الذات والوجود والبحث عن المعنى: قراءة تأويلية-ظاهراتية في كتاب ” الولادة أو الولوج إلى المعنى” للأستاذة الجزائرية سلمى معيوف -عبد الغفور مغوار – المغرب



المقدمة
ثمة لحظات في الوجود البشري تبدو وكأنها تقع خارج الزمن، لحظات تنفصل فيها الذات عن دوامة اليومي وتعود إلى شيء يشبه أصلها الأول؛ إلى شعور غامض بأن الحياة ليست مجرد عبور عابر، بقدر ما هي حدث مليء بالعلامات والموعظة والأسئلة. هناك، في المسافة التي يتردد فيها الوعي بين ما كان وما ينبغي أن يكون، تتولد أسئلة المعنى، ويستيقظ ذلك القلق الشفيف الذي يميز الكائن الإنساني عن كل ما حوله. كأن الوعي، في جوهره، ليس إلا ندبة روحية تستشعر فقدانا أصليا وتحث صاحبها على البحث عن اتجاه يقود إلى جوهر مغيب قد يفضي إلى جواب نهائي وإن كان ذلك بعيد المنال.
في هذه الأرض البينية، حيث تتشعب الطرق، تتقدم الذات نحو نفسها كما لو أنها تلد حضورها الجديد. إنها ولادة ولدت من احتشاد باطني تتصارع فيه الرغبة والمعرفة، الحنين والشك، اليقين واللايقين. ولادة لا تكتمل، لأنها تسير في خط متقطع، خط تتخلله كم من هوة من العدم، وكم من انخطاف وانجذاب نحو المعنى. وفي هذا الخط المتعرج يتكون ما يمكن تسميته بـ “الحياة الفلسفية للإنسان”، أي تلك القدرة العجيبة على تحويل التجربة الداخلية إلى مادة للتساؤل، والقلق إلى بصيرة، والحدس إلى طريق.
هنا، في قلب هذا الاضطراب المضيء، يتموضع كتاب “الولادة أو الولوج إلى المعنى” للأستاذة الجليلة سلمى معيوف، وهو عمل لا ينتمي بالكامل إلى جنس الفلسفة المدرسية ولا إلى حقل الأدب الخالص، بقدر ما يقيم في منطقة تخوم تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع تحليل المفاهيم، ويلتقي فيها التأمل الروحي مع الأسئلة الوجودية الحارة. كتاب يحاول أن يمسك بخيط المعنى في زمن تتناثر فيه الخيوط وتتوزع فيه الذات على مرايا متكسرة لا تمنح انعكاسا كاملا ولا صورة مطمئنة.
إن سؤال المعنى، بهذا الاعتبار، هو أكثر من مجرد تيمة فكرية متكررة؛ إنه جرح مفتوح في صدر الحداثة المتأخرة. فمنذ أن فقد الإنسان بوصلات الميتافيزيقا الكبرى، وأعاد ترتيب العالم وفق مركزيته ووعيه وعلومه، تكشف له أن مركزه نفسه لم يعد ثابتا، وأن الوعي الذي بشر بالتحرر تحول إلى عبء ثقيل. هكذا انكشفت أزمة المعنى كعلامة مميزة للعصر الذي نعيش فيه: عصر امتلأ بالصيغ والتقنيات، لكنه افتقر إلى الدفء الروحي؛ عصر صارت فيه الموضوعات واضحة، لكن الإنسان نفسه غامضا على نحو غير مسبوق.
هذا الوعي المأزوم، الذي لم يعد يجد مأواه في يقين اللاهوت القديم ولا في صلابة العقل التنويري، هو ما يحاول الكتاب أن يجاوره وأن يفكك بنيته. إذ لا تتعامل مؤلفة “الولادة أو الولوج إلى المعنى” مع الذات بكونها موضوعا معرفيا بقدر ما تقدمها ككائن متورط في العالم، كوعي يجر معه حمولة من الآلام والخسارات والخوف، لكنه – في الوقت نفسه – يظل قادرا على العثور على فتحة ضوء، على نبضة حضور تذكره بأن الوجود ليس كله صمتا.
بذلك، يندرج الكتاب ضمن تقاليد فكرية واسعة شغلتها مسألة الوعي الجريح: من الوجودية التي كشفت هشاشة الذات أمام العبث، إلى التأويلية التي رأت في اللغة أفقا للكينونة، وصولا إلى التحليل النفسي الذي اعتبر اللاوعي خزان المعاني الخفية والآليات الدفاعية التي تعيد تشكيل الذات. ومع هذا الانفتاح على تاريخ الأسئلة الوجودية، يظل العمل المعروض هنا مشدودا إلى هم شخصي: إعادة صياغة علاقة الإنسان بذاته وبالعالم، وإيجاد مدخل نحو معنى لا يُفرض من الخارج، بل يُستولد من الداخل.
ولعل القيمة الأولى لهذا الكتاب تكمن تحديدا في جرأته على العودة إلى مفاهيم محورية – كالولادة، الولوج، المعنى، الذات، الروح – لكنه لا يعود إليها بمدلولاتها المعجمية، إنما يستعيدها كتمارين روحية، كعناصر ظاهراتية تُدرس في لحظتها الأصلية: لحظة الظهور الأول. فالولادة هنا حدث أنطولوجي يعيد ترتيب علاقة الإنسان بالوجود. إنها “البدء” الذي يوقظ الوعي ويحرره من سباته. أما الولوج إلى المعنى، فهو تلك الحركة التي ينتقل فيها الإنسان من مجرد الوعي بالفراغ إلى الرغبة في ملئه، من إدراك الأزمة إلى القدرة على تحويل الأزمة نفسها إلى معرفة.
ومن هذه الأرضية تنبثق الإشكاليات الكبرى التي ستحملها الدراسة الحالية:
كيف تتصور الكاتبة الوعي المأزوم؟ وما طبيعة العلاقة بين “الولادة” و”الولوج”؟ هل يتحدث النص عن ولادة رمزية للذات أم عن ثورة داخلية تعيد تشكيل الهوية؟ أين يتجسد أثر الحداثة، وما حصة الإنسان منها؟ ثم: ما مدى تماسك البناء الفلسفي الذي يشكله الكتاب؟ هل يحافظ على نسق واحد، أم يترك ذاته مفتوحة على احتمالات تأويل متعددة؟
هذه الأسئلة تشكل الخلفية التي ستستند إليها القراءة التأويلية – الظاهراتية التي نقترحها. فالكتاب بطبيعته ينتمي إلى نصوص “الحدوث الروحي”، أي تلك التي لا تقرأ مثل مقالات فلسفية جافة، وإنما تُعايَن بكونها تجارب، تأخذ معناها من الطريقة التي تظهر بها، ومن الكيفية التي يُبنى فيها العالم أمام القارئ. إنه نص يقدم ذاته كحدث، وكصوت يشير إلى الداخل أكثر مما يشير إلى الخارج.
وعلى هذا الأساس، تهدف الدراسة إلى فك البنية الفلسفية للنص، والاقتراب من منطقه التأويلي – الظاهراتي، مع محاولة كشف أثره في الخطاب الأنطولوجي المعاصر. فالحديث عن “الولادة” و”المعنى” و”الوجود” لا يمكن أن يتم دون المرور بما تركته الفلسفة الحديثة والمعاصرة من مفاهيم وأزمات ومسارات. ولذلك، سيكون من الضروري مقارنة مفاهيم المؤلفة ببعض المرجعيات الكبرى: من أفلاطون وأوغسطين إلى هايدغر وميرلو- بونتي ومنابع التصوف الإسلامي.
في عمق هذا السياق، يتبدى أن “سؤال المعنى” لم يعد منفصلا عن أزمة الحداثة نفسها. فالحداثة التي وعدت بتحرير الإنسان، وبتوسيع أفقه، وبجعل العقل سيدا على العالم، دفعت هذا العقل – من حيث لا تدري – إلى عزلة خانقة. صار الإنسان حداثيا إلى الحد الذي فقد فيه القدرة على الإنصات إلى صوته الداخلي، وتحول فيه الكون إلى آلة ضخمة لا مكان فيها للمجاز ولا للدهشة. ولعل هذا الفراغ الروحي، الذي تحدده المؤلفة بعبارات مختلفة، يمثل “الخطيئة الكبرى” لهذا العصر: تفكيك العالم دون إعادة تركيبه، وخلق إنسان يستطيع أن يعرف كل شيء عن الأشياء، لكنه لا يعرف شيئا عن نفسه.
هكذا تصبح العودة إلى “الولادة” محاولة للعثور على معبر نحو العالم، على بداية جديدة تتيح للذات أن تبصر من جديد، وأن تستعيد القدرة على التساؤل. فالإنسان – كما يصفه هذا الكتاب – مشروع مفتوح، صيرورة لا تنتهي، ورغبة في تجاوز النقائص التي تعريه أمام ذاته. وهذا التوصيف يضع العمل في حوار مع مدرسة طويلة من الفكر الوجودي التي ترى أن الإنسان لا يُعرّف بما هو عليه، بل بما يسعى لأن يكونه، وبما يقرره أمام حدوده.
على أن هذه الولادة، مهما بدت متعالية، لا تخرج عن سياق الحياة اليومية بكل تناقضاتها؛ فلا معنى يولد في الفراغ. المعنى يحتاج الكلمة، والصوت، والعلاقة مع الآخر، وتجربة الانكسار، كما يحتاج إلى السؤال الذي يهز اليقين. ولذلك، يلتقي الكتاب بين لغة شاعرية تلامس تخوم التصوف، ولغة مفهومية تستعير من الفلسفة أدواتها، فيمزج بين الحضور الوجداني والتفسير العقلي، دون أن يقع في القطيعة مع أي منهما.
من هنا جاء اختيار المنهج التأويلي- الظاهراتي ليكون الإطار الأنسب لقراءة العمل. فهذا المنهج يتتبع تجليات المؤلف دون أن يفرض عليه نسقا خارجيا، كما يصغي إلى الكيفية التي يتشكل بها معناه من الداخل. إنه قراءة في “كيفية الظهور”. فالكتاب يقدم تجربة أكثر مما يقدم نظرية، وهذا يقتضي قارئا يقترب من النص باعتباره “عالما” مكونا لا يُفهم إلا بالمرور عبر طبقاته المختلفة: الطبقة الشعورية، الطبقة الروحية، الطبقة العقلانية، ثم طبقة المصالحة التي تتحد فيها الذات بعناصرها المتنافرة.
إن القيمة المعرفية للعمل المعروض هنا لا تنفصل عن أثره الوجودي. فهو ليس كتابا عن الذات بالمعنى الأكاديمي الضيق، إنما هو محاولة لجعل الذات تسمع نفسها من الداخل. ولعل هذا ما يمنحه موقعا مميزا وسط الإنتاج الفلسفي العربي المعاصر، لأنه يستعيد السؤال الأنطولوجي من زاوية لا تخضع لسلطة المناهج الأكاديمية وحدها، بل أكثر من ذلك، إنها تنفتح على التجربة الشخصية في ذروتها. وهذا الانفتاح على “الخبرة الداخلية” يمنح النص حرارة تفتقر إليها كثير من الكتب المنظرة.
من جهة أخرى، تصنع علاقة الكتاب بالحداثة مشهدا نقديا غنيا: إذ يعتبر العمل أن الحداثة لم تخطئ لأنها حررت العقل، بل لأنها جعلته معيارا أوحد، ونسيت أن الإنسان يحمل أكثر من بعد واحد، وأن الروح – مهما اختلفنا حول معناها – تعتبر مكونا أساسيا في التوازن الوجودي. وهذا ما يدفع المؤلفة إلى مساءلة ذلك الفصل الحاد بين العقل والروح، وإلى اقتراح نوع من التوفيق الذي لا ينفي العقل ولا يلغيه، ولكنه يعيد له مكانه داخل الانسجام الكلي. فالعقل، بطبيعته، يميز ويفكك ويحلل، غير أنه يحتاج إلى الروح كي يعطي لما يميزه معنى، ولما يحلله قيمة.
هذا الحوار بين الروح والعقل ليس جديدا في تاريخ الفلسفة، لكنه يظهر في الكتاب بلغة قريبة من القارئ المعاصر، ويعبر عن قلق اليومي أكثر مما يعبر عن تنظير ميتافيزيقي مجرد. فالذات الحديثة ممزقة بين صخب العالم الخارجي وصمتها الداخلي، بين السرعة التي تفرضها الحياة المعاصرة والحاجة إلى التأمل التي تنقذ الوجود من السطحية. وهكذا تصبح “الولادة” ضرورة: ضرورة لالتقاط الأنفاس، ولإعادة التفكير فيما يبدو بديهيا، ولمعرفة ما إذا كان العمر قد مضى دون أن نطرح على أنفسنا السؤال الأول: لماذا نحن هنا؟
ومع أن الكتاب يقدم ما يشبه “خارطة روحية” للبحث عن المعنى، فإنه لا يدعي امتلاك الحقيقة أو الوصول إلى إجابات نهائية. بل يدعو القارئ إلى اختبار معانيه الشخصية عبر التجربة، وكأن النص ليس دعوة صريحة إلى الاقتناع، وإنما إلى الاستنارة؛ ليس إلى الاتباع، وإنما إلى التعرف على الذات، باعتبارها الكائن الوحيد القادر على ولادة معناه الخاص. وهذا الموقف يضع المؤلفة في خط تفكير يؤمن بأن المعنى يُكتشف ولا يُستعار، وأن الذات تُستكمل من قدرتها على الجلوس في مساحة الصمت حيث تبدأ الحقيقة في التشكل.
وبالنظر إلى هذا الأفق الفكري الرحب، تسعى الدراسة الحالية إلى تفكيك طبقات النص وتتبع بنيته، وإظهار محاوره الأساسية، بدءا من مفهوم الولادة والولوج في التراث الفلسفي، مرورا بلغة المؤلفة التي تجمع بين الشعر والتأمل، وصولا إلى الثنائية الكبرى التي يحملها النص: ثنائية الإنسان والله، أو الإنسان واللامرئي، تلك العلاقة التي تشكل علاقة توتر وانجذاب في آن واحد، وتجعل البحث عن المعنى مسارا بين الأرض والسماء، بين الجسد والروح، وبين المعرفة والإيمان.
سنعمل، إذن، على تقديم قراءة لا تنفصل عن إحساس النص بذاته، قراءة تنطلق من ظاهرياته، من لحظة ظهوره، وتسلم بأن كل معنى يولد في صمت التجربة قبل أن يولد في لغة المفهوم. ولأن الكتاب يظل مفتوحا على تأويلات مختلفة، سيصبح دورنا هو بناء جسر يربط بين صوت المؤلفة ونسيج التراث الفلسفي الذي تتحاور معه، دون أن نفقد حرارة السرد الذاتي الذي يشكل جوهر النص.
وبهذا، تتبدى الملامح الأولى لرحلة نقدية تهدف إلى:
– كشف البنية الفلسفية للنص،
– تحديد خصائص المنهج الظاهراتي – التأويلي فيه،
– إبراز مساهمته في النقاش المعاصر حول أزمة المعنى،
– وتحليل مدى انسجام البناء الفكري الذي يقترحه.
هذه المقدمة ليست سوى عتبة أولى في مسار طويل سترافقنا فيه أسئلة الذات والوجود، ولحظات الانكسار والرجاء، ومفاهيم الخير والنور والمعرفة والقلق، لنكتشف برفقة المؤلفة سلمى معيوف أن الإنسان، مهما طال تيهه، سيظل يبحث عن معنى… وأن هذا البحث نفسه هو أقصى أشكال الولادة وأعمقها.
I– الإطار النظري والمفاهيمي
إن فهم البنية المفهومية لأي كتاب يشتغل على سؤال المعنى خطوة أساسية قبل الدخول في تحليل بنيته الداخلية. فالمفاهيم بالإضافة إلى كونها أدوات لغوية فهي البنية التي يتشكل عبرها التفكير ذاته؛ وكل نص يتعامل مع قضايا الذات والوجود يحتاج إلى أرضية تفسر من أين تتولد مفاهيمه، وكيف تتشبع باللغة التي تتخلق عبرها الأفكار. من هنا تأتي ضرورة تقديم إطار نظري يضيء المفاهيم المركزية التي تتأسس عليها تجربة الكتاب: الولادة، الولوج، المعنى، الذات، الحداثة، الروح، العقل. وهذه ليست مفاهيم متفرقة، إنها شبكة مترابطة تمنح النص صوته وتكشف أفقه.
هذا المحور، إذن، سيكون محاولة لتحليل الأساس الفلسفي الذي تستند إليه المؤلفة، مع قراءة نقدية لملاءمة هذه المفاهيم للمنظور العام للكتاب. فهو محور يجيب عن سؤال: من أي تراث فكري تنطلق المؤلفة؟ وأي أفق مفهومي تحتضنه التجربة التي تعرضها في كتابها؟
1– مفهوم الولادة والولوج في التراث الفلسفي
أ) الولادة عند أفلاطون، أوغسطين، هايدغر، ومنابع الصوفية الإسلامية
يأتي مفهوم “الولادة” في كتاب الولادة أو الولوج إلى المعنى باعتباره مفهوما مركزيا يفتح مسار التفكير، ويمنح الذات طاقة الانطلاق نحو سؤال الوجود. ومن المفيد وضع هذا المفهوم ضمن سياقه الفلسفي الواسع، لأن أي استخدام حديث له يحمل بالضرورة أثرا من جذوره القديمة، سواء أدركت المؤلفة ذلك أم لم تدرك.
يقدم أفلاطون تصورا يجعل الولادة عودة للنفس إلى ما كان أسبق منها، إذ يرى أن المعرفة ليست اكتسابا جديدا، بل تذكرا لما أدركته الروح قبل اتصالها بالجسد. وهكذا تصبح الولادة لحظة انكشاف لما كان كامنا، وانفتاحا على عالم المثل الذي تُقيم فيه الحقيقة. ويؤكد أفلاطون هذا التصور في محاورة “مينون“، حيث يبين أن النفس خالدة وأن “كل التساؤلات والعلوم تكون تذكرا”، كما يرد على لسان سقراط:
“إن الروح خالدة ولا تفنى، وأنها تتذكر كل شيء عرفته… وأنه لا يوجد تعليم بل تذكر فقط.» ثم يعزز ذلك بتجربة العبد غير المتعلم قائلاً:
“إنه يسترد معرفته بدون أي تعليم، وهذا الاسترداد هو التذكر.” (أفلاطون، المحاورات الكاملة، ترجمة شوقي داود تمراز، دار نشر المعرفة، ص 15.)
وإذا قارنا هذا التصور بما ورد في الكتاب موضوع الدراسة، فإننا نجد أن المؤلفة تقارب الولادة باعتبارها انكشافا داخليا تستفيق من خلاله الذات على قابليتها للمعنى. وهذا يضع النص في حوار غير مباشر مع أفلاطون، خاصة في فكرة الانبثاق الداخلي الذي يتجاوز المادة.
أما عند أوغسطين، تفهم الولادة كعودة إلى الداخل، إلى ذلك الموضع العميق الذي يتجلى فيه نور الحقيقة. فالحقيقة عنده تنال بالارتداد إلى أعماق النفس، حيث يشرق نور الله ويهدي العقل إلى المعرفة. إن هذه “الولادة الداخلية” هي تجربة روحية يتجدد فيها الإنسان ويعود إلى أصله الأنطولوجي، أي إلى العلاقة التي تربطه بالمبدأ الإلهي الذي ينير وجوده.
ويعبر أوغسطين عن هذا التصور بوضوح في الاعترافات، إذ يقول: “لا تخرج إلى الخارج، بل ادخل إلى ذاتك: ففي الإنسان الباطني تقطن الحقيقة. وإذا اكتشفت أن طبيعتك متبدلة، فتجاوز نفسك. وتوجه إلى حيث ينعكس نور العقل. (القديس أوغسطين، “الدين الحقيقي La vera religione”.)
هذا المبدأ يجعل الداخل مكانا للمعنى يتفتح فيه الكيان كلما ازدادت قدرة الإنسان على الإصغاء إلى صوته العميق. ومن هذا المنظور، يغدو الولوج إلى المعنى شبيها بولادة ثانية تتحقق عبر إيقاظ الباطن وتحرير ما يحتويه من نور وإمكان.





