مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

أَكْرَهُكَ أَكْرَهُك – عبد الله خطوري

صورة قريبة لرجل بالغ ذو لحية خفيفة، يرتدي نظارات وملابس داكنة، ينظر مباشرة إلى الكاميرا بتعبير جاد.

_اُدْنُ مني يا أنايَ …

دنوتُ أقرب فأقرب حيث أشار .. شممتُ رائحة أقراص أدوية وسوائل مُعقَّمَة وأسلاكا تذوب .. مدّ يديه ناحيتي .. تقدمْ أقبلْ .. قال .. ففعلتُ، وما كادت أنامله المرتعشة تلمس رؤوس أصابعي حتى هَبَّ من مقعده واقفا مُمسكا يَدَيَّ يَجرني إليه جَرة واحدة كانت كافية لتلقي بي في حِضنه …

_آآآآآآه ..

صاح صرخ كذئب عجوز ونحن نهوي على بعضَيْنا في أحشاء الأريكة التي راحَتْ تهتزُّ دون أن تفقد توازنها …

_ريحْتْ نَتْمُورْتْ … (رائحة البلاد)

استرسل جائرا يصيح بحرقة يضمني إلى صدره بقوة وضرواة .. ريحْتْ نَلْفَحْصْ رِيحْتْ نُوشالْ ريحْتْ نْمَرْيَمْ خالي خالتي عمتي الزَّهْرا خْدِيجا والأرعن عبدالسلام هُوهات سيعْلي انحدار ميمُونا أولْتْ عَيَّاد جمرات ميمونا إيمحطْرَنْ عُصَيْفير تاهْريدَانتْ .. آمَمِّي آمَمِّي .. عَطسَات بَبَا حَدُّو .. آزَرِّيعْتْ القَنَّبْ .. يتذمر بها والدي و .. هْدَا يَا هْدَا .. تصدح بها في وجه الصغار والدتي لا تتعب لا تكل لا تتبرم وو .. رائحة الرجال نسيم الصبايا شقاوة الفتيان في عين البلدة الصبوح بُعَيْدَ أصائل الحصاد .. و .. بكى .. لقد أدركتُ وأنا في فيضان مشاعره المضطرمة ما كان عَلَيَّ إدراكه منذ الوهلة الأولى، لا، لم أدرك شيئا، بل أحسستُ بكل ما كان يجب عَلَيَّ الإحساس به، وصمتتُ غارقا في الصور المتزاحمة الملتبسة تخترقني تدثرني تُريني من الآيات الكبرى ما لا يُعقلُ أو يُفقهُ أو يُـرَى .. لقد كان هناك معي منذ البداية، في كل حركة خُضْتُها، في كل سكنة سكنتُها كان يسكنني، في كل طرْفة عين أو آعتصارة قلب أو خلجة سمع كان يسمعني .. لقد عشعش رأسي بأفكاره الشوهاء وأسئلته المتناسلة السارحة في تلافيف ما عشتُهُ من تجارب .. كالتابعة تَبِعَنِي .. لم يبرحني مطلقا ..

_أووف أرهَقْتَني

قلتُ أتخلصُ ما أمكنني من حدبه الغامر الطافح …

_ما باليد حيلة

_لِـمَ فَعَلْتَ بي ما فعلتَ؟

_لمْ أفعلْ شيئا

_لِمَ لَمْ تتركني لنفسي للحظتي لعُمْري الغرير أعيشُه يعيشُني ؟

_كنتُ أستدعيكَ إلـيَّ

_لِـمَ ؟

_كي لا تهرب مني

_لِـمَ ؟

_كي لا تتوهَ عني

_لـمَ ؟

_كي لا أضيعَ منك

_أناني .. لا تفكر إلا في نفسك فيمَ ينفعك أو يضر .. أما أنا .. فلا قيمة لديَّ لا آعتبار .. حتى طفولتي سلبْتَها ..

قلتُ متهدجا حانقا أستجمعُ قواي كي لا أنهار أمامه …

_لا تقْسُ عليّ .. لم أسلبك شيئا .. كفى ما حصل لي .. يكفي ..

_لِمَ لَمْ تتركْني لغرارتي تكبرُ أكبرُ في حِضنها على مهل ألهو وآلفتيان في صُبَيْحات آلبراري في ضحيات آلمجاري في أصائل آلآكام في عتمات آلأجمات، ما دخلكَ أنتَ .. ما شأنك وإياي، لقد أخَذْتَ فرصتك يا هوووهُ أفْسَدْتَها، لِمَ ضيعتني وإياها .. عَقَرْتَني مرارا أغرقتني في آلوساوس وآلهواجس وسوء آلظنون .. غَمَرْتني بما لا يطيق صبايَ، بترتَ بداياتي حَمّلْتني فوق آستطاعتي .. أفسدتني .. يا أنت، يا أنايَ آلمشؤومة، اغتلْتَني اغتلتني …

_كان لا بُدَّ أنْ أفعلَ ما فعلتُ، أنْ أحسمَ الأمور، أَنْ أتدخلَ، أَنْ أُسَويَ ما يلزم تسويته أُعَدِلَ ما يجب تعديله، اَنْ أملأ الفجوات أنقحَ الهفوات أُرَمِّمَ العثرات .. وأُسَوِّدَ ما يجب تسويده .. هذا واجبي وإلا ..

_وإلا ماذا ؟

_وإلا ضيَّعْتُكَ من جديد

_ما شأني ؟؟

_كيف ؟ ما شأنك ؟ لقد فعلتُ كل ما فعلتُ من أجلك يا هذا من أجلنا جميعا، من أجل كل السنين التي خَلَتْ من أجل عمرك الآتي ..

_لا أريدُ عُمْرًا آتيا، أريدُني الآن كيفما آتفق أكونُ لا يهم ..

_تلك غايتي، ذاك مُرادي أستعيدُ طفولتي

_لقد أقْبَرْتَني في تصورك أنتَ لطفولتك لتمثلك، لكيف يجب أَنْ تكون .. أوووف .. أعْطَيْتَني ما لا أطيقُ من الأعمار …

_كل شيء بقضاء

_لا، إنها إرادتكَ قَتَلَتْ إرادتي نَزَعْتَها مني عَدَّلَتْها مَشيئَتُك بما يليق برجاحة عقلك القبيح .. تبا ..

_لا تكنْ غليظ القلب هَدئ روعك

_أتْلَفْتَ كل شيء .. وها أنا أرطنُ كببغاء بلسان غير لساني .. لقد أصَابَتْني عدواكَ أيها الوباء .. مَسَخْتَني مَسَحْتَني

_آآآخْ خْ .. يا أناي الصغيرة، يا عهديَ الآبق مني، يا سليقتي المطموسة .. ألا رأفْتَ بي ..

راح يتشنج عاقدا ما بين حاجبيه وقد أزحْتُ يديه من على عنقي بعصبية وغضب

_بعَّـااادْ .. لا أريد أنْ أراك ..

طفقتُ أصرخُ في وجهه باكيا

_أكرهكك أكرهكك ..

_لا .. أرجوك كفى

_أكرهك أكرهك

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading