مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
السرد الأدبي

أنَا مِنْ ذَاكَ آلتُّرَاب – عبد الله خطوري

صورة قريبة لرجل يرتدي نظارات وقبعة، يظهر تعبيره الجاد وهو ينظر إلى الجانب، مع خلفية دافئة.

_ جُحُودُ وَاقِعٍ :
بلدة ( الفحص ) بفَلَوَاتها الجانبية الفارغة باديةٌ قاحلة صيفا .. هكذا رأيتُها في كل المرات التي مكثتُ فيها ردها من الزمن خلال بعض العطل الصيفية.وأنتَ تتجول في شعابها، لن تجدَ الأشجار إلا في الوسط ( دَكّامَّاس نتمورت ) ممتدة عبر حفافي الأودية والمنحدرات .. أدواح زيتون معمرة تتعالق وأعراش العنب والتين والجوز واللوز البلدي المر والحلو .. وشُجَيْرَتانِ تخطفان المقل شاهقتا السموق ترتفعان عموديا بشكل مستقيم ممتد نحو الأفق.توازي أغصانها ساق الشجرة الفارع الطول وسط البستان المحاذي للعين؛ وثالثة ورابعة ( دي تابحيرت نْ وَزْدَادْ ) وأخرى دي ( تاشراراشت ) .. إنها نوع من شجر الحـور ( أبليليز ) الذي كنتُ أتفاءلُ به أيما تفاؤل؛ ونتيجة لطولها السمهري، فقد كانت أول شيء يُـرَى من معالم البلدة حين أدخلها من ناحية الشرق قادما من عند والدة والدي ( يما رقية ) التي أمكثُ عندها يوما أو يومين في سفري السنوي الذي ينطلق من وجدة إلى تازة فَــرحبة سوق ( بابْ لارْبَعْ ) و ( تنينا آيت عبد الحميد ) ثم دوار الفحص عبر قرى ” بوشعير ” و ” جامع السوق ” و ” تادارت آيت الفرح ” … وفور رؤية العين لأفنان الحور الفارعات الطول، تستشعرُ أذنها الداخلية شقشقة الجنان وسلسبيل أمواه تتلحف الهناءةَ والدعة، تنسابُ هنا تسيخ هناك؛ فأنتشي بسعادة الوصول، لِمَا لهذا الوصول من راحة ورواء وتحقيق الغايات .. إن نموها على ضفاف الأنهار وتوسطها بساتين الرياحين وأعشاب البر والخضر والأغراس يجعلها متوجة كواحة للواحات في خواءات سحيقة عامرة بالحلفاء والدوم والتراب والحجر … تحت ظلالها، كنا نرتع نقضي أوقاتا هنيئة سواء داخل أحضان الحدائق التي تتغذى من مياه نبع ( العين ) بحوضيْهِ المترعين أبدا، أو خارجها في مسارنا اليومي إلى بحيرة ( تامدا ) ووادي ( المشرع ).أما أشجار البلوط الداكنة، فتنتشر بسخاء في هضبة ( بولرباح ) و ( بنعمان ) طريق سوق أبريد نْـ ( سيدي براهيم ) عبر مزار ( سيدي عامر ) غربا و بستان ( تابحيرت أومزوز ) و منطقة ( تازرين ) جنوبا … أما ماعدا ذلك، فيغزو الفراغ الشاهق الساحق المنبسطُ العينَ يقتحم الرؤيةَ خاصة بعد عملية الحصاد في شهر آب التي تجعل أديم العرصات ببقايا سيقان الزرع المفرومة كفروة رأس حديثة وسيئة الحلاقة.يظهر هذا جليا في سهب ( لعري نلوطا ) المحاذي للمقابر إيمطلان وعقبة تاسطرتْ نَلْوازْ وأطلال الخوارب المحجرة … وحده الدوم الأخضر اليافع و ديس ( أدلس ) الحاد الجارح يسيطران على البسيطة الناتئة المليئة بصخور زرقاء رمادية فاتحة دكناء هشة سريعة التفتت إلى حصوات ( أمزاز ) دقيقة لا تساعد على تخصيب وتغذية وإنعاش التربة التي يمكن أن تحتضن أنواع النباتات التي تنمو عادة في السهول .. حتى المياه، لا تستقر في ثناياها أو عبر مسامها وداخل أغوارها، فما تكاد القطرات تستقر على السطح هنيهات حتى تتشربها الأتربة الفقيرة اليابسة الجعداء تودي بها إلى أغوار لا قرار لها أو تصرفها إلى أودية مجاورة _ وما أكثرها _ عبر منحدرات وجرف منتشرة في كل مكان … لذلك، فحتى العواصف الممطرة الطارئة في أصائل الصمايم أو المزمنة في ليالي تاجرست المديدات لا تضيف للأرض جديدا اللهم الإبقاء على أعشاب البر الموجودة أصلا المتناسلة عبر الأزمنة … ( زوشن، زوي، زعتر، فليو، أشتال، كُوشَمْغَلْ، تيبي … ) وجلها فصائل قزمية قوية الرائحة نفاذة لتأثرها بهبوب نسمات رياح الغربي الباردة الريانة الخفيفة، ويمكن العثور عليها بسهولة في ثنايا الوهدات وبجانب مسالك الطرقات، وتنتشر أيما آنتشار في قاع الأودية في أحضان ظلال أشجار ( طاقا ) القصيرة ونبتات الدفلى واللبلاب البري … دون ذلك، لن تجد إلا هبااااء منثورا في آلشعاب لا يستشعره الناس لا يحسونه مادامت الأنظار تتعالق مع المحيط في أجزائه الصغيرة لا في شموليته الواسعة .. الفلاحون جزء من أشيائهم المحيطة بهم، لا يتواجدون إلا داخلها، في كنهها، ضمنها، لا ينظرون لمجالاتهم عن بعد، لا يتركون مسافة بينهم وبين المدى الذي هناك وهنااالك .. طبيعة الأشغال التي يغرقون فيها ليل نهار، لا تدع لهم فرصة لهذا الامتياز المتعالي على مجال الرؤية التي تظل محصورةً في آحتياجاتهم الضيقة جدا، المحدودة في حياة معاش ينظر فيها الانسان ولا يبصر، يوغل ويغرق في التعب والكد .. والنتيجة .. وجود بالكاد يُــعَااااشُ … وحدهم الرعاة وعابرو السبيل وجوابو الآفاق والزائرون الموسميون والغرباء يستشعرون مثل هذه الخصيصة، وبنظرة خاطفة عابرة تسرقها العينُ من أعلا قمة وهدة ( بولرباح ) أو قشلة الفرنسيس ( لبوست إيروميين ) أو ( تيسرفين ) أو تلة ( تايْدا ) أو من خلال التلال المحيطة بمنطقة ( اللملاما ) تكفي لتكشف بشفافية هول هذا السديييم الذي يحجبه وهم الأدواح العتيقة لزيتون البلدة المعمر .. بلدة ( الفحص ) كانت دائما ملمومة على بعضها كبيضة طائر خرافة غاطسة في بلى العتاقة في عش أدهم ذي غبش، ترنو دُورُها الترابية إلى منحدرات فيحاء تتعرض لعوامل التعرية متنوعة عبر توالي مواسم القحط وضراوة الفيضانات، تطوقها نباتات الدوم و ديس ( إيدَلْسَاوَنْ ) ودقيق الحصوات .. قرية نائية فقيرة عجفاء رغم الرحابة المنتشرة في الأجواء … هكذا فكرتُ هكذا خمنت .. تبا .. أنا من هذا التراب ..

_ جُنُونُ آلْوِجْدَانِ :
في رغامها، تَنْسابُ ريحُ فُقَاعَتي آلساكنة مَشِيمَتي تتراقصُ مُنتشيةً مخبولة على حواف سراط زمن بوار لا تريد منطقا أو بديلا مِن مُناجاة خائبة أو مَناحة ناحبة .. تطيرُ تحذرُ آلشرخَ لأن للسّقُوطِ فجيعة وللانحدار آنصهار، فليقع ما يقع وليحدث ما يحدث .. أنا من ذاك التراب .. أنا من بلد من حجر آلصلد من بدو جلفت بداوتهم يمضغون الشيح قيصوم خرطال أمْنْسيخْ بَواقلَ تيبِّي أسَلْغَاغْ ثمار تَاسْليغْوَا، يهْصِرون يُذَوِبون آلصعاب، يبلعون ديدان الأرض يجرعون اِيمَرْدَادَّا يزدردون أمواه أغوار الأرض يمضغون جذور آلجذور بأتربتها الطرية الملتبسة، لا يبالون، يكشِطون جلود السحالي والأفاعي والحيات الرقطاء والعقارب الصفراء يَتَزَنَّرُونَ بسمومها تَكْسَنْ إيهيدارْ إي ييزْمَاوَنْ تَاسْتونيسْ، ينزعون أشواك آلقنافذ يفركون بها سُحنهم آلصلدة يسلبون سم الزواحف آلزعافَ يمتصونه، يقتل السمَّ السمُّ، يمضغون حبيبات الشعير غضة طرية ويابسة كجلاميد الصوان تْغَزَّنْ إيحَبّانْ في سماوات مرتفعات بويبلان تنكرارامت ايموزار مرموشا بولمان اِيمَغْرَاوَنْ وسهول البطاح وما قبلهما وبعدهما وبينهما من طرق من شعاب في مسار رحلات آباء الآباء .. أنا من ذاك التراب .. سكنتُ آلمغاور وآلكهوف دي مَجْ غْيول عمْتُ دي أغزر أزوكاغ طَوْحَغْ دي تغدرين أگد تبيرغوكالين تيمالليوين الْتَألف القيعان والأودية والخلجان سبحتُ والسابحينَ أضعتُ معالم إيبَرْدانْ في معارج الأفلاك والهلاك حَبَوْتُ دي تْسَرْفينْ تجوَّلتُ دَگْ مَلُّو نتلعينت أوزتجيت دي بولرباح ولعري بنعمان .. حفرتُ الصخر رَتَمْتُ آلحجر نمتُ في الخلاء وخيم الشّعََـر علفتُ أكواز الذرة وأوراق البلوط تمرغتُ في الرغام عفستُ آلقَتَام تفحَّمتُ تحت شموس تَعَاقَبَ قيضُ رُجومها الكاوية، لعقتُ خنائني بشوائبها سْتيمْني نتينْزارينْ، لبستُ العراء تَاكبيرْتْ ودرابلَ المجدوبين آنتعلتُ الحَفَا أرْكاسَنْ سوهيدور نيفوناسنْ تجرعتُ غصص الأحياء والأموات وذؤابات الثلوج وعواصف المطر وآلمروج، سْويغْ زي طْوارْطَا، من عفسة الأنعام بللتُ ريق الصباح آنطلقت عاريا كسهم خارق ( عَازِي ) متمرد كأرزية سامقة تسمو معاندة أثقبُ المعترضين أغتالُ عثرات الطريق أقتل أفتك في ظلمات دامسة داجية أرنو أبصر لا أهابُ .. أنا من ذاك آلتراب … أحلم أقضيَ ما سيأتي من لُحَيظات الأعمار هناك حيث عاش أبي أحمل عكاز تولستوي جراحَ كافكا بلاسمَ دوستويفسكي سواسنَ سونيا مارميلادوفا سيتار شانكار حُجيرات فيغجينيا وُولفَ شآبيبَ شوبانَ ضحيات شموس كوخ غيتارة هندريكس رقصات زوربا بسنتوره آلحنون صرخات بينك هجهوج باكو يا صااااح ينشدها باطما أتيه وطيفَ جيمتي المعتقة أصخب رافلا في ما تبقى لي من رؤى أحبرها بيدي أكتبها حروفا تنسجها جفوني أعاني لا أبالي بالأيام بالليالي وبما يحدث وما لا يحدث بعد ذلك لي .. أنا من ذاك التراب .. سَأُدَخِّنُ عُمْرَ آلْخَريفِ وأمْضِي لِحَالي بلاَ نَدَمٍ في آلطريقِ آلْكَسيفِ .. سَأُحَرِّقُهَا كُثُبا إرَبا تِلْكَ آلأُمْنِيّاتِ وألْقِي سَمَاديرَ آهَاتِيَ آلثّكْلَى بِيَدِي، في آشتِعالٍ أقَبِّلُهَا بِفَمِي ثمّ أغُورُ هُناكَ عَلَى مُدَدٍ تَتَجَعّدُ في يَرَقَاتِ دَمِي .. أنا من ذاك التراب .. تبا .. أنا من ذاك التراب …

☆ترجمات وإضاءات :
