هذه المسرحية هي آخر مسرحية كتبها إبسن سنة ١٨٩٩، وعاش بعدها سبع سنوات، وضعفت صحته فيها، ولم يكتب أي مسرحية لذلك بعدها.
ويعد بعض النقاد هذه المسرحية درة أعمال إبسن، وفيها أصداء لجوانب من شبابه في حب قديم له لشاعرة، وفيها أيضًا تعدد للرموز تثير القارئ والمشاهد لها، في حين يرى بعض النقاد هذه المسرحية بها عيوب واضحة،
ولا ترقى لمسرحياته التي كتبها في فترة ميله للواقعية خاصة مسرحية “بيت الدمية”، ويرى هؤلاء النقاد أن إبسن في هذه المسرحية أسرف في الميل للرموز، وتناسى كثيرًا المستوى الواقعي للأحداث، وانقلب على المبدأ الذي كان يقوله بأن عرض الرموز في أي مسرحية لا يجب أن يكون على حساب النيل من واقعية الأحداث بها.
وفي رأيي أن هذه المسرحية أقرب لمسرح الأفكار وما يطلق عليه المسرح الذهني؛ ولهذا نرى الشخصيات لا تعبر في هذه المسرحية عن أفكارها التي تتناسب مع مستوى ثقافتها، بل تعبر عن أفكار المؤلف التي تخدم نظرته الفكرية لهذه المسرحية، وأعطي مثالاً على هذا بآيرن التي رسم لها المثال أرنولد تمثالاً سماه “يوم البعث” فإنها تبدو فتاة بسيطة، ولكنها عندما تظهر في حياة أرنولد بعد عدة سنوات إذا بها تتكلم بأسلوب فلسفي فيه عمق في الفكر، ولا ندري ما الذي جعلها كذلك، وهي عندما تحكي عن حياتها لأرنولد بعد أن تركته نراها كانت حياة ضائعة مارست الدعارة فيها، وشعرت بقدر كبير من الضياع بها.
والفكرة الفلسفية في هذه المسرحية هي الأساس بها، وتكون كل العناصر بالمسرحية خادمة لها، كما نرى في المسرح الذهني، وفكرة المسرحية هنا عن أن الفنان لا بد أن يكون له ملهمة تلهمه فنه، وغالبًا لا يشعر بأهميتها إلا بعد أن يفقدها، ويفقد معها قدرته على الإبداع، ويضاف لهذا أن الفنان يضحي في سبيل فنه بكل مباهج الحياة، بل هو في سبيله يضحي بالحياة نفسها، كما رأينا أرنولد المثال في هذه المسرحية وهو يصور تمثال “يوم البعث” في صورة الفتاة النقية الطاهرة آنذاك – أي آيرن – لم يشغله منها إلا أن يستلهم منها تمثاله الخالد، ولم يلتفت للإنسانة ذات المشاعر والغرائز فيها، وبعد أن انتهى من تمثاله هجرته؛ لأنها شعرت أنه أهان إنسانيتها، ولم يشغله سوى تحقيق فنه من خلالها، أما هو فلم يستطع عمل أي تمثال عظيم بعد فقدها، فقد أدرك مؤخرًا أنها ملهمته، ومع ذلك حاول أن يستمر في حياته، فكان يصور بعض التماثيل العادية التي تحقق له الثراء، وتزوج من شابة جميلة بعد أن تقدم به العمر، وحاول أن يتناسى بهذا الاستمتاع الظاهري بحياته رغبته في عمل أعمال فنية أخرى خالدة، وحاول أن يتناسى أيضًا ملهمته التي اكتشف أهميتها في حياته بعد غيابها عنه، كما قلت من قبل.
وبينما هو جالس مع زوجته الشابة مايا في حديقة فندق تظهر حبيبته وملهمته آيرن، ويتمسك بها، ويظن أن بعثه من حياته التافهة التي يحياها سيكون على يديها، ويغريها بأن تعود للعيش معه وأن نداء الحياة يحثهما على البعث.
وفي الوقت نفسه تعجب مايا زوجة المثال بصائد شاب للدببة، وتصاحبه في بعض رحلات صيده، وتظن بهذا أنها تبعث من حياتها الرتيبة مع المثال الذي لا تفهمه ولا يلبي لها متع الحياة التي هي في حاجة إليها.
وتنتهي المسرحية وقد ملت مايا من صحبة صائد الدببة، فحياته لا جديد فيها سوى الصيد والدماء، وهي حياة أقرب لحياة إنسان الغابة على حد قولها.
أما أرنولد وآيرن فحاولا أن يستعيدا إحساسهما بالحياة، فصعدا لهضبة عالية سبقهما للصعود إليها مايا وصائد الدببة، ولكن أرنولد وآيرن لم يستطيعا النزول منها بخلاف الآخرين الشابين، ولعلنا نفهم من هذا أن تخيل الفنان أرنولد بأنه يستطيع أن يصعد لأمجاده التي كانت في الماضي بعد عودة ملهمته إليه كان وهمًا، فما هي نفس الفتاة الطاهرة البسيطة التي أحبها وعدَّها ملهمته، ولم يعد هو بعد أن قدم كل ينابيع العبقرية عنده في تمثاله “يوم البعث” بقادر على العطاء بعده، لقد أخرج كل مواهبه فيه، وعاش فنانًا عاديًّا بعد ذلك.
وبعد فأنا أرى تأثر توفيق الحكيم بهذه المسرحية في مسرحيته “بجماليون” تأثرًا قويًّا، فبطلا هاتين المسرحيتين مثالان، وقد صنع كل واحد منهما تمثالاً رائعًا عبر عن عبقريتهما، وبعملهما لهذين التمثالين صارا مفلسين بعد ذلك، فقد أخرجا كل مواهبهما في هذين التمثالين، وأخيرًا فبطلا هاتين المسرحيتين يبدو طوال المسرحيتين صراعهما بين العيش للفن والتمتع بملذات الحياة، ولا ينتهي هذا الصراع عندهما، بل تنتهي حياتهما بالموت لعدم قدرتهما على الفصل في هذا الصراع.