي يصدع بسؤال يظل معلقا على امتدادات تزخر برؤى متعددة الآفاق والأبعاد : ”  يسألني الشتاء عنك ” ص75، وكلها أساليب ترسم نهجا يجترح حدود إواليات غير مطروقة ولا متناولة لإرساء لبنات بناء شعري منزاح ومغاير .

ورغم الطابع النثري الغالب على نصوص المجموعة فإنها لم تخل من إيقاع متنوع بين ما هو خارجي : ” مضى عصر العز والانتصار / وحل عصر الخزي والعار ” ص 33، في الروي المتمثل في الراء الساكنة ، أو الميم الساكنة في : ” لست على ما يرام / متعبة .. لا أنام ” ص 37، وداخلي من خلال إعادة نفس الحروف ( الدال ) في : ” أعيد الكتابة إليك بحبر جديد / وأبدأ …/ أحبك جدا / وتعرف أن الشوق إليك شديد … ” ص 43، وحرفيْ الراء والنون في قصيدة ” رجل بلا عقيده ” : ” فلتكرمني بالرحيل / وأكرمك بالنسيان / يا رجلا بلا أمان  / يا فاقدا للحنان / يا سيد الغرور واللاشعور / لقد تعبت من الفتور ” ص49، بتواليهما في سلاسة وانسياب وما خلفه ذلك وخلقه من جَرْس موسيقي بارز . وقد تضمنت قصائد الديوان  أيضا تعابير رومانسية على المستوى المعجمي والدلالي حيث ورد في قول الشاعرة : ” عرائش الياسمين تمتد / لتعانق أشجار الرمان / وتنسجم الحمرة بالبياض / لكن الشمس متكاسلة في النهوض ” ص23 ، فتغرف من قاموس رومانسي تتآلف فيه ( عرائش الياسمين ، وأشجار الرمان ) ، وتتعانق الألوان ( الحمرة بالبياض ) وتتجلى الشمس في صورة يجللها الكسل والخمول ، فضلا عن عطر الندى الذي يتسرب لأعماق الروح والفؤاد ، وأصوات الطيور التي تشنف الآذان ، وتطرب الحواس : ” أستنشق الندى / وشقشقة  العصافير/ قبل أن تغادر أعشاشها ” ص65، ولجأت كذلك للمزج بين المتناقضات ، ولَمِّ  أطرافها داخل بوتقة تفاعل وتجاذب تندثر معه كل ألوان الصراع وما يحف به من حقد وغل وكراهية : ” فتجعل من الحرب حب /  و من النهاية بداية ص 71 ، حيث تؤول نهاية الحرب إلى حب في تحول يقوم على تعايش مبني على الحب والمودة بدل الصراع والنزاع . وأثارت كذلك موضوع القومية العربية في مقارنة بين ماضي العرب المشرق ، وحاضرهم البئيس ؛ عصر الانتصارات والفتوحات ، وزمن الإخفاقات والانكسارات كما تقول : ” مضى عصر العز والانتصار /  وحل عصر الخزي والعار / وفي الختام / لا رجاء منكم أيها الحكام ” ص 33 ، في إشارة إلى حالة اليأس والخيبة التي يستشعرها كل عربي يطمح لاستعادة أمجاد الأمة العربية التي غدت صعبة المنال في ظل حكام وزعماء طَبَّعُوا مع حالة التشرذم والانقسام موثرين التشبث بكراسي الحكم على تغيير الأوضاع  المزرية التي تتخبط فيها بلدانهم وشعوبهم ، وهو ما أثر سلبيا على فلسطين كما أشارت إلى ذلك الشاعرة : ” كتبت عن فلسطين … / لم يروا الأرض تصرخ / لم يروا غزة تقصف / ولا الأجساد تنزف … ” ص39 ، التي مورست عليها كل أنواع الظلم والجور من تقتيل وتهجير وحصار وإبادة أمام مواقف عربية مخجلة لم تقو على تقديم أي دعم وازن وفعال يسهم في رفع الحصار الجائر ، والحد من غلواء آلة التدمير والتنكيل التي يتمادى فيها الكيان الصهيوني دون أي ردع أو مواجهة . مؤكدة ذلك بتصوير لوضع الإنسان العربي الموسوم بالبؤس والضياع : ” كم أنت شقي يا ابن بلدي / الهارب من بؤسك وعروبتك ” ص41 ، ولإغناء متن الديوان وتنويع عناصره وموضوعاته ورد ذكر أعلام بارزين في خارطة العالم العربي مثل الزعيم والقائد السياسي الحبيب بورقيبة في قصيدة تحمل عنوان شارع باسمه ” شارع الحبيب بورقيبة ” ص 93، وعالم الاجتماع والمؤرخ العربي ابن خلدون : ” يخرج ابن خلدون من عباءته ” ص93، وما تحمله العبارة ، وما توحي به من إشارات رمزية تحتاج إلى  حدود أوسع لقراءة أبعادها ودلالاتها التاريخية والفكرية ، كما تم ذكر المطربة اللبنانية فيروز في قولها : ” تستيقظ الطفلة بداخلي / لترقص على أنغام فيروز ” ص 96، فيروز بصوتها الشجي المطرب.

ولابد من الإشارة أخيرا إلى أن ديوان ” مواويل للعشق والشجن ” غني بأساليبه الإيقاعية والجمالية ، وموضوعاته الموزعة بين العشق والأسى ، والفرح والغم داخل نسق  يؤثثه ما هو قومي إنساني بحمولات نفسية ووجدانية متعددة المناحي ، بعيدة المرامي ، عميقة الأبعاد والمعاني.

مواويل للعشق والشجن ( شعر ) كـريمة الحسيني .

ــ دار المسار للنشر والتوزيع ـ تونس 2024.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading