مسرحية الجحش والكلب من إعداد يعقوب الشاروني – ا.د علي خليفة

هذه مسرحية قصيرة جدا ليعقوب الشاروني، فهي لا تتجاوز ثلاث صفحات، وفيها حدث قصير مثير، ومضحك في الوقت نفسه، كما أن هناك هدفا تربويا قصده المؤلف من وراء هذه المسرحية.
ونرى في بداية هذه المسرحية الأطفال الخمسة الذين سيمثلون في هذه المسرحية يقدمون أنفسهم للجمهور، كما نرى ذلك في المسرحيات التي يكتبها برتولت بريشت – على وجه الخصوص – وهو يقصد من خلال تلك التقنية في كسر الإيهام والتغريب أن يظل ذهن المتلقي لتلك المسرحيات في تركيز شديد، ويدرك أن ما يجري على خشبة المسرح هو مجرد تمثيل لعرض قضايا مهمة يجب أن يكون له رأي فيها.
وأعتقد أن يعقوب الشاروني قد قصد من هذه المقدمة في هذه المسرحية إيجاد مساحة من التفاعل بين الممثلين لهذه المسرحية والجمهور المتلقي لها من الصغار، كما أنه قد قصد أيضا من وراء ذلك تجديدا في شكل المسرحية الموجهة للطفل بالاستفادة من شكل المسرح الملحمي.
ونرى في هذه المسرحية صاحب مزرعة يعامل كلبه بود ورفق، ويتقبل منه قفزاته وتمسحه به عندما يدخل عليه ويقترب منه، ويسأل الحمار الصغير الكلب عن سبب حب هذا الرجل له، وتدليله إياه، وسماحه له بأن يلتصق به ويتمسح به، فيخبره أن سبب ذلك هو أنه يحمي له بيته ومزرعته، ومخزن الغلال الخاص به، فيرد عليه الجحش بأن ما يقوم به لذلك الرجل أكثر مما يقوم هو به له، فهو يحمل له السماد والحبوب، وأشياء أخرى.
ويعتقد الجحش أنه يستحق أن يدلل كالكلب؛ فيحاول أن يقلد الكلب أمام ذلك الرجل، فيتمسح به، ويتقافز أمامه، ويكون من نتيجة ذلك أن يصطدم الجحش بذلك الرجل، فيوقعه على الأرض، ويستغيث الرجل بابنه، فيأتي إليه، ويطلب إليه عقاب هذا الجحش؛ لأنه تسبب في وقوعه على الأرض وألمه، فيضرب الابن الحمار بشدة، ويطلب إليه والده بعد ضربه للجحش عدة ضربات أن يتوقف عن ضربه، ويقول له: يكفيه الضرب الذي ضربته له؛ لأننا بحاجة إليه، فهو يحمل لنا السماد والحبوب.
وتنتهي المسرحية بظهور الطفل الذي يقوم بدور الراوية فى هذه المسرحية – وكان قد ظهر في بدايتها أيضا وقدم لها – ويعلق على أحداثها بقوله: “تعلمنا هذه الحكاية أن الإنسان الذي يصلح لعمل قد لا يصلح لعمل آخر، ابحث عن الشيء الذي تتقنه، فتصبح لك أكبر قيمة”.
وفي اعتقادي أن حكمة هذه المسرحية ليست فيما ذكره المؤلف في نهايتها على لسان الطفل الراوي في أن من يصلح في عمل قد لا يصلح في عمل آخر، بل إن حكمتها هي إياك والتقليد الأعمى للآخرين، فقد رأى الجحش في هذه المسرحية أن له فوائد مع هذا الرجل لا تقل عن فوائد هذا الكلب معه – وللجحش الحق في ذلك – واعتقد الجحش بذلك أنه يستحق أن يدلل كالكلب، فيتمسح بذلك الرجل، ويتقافز أمامه كما كان يفعل الكلب معه، ونسي أن ذلك الدلال وتلك الحركات من الكلب تكون مقبولة منه، أما هو فلن تقبل منه، ومن ثم فأؤكد مرة أخرى أن خطأ الجحش هنا كان في تقليده الأعمى للكلب دون أن يدرك الاختلافات التي بينه وبين الكلب.