_ ( الفحص ) : اسم قريتي الصغيرة تقع ما بين اقليم تازا واقليم صفرو، فيها ولد ونشأ والدي ووالدتي في جبال الأعالي هناك في الأطلس المتوسط، وهي إحدى أرياف قبيلة ( آيت وراين ) الأمازيغية التي يستقر سكانها بأعالي الجبال بين مناطق مدن تاوريرت جرسيف تازا صفرو فاس آهرمومو تاهلا …
_تاهلا : بلدة شمال غرب بويبلان تعرف تجمعا سكانيا كثيفا من قبائل متفرقة أمازيغية أغلبها آهَرْمُّومو : بلدة في سفح بويبلان مناخها بارد لقربها من القمم العالية، أغلب قاطنيها أمازيغ
_ ايمغراون : تقع في سفوح شمال شرق بويبلان، تقطنها قبائل آيت وراين
_ مَرْمُوشَا : منطقة جبلية أمازيغية تقع جنوب بويبلان
_ بولمان : بلدة صغيرة أمازيغية تقع غرب جنوب بويبلان
_ سَرْبيسْ : تحريف كلمة ( سِيرْڤيسْ ) الفرنسية التي يقصد بها الخدمة العسكرية
_ تبيرغوكالين : طائر متوسط الحجم ضئيل أسود اللون بمنقار أحمر يشبه طائر الزمت يألف القيعان والأودية والخلجان
ايبَرْدانْ : جمع أبْريدْ هو الطريق والمسلك والمَجاز زوشن، زوي، زعتر، فليو، أشتال، كُوشَمْغَلْ، أسَلْغَاغْ وتَاسليغْوَا : نبتات جبلية عطرية قزمية تتميز برائحتها النفاذة وفوائدها الطبية الكثيرة …
_ تِيبّي : باقلة من البواقل البرية
_ ايمَرْدَادا : حشرات مائية
_ لَعْري نبنعمان : سهل شقائق النعمان
_ تَكْسَنْ إيهيدارْ إي ييزْمَاوَنْ تَاسْتونيسْ : يكشطون جلود آلسباع يتدثرون بها
_ تْغَـزَّنْ إيحبّانْ : يمضغون الحبوب
_ تودْرينْ تيبولايْ : الأطلال الدوارس
_ مَجَغْيُولْ : اسم كائن خرافي ( الغول ) يطلق على مكان معين معروف بخلوته
_ دي أغزر أزوكاغ :وفي الوادي الأحمر
_ طَوْحَغْ دي تْغَدْرِينْ : ارتميتُ في البِرَك
_ دي تْسَرْفينْ دَكْ مَلُّو نتلعينت أوزتجيتْ دي بولرباح ولعري بنعمان : أسماء أمكنة بمنطوق مزدوج أمازيغي وعربي تحيل الطبونيميا Toponymy عن علاقتها بما آرتبطت به من أنشطة وظيفية صحية وزراعية وفلاحية معاشية للأهالي
_ القشلة، الكُونور، تازرين، تيغرضين : مرتفعات بنى فيها الجيش الفرنسي قلاعا عسكرية لمراقبة أعالي بويبلان والوهاد والبطاح المجاورة
_ تاشراراشت : شلالات
_ بويبلان : جبل بالأطلس المتوسط يفوق ارتفاعه عن سطح البحر ٣٠٠٠ متر
_ تنكرارمت : منطقة أمازيغية بجبل بويبلان
_ آمّاسْ نتمورت : وسط البلاد
_ تلعينت أوزتجيت : عين شفاء الجرب
_ تَاكبيرْتْ : دربالة كسوة بردة تقليدية
_ أرْكَاسَنْ سوهيدور نيفوناسنْ:نعال من جلد ثيران الأبقار
_ الوجيق : طائر الزريق سمي كذلك محاكاة لصوته
عَازِي : لسان دارج تحريف لكلمة ( عاصي ) بمعنى المتمرد، وكانت اللفظة تطلق على متمردي ( آيت وراين ) ضد سلطة الفرنسيس بالمنطقة، جمع ( عازيين ) بمعنى ( عُصاة ) سونيا مارميلادوفا : شخصية أنثوية في رواية ( الجريمة والعقاب ) لدوستويفسكي
_ سيتار شانكار : ( سيتار ) آلة وترية هندية و ( شانكار ) هو الموسيقي الهندي ( راڤي شنكار ) المعروف
_ هندريكس : مغني أمريكي من أصل إفريقي
_ بينك : فرقة الروك ( بينك فلويد ) الانجليزية
_ هجهوج : آلة موسيقية وترية مغربية من أصل إفريقي
_ پاكو : ( عبدالرحمن پاكو ) مغني مغربي من مجموعة ( ناس الغيوان )
_ باطما : ( العربي باطما ) مغني مغربي من مجموعة ( ناس الغيوان )

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading