بروفيل جانبي أمامي لأمجد ريان – د. سعيد شوقي

أستاذ الأدب والنقد الحديث بكلية الآداب جامعة المنوفية
الفوضى الخلاقة
مَنْ يتوقع شعرا خَليليا أو نقدا قُدَاميا أو محاكاة أرسطية تلقي الوزن وقافيته جانبا أو تفكيرا وفق استعارات تمّاميّة أو عبر صور فنية بلينسكية ؛ فلا يتبعني في قراءة هذا العمل . هكذا قدَّرتْ تجربته وهكذا شاءتْ صياغته .
فتجربته ليست حبلى بجنين مريمي وُضعت بذرته بقداسة وتم حمله وهدهدته بملائكية وانسابت ولادته بحُسن يوسفي من أبوين شرعيين يستنيمان على ثوابت المعروف والإجماع ؛ ماديا ومعنويا .
وإنما هي تجربة مكتنزة بل مكتظة لا بجنين تجربة بل بأجنة تجارب ؛ لها آباء عدة ، وعلاقات زواج سماوية ووضعية وتوافقية وسفاحية ، وهي إذ تخرج حينما يحين حينها الحتمي النفسي والروحي والوجداني والعقلي لا القدري ؛ لا يرضى الكاتب لها خروجا كاملا حسنا ، آمنا سالما ؛ إذ نراه يقطعها عرضا أو طولا إلى نصفين أو ربما أقل إلى أرباع أو أثمان ، أو ربما إربا إربا ، أو ربما ذرات أو ربما حطام ذرات . وهو إذ يفعل يرمي بها إلى فضاء الناس مصحوبة بالتحذير والتنذير المغلفين بشغاف التفاؤل والأمنيات والحدب والتفهم . وهو في أحيان كثيرة يبوح لنا جبرا وقسرا تحت وطأة خشية مصيره أنه سعى أياما وليالي ؛ ليفعل الصنيع نفسه في جيناتها قبل أن تكتمل أجنة مرتقبة لولادة ؛ تدميرا أو تحويرا أو تحويلا ؛ ليتحكم فيها ويخرجها بما حلم وحلّق ونذر . وهي إذا فرضت اكتمالها عليه وخروجها منه حسب شرطها وساعتها الحظية ، تلقاها مفتتا من كمالها عل صنيع تفتيته يصادف مثل الشوكة الرنانة طول أسطوانة قدرية تعظم صوتها وحظها كما رنا وأرهص وأبصر .
هي تجربة معارك استنزاف وحروب عصابات داخل النفس والروح والوجدان والعقل ؛ كر وفر ، وزرع ألغام ونصب كمائن ؛ بغيه تحرير تجربة كينونة الإنسان الكونية في نهاية استراتيجية الانتصار من ربقة المعروف والإجماع ماديا ومعنويا . يؤكد هذا الوصف ما يقوله الكاتب في نص بروفيل جانبي أمامي : “أريد أن أصطادَ مشاهداتِ الواقعِ الصغيرة ، وأن ألتقطَ الأسرارَ التي تختفى تحت مظاهرِ الواقع” . وكذلك ما يقوله في نص مصر الجديدة : “أريد أن أسلّطَ الضوء على المنطقةِ السريّةِ في حياتِنا ، وأنا دائمُ البحث عن هاجسِ الحريّة للروح والذهن” .
إن ما وصفته آنفا من تجربة فعل الكتابة ، بدا وكأن الكاتب يمزق ويفتت ويشتت وينثر هواء تجاربه جنينا وقبل جنين واكتمالا وقبل اكتمال في فعل خلق إبداعي أشبه بفعل الفوضى ، وحقا ما وصفت في تصوري ويقيني ، فلقد بدت تجاربه متشظية إلى أدنى تشظ طيلة العمل كما سيتضح .
كذلك كانت صياغته ؛ جنسا أدبيا أو نوعا فنيا ، أو لغة لفظية ، أو أسلوبا تعبيريا ، على نفس إيقاع عزف تجربته ؛ حافرا بحافر ، إذ تبدت غير مستقرة على وهدة جنس أدبي ثابت أو نوع فني مستقر أو لفظ شريف فصيح أو غير شريف سوقي قار ، أو أسلوب معياري أو غير معياري انزياحي وعدولي ؛ وإنما ديدنها ومقياسها ومعيارها الفوضى الشكلية والتعبيرية .
هكذا شاء الكاتب وخلق كما ألمحت ، ولا أقول هكذا شاء العجز أو نقص الدربة ، إنها فوضى خلق تجربة وصياغة ، مقصودة ؛ بوعي أو بغير وعي ، سيان ما يذهب القرار . من هنا كان صوع العنوان : بروفيل جانبي أمامي لأمجد ريان وكتابة الفوضى الخلاقة .
والحق أن المتأمل في هذا العمل يجده يمثل الفوضى الخلاقة في كتابته خير تمثل . وقبل أن أبادر بتوضيح كيفية تجلي هذا في نصوصه عبر الشكل ومضمون التجارب ، أبادر بسؤال ينبغي أن يختم نهاية قراءتي كما يحتم مبتغى التأمل ، وهو : هل تفتق عن هذه الفوضى الخلاقة – كما وصفت – خلق حقا ؟!
فوضى الشكل الخلاقة :
أول ما يطالعنا من فوضى خلاقة هو تجنيس العمل ، فالكاتب يصفه بأنه : شعر ، جنس الشعر ، وكما ألمحت بداية فأفق تلقي أي عربي تقليدي شعريا ، لا يستقيم مع نصوص العمل ، فلا بناء خليلي يلهب عاطفتك ، ولا تفعيلة نازكية تشد سكناتها وحركاتها سمعك بنسائم الوجدان ، ولا قصيدة نثر سوزانية برنارية تبعدك عن الإيقاع وتدفعك في أتون الاكتناز والمفارقة العميقين . كل ما هنالك توقيع متوار ، سطري ، أو مقالي ، يخاطب العقل والضمير والروح أكثر مما يخاطب العاطفة والوجدان ويتداخل كثيرا جدا مع أجناس إبداعية عدة أخرى كما سيبين .
هذه الفوضى بين التجنيس والمتعين نصوصا في عمله ، تدخلك في ربكة تلق ، لا شك أنها خلاقة ، ربما تجعلك تنتصر لصالح نصوصه المطروحة ، وربما تجعلك تنهزم أمام نصوصه لصالح ما تقادم من نصوص شعرية تراثية أو حديثة . وإذا كان قارئي ينتظر إجابتي ، فحقيقة لقد فتحت لي هذه الفوضى الخلاقة رؤية أعمق لسبر التجارب الإنسانية الطازجة على حقيقتها التلقائية بعيدا عن ثخانة بلاغات جنس الشعر التراثية أو الحديثة التي ربما سرقت كاميراتها من رصيد التأمل ، لكن الجزم بشعريتها إطلاقا كما اللفظ : شعر ، بعيدا حتى عن التشعير بعبر النوعية ؛ ففي تصوري يحتاج إلى مزيد توصيف ؛ يخصم ويضيف ويجرح ويعدل في المفاهيم ويصنف ويجمع ويستبين ويستقرئ في المتشابهات ، ويستقوي ويستأكد ويستيقن من نجاعة نجاحات التلقي .
وثاني ما يواجهنا هو عنوان العمل نفسه : بروفيل جانبي أمامي ، فالتركيب : جانبي أمامي هو عين الفوضى الخلاقة ، التي ترهص بكنه العمل ، فكيف يتأتى اتساقا أن يحتوي بروفيل على الجانب والأمام معا ، وكأنه : مكر مفر معا التراثية ؟! إنه لا ينهض هكذا إلا برؤية بيكاسو الحداثية كما صرح نصه ، هنا مطلوب عبر عتبة عنوان العمل أن يُخلق كائن جديد صنعته الفوضى الخلاقة عنوانا ومتنا بعد ، لأن العنوان اكتناز للمتن ومَعْبَر له أيضا كما جينيت . إنه دعوة من الكاتب تستحثك على قراءة نصوصه على دال عنوانه ؛ فوضى إبداع تستتبعها فوضى قراءة ؛ رؤية جانبية وأخرى أمامية عبر نصوص متداخلة بنياتها حينا ومتوازية حينا ورامحة بالتفاتات وجه لا تُبصر إلا لمدقق صاقب ثاقب في أحايين عديدة .
وثالث ما أرى من فوضى خلاقة هو إهداء الكاتب : ” إلى درية ” .. فبرغم أن هذا الإهداء لا يصنع فوضى خلاقة في حد ذاته ، إلا أنه يسهم فيها ، إذ يقدمه بلا تعريف ، ولا تنويه ، الحال التي تجعلك تتساءل طيلة قراءة العمل عن ” درية ” هذه ، وعندما لا تجد تعريفا مباشرا صريحا لها كعادة الإهداءات المعيارية ؛ تظل تبحث عنها في كل قصيدة ، وكأنها مدلول كل القصائد المضمر ؛ المخفي بعناية ، أو كأنها هاجس العقل الملح وفكره الطاغي ، حتى تصل إلى قصيدة إهدائها وهي قصيدة : لكي نصنع الحياة ، بعد أن تكون قد مررت على تسع قصائد خاب فيها ظنك وتاه معها مسعاك . وحتى عندما تصل إلى قصيدتها لا تجد ما يروي سغبك منها ، إذ يفاجئك الكاتب بأنه قد نسغها في دلالات النص جميعا ، وعليك أن تخلق منها أنت نفسك ” دريتك ” . إنها فوضى غياب وحضور ، فوضى تفكيكية لا شك في هذا ، تراقص الدوال فيها على الأجناب مدلولاتها ، وليس أمامك سوى التأهب والرقص معها لتحظى ببغيتك .
ورابع فوضى خلاقة في تصوري يتمثل في عناوين النصوص الداخلية ، إذ بدت العناوين عبر أداءين ؛ أحدهما يرسخ فوضى خلاقة مباشرة بين دوال العناوين ودوال النصوص ، وآخرهما ينظم تلك الفوضى الخلاقة . في الأول تجهد نفسك حتى تجد الرابط الدلالي بين دوال العناوين ودوال النصوص ، وعندما تجده حقا أبشرك أنك صرت في الأداء الآخر .
ولعل ما يمثل الأداء الأول عناوين نصوص : الصيرورة ، وإيميل ، والماضي والمستقبل ، والأشياء غير مرئية في الحجرة ، ورائحة ما ، وذات يوم ، وفي النسيان ، ولكي نصنع الحياة ، والمكتبة المركزية ، ووفاء ، والحلم ، وخطوات بطيئة ، ودوامة ، ومصر الجديدة . ويمثل الأداء الآخر عناوين نصوص : بروفايل جانبي أمامي ، وأحدثكم وتحدثونني ، وبورتريه ، ويركض الزمن إلى جواري ، وشاي المساء بالنعناع ، وحنجرة تئن .
وآخر ما يجابهنا هو فوضى الشكل ؛ إذ تتقاطر النصوص في هيئات نوعية ، تنتمي إلى أجناس عدة ، وأنواع عدة ؛ فمنها ما يأخذ هيئة التفعيلي لا سيما في النصوص الأخيرة من العمل ، مثل نصوص : الماضي والمستقبل ، وصخرة تئن ، وخطوات بطيئة ، ودوامة ، ومصر الجديدة ، ومنها ما يأخذ هيئة السيرة الذاتية ، مثل نصوص : إيميل ، وفي النسيان ، ويركض الزمن إلى جواري ، والمكتبة المركزية ، والحلم ، ومنها ما يأخذ هيئة السردية ، مثل نصوص : رائحة ما ، وذات يوم ، ووفاء ، ومنها ما يأخذ هيئة المقالية ، مثل نصوص : وأحدثكم وتحدثونني ، وشاي المساء بالنعناع ، وهو في كل هذه الهيئات لا يعمل نقيا بهيئة واحدة كما وصفنا ، ولكن بتداخل بين الهيئات جميعا أو عددا منها أو أقلها ، ولا يقتصر على هذا الأداء ، وإنما يطرح على خلطته الشكلية بعض بهارات ومكسرات من عناصر شعبية أو تحليلية أو حجاجية أو جدلية أو فلسفية أو موضوعية أو علمية ، تنخرط في خلطته توازيا وتداخلا .
فوضى المعنى الخلاقة :
قد يكون ما صرح به الكاتب أوعى لهذا من تحليلٍ ، ففي
نص الحلم يقول : “تفتح الأحلام آفاقا دائمة الجدة ، وتساعدنا على تخطي حدودنا ، وتذكرنا بحقيقتنا ككائنات خلاقة ” . إنه على وعي بالخلق ، عبر أدوات الأحلام . وفي نص بروفيل جانبي أمامي يصف الكاتب تجربته أيضا بالخلق ، لكنه يحدد أدواته فيها بالاستيهام والتأمل إضافة إلى الأحلام ، ويصرح بفعلته الحكائية في الشكل عَرَضا أيضا ، يقول : “سآخذكم نحو استيهاماتى ، وأتأملُ الواقعَ الجديدَ من خلالِ الخلقِ الحكائى ” . إن الخلق موجود في التجربة أصلا ككل إبداع أصيل ، والاستيهام كما الشعراء ” في كل واد يهيمون ” كما القرآن الكريم ، لكن التأمل حقا يؤطر تجربة الكاتب خير تأطير فمساحة العاطفة تتضاءل لصالحه لا شك في هذا . وهذا واضح بَيّنُ لا ادعاء فيه ، والكاتب نفسه يقر بهذا . يقول في نص الأشياء غير مرئية في الحجرة : “وطوال عمرى لم أحسْ بمثلِ هذا التشويشِ العاطفيّ” . هذا التشويش العاطفي يعود الكاتب ويخرجه مرة أخرى في النص نفسه ولكن بلفظ آخر هو التيه يقول : “ويبدو أنني كنت أهمهمُ بكلامٍ غيرِ واضحٍ أمام المرآة . لست مطمئناً بسبب التيه . التيه الذى يحيطُني من كل جانب “. ويبدو أن إلحاح الدلالة يطارده فنراه في نص شاي المساء بالنعناع يذكر التشويش مرة أخرى بلفظ آخر ، هو العشوائية ، يقول : “أدرسُ كلَّ شيءٍ بدقةٍ وإمعان ، وتظلُّ الأفكار العشوائيّةُ تمرّ في ذهني” . إنه تشويش مؤكد وتيه باد وعشوائية قارة لا شك في هذا ، وقبل هذا خلق عبر استيهام وتأمل ، الحال التي تخرج فوضى خلاقة كما وصفت . ولقد وضع الكاتب يده على لفظ الفوضى ذاته كما وضع يده قبل على لفظ الخلق ، يقول في نص ذات يوم : “وسيعرف الآدميون : أن كل خط مستقيم . هو في الواقع معوج ، لأنه مكون من ملايين النقاط المجهرية التي تشكل غابة فوضوية ” . وربما يُستجمع كل هذا التركيب عبر أداء المعادل الموضوعي بصورة يمتزج فيها الفن بالتأمل عبر فوضى تبين عن خلق الوضعية التي ذكرت في البداية ، يقول الكاتب في نص بورتيريه : ” وأنا جالسٌ فى الشرفةِ كالتمثال : وكانت الرياح تحملُ كيساً بلاستيكياً ضخماً ، فيظلُّ يتمسّح بصفً طويلٍ من الجدران وواجهاتِ البيوت ، كان الكيسُ البلاستيكي يتقلّبُ ، وينتفخُ بهواءٍ أكثر وأكثر ، كان الكيسُ البلاستيكيّ يترجرج ، ويتقلب ، ثم يرتفعُ إلى عنانِ السماء ” .
وحقا ما صدر به الكاتب صراحة أو تدليلا ؛ فمتتبع متعينات التجارب عنده عبر نصوصه ؛ يجده غالبا يحرك الكون كله بما فيه وبمن فيه في بوتقة رؤيته التأملية التي هي حقا عقلية في الأساس ، مندّى ظاهرها وباطنها غالبا بماء عاطفة محس ؛ فالمجرة عبر وعيه العقلي الشعوري هي وفنجان القهوة سواء ، كل خاضع للتأمل ، ومفردات المجرة كما مفردات القهوة منتشرات في نصوصه ، وما بين المجرة والقهوة ، تصطف الشوارع والبيوت والحوائط ويتحرك البشر ، والكاتب لا يملك إزاء كل هذا إلا التأمل التفتيتي التكبيري ؛ تحديبا لما قُعّر وتقعيرا لما حُدّب ، هو مستمتع بهذا ، لأنه مناط مشروع عمله الكتابي ، وهو في تأمله يضع يده على مفارقات الكون والحياة وارتكسات البشر ، يحدب على إنسانه ويتفهمه ويُفهمه ويلتمس له التبريرات ويقدم إليه التعزيزات ؛ لأنه استطاع أن يقف بمفرده وهو المعنى الأصغر أمام وطأة وجبروت المعاني الكبرى .
عود على بدء :
نعود إلى ما سقناه من سؤال البداية ، وهو : هل تفتق عن هذه الفوضى الخلاقة – كما وصفت – خلق حقا ؟!
الحق أن هذا الخلق الجديد تمثل في نظري أولا في إخراج التجارب ببكارتها طازجة فطرية دون قيد شكلي ، وتمثل ثانيا في إعادة خلق ” الهُوَ ” النفسية التي تحوي فوضى المتناقضات جنبا إلى جنب في حالة هيولية ، فبدا نص الشاعر تنظيما للفوضى في خلق جديد ، الحال التي اكتسحت أمامها إلى حد بعيد أسوار القيد الشكلي الجنسي والنوعي التقليديين . مخلفة وراءها هيئة بناء سيظل موضع دهشة وتأمل لكل من يمر عليه من المتلقين .





