إِلَّا تِلْكَ آلْبُؤْرَة آلْفَاحِمَة – عبدالله خطوري

كان لابد من حلول ذاك اليوم الحاسم الذي سيعلن بطريقة جازمة نوعية العواطف التي يمكن أن يحسها طفلٌ صغير آتجاه والدة والدته، لتكون نقطة تحول في مسار علاقة الحواس مع بعضها البعض، دون أن يعنيَ ذلك تغيرا ما في سلوك التقدير الواجب على الصغير للكبير، بله احترام الحفيد لأمه الكبيرة … أبدا، ظل كل شيء على حاله كما جرت به العادات والأعراف إلا تلك البؤرة الفاحمة التي لم تستطع السنون رغم تواليها وآنصرامها أنْ تُمحيَ أثر وشم جرحها الأول القاتم والمُحرق … اِعتدتُ الصعود عبر السلم الخشبي إلى سطح الدار حيث أظل في رحابه فترات غير قصيرة أتأمل أرضية مبلطة بالأتربة وسيقان زرع يابسة ( لَبْرومي آنقارْ ) وحَلْفاء وحصوات دقيقة مبللة، وتبن وغبار بهائم وطبقات قطران وأغلفة ميكا سميكة تساعد في منع تسرب المياه الى الداخل، و أطيافا من البسط والحصائر منضدة هنا هناك حاويةً رزم دوم ( تيگزطمت ) وألوگي وحبات الفول وكرسانا والتين الأبيض والأسود وأنواعا من أعشاب البر وُضِعتْ مباشرة اتجاه أشعة الشمس كي تيبس وتجهز في وقت لاحق للاستعمال … وأنا فوق .. كنت أرى ما لا يُرَى .. الأشجار قريبة تعانق أفنانها وثمارها اليانعة الأنامل والمقل، في خمائل من ظلال بهية الجمال تداعب نسائمها الوجوه، أفردُ ساعديَّ على آتساعهما، أحركهما مغمض العينين كطائر قشيب يعشق الحياة، يهيم في جنائن وعرصات ذات رواء، لا يعاني الأوباء، لا يبالي بالعثرات، يطير في الأجواء فوق أعراش البراري والأحراش والمروج والحقول والبيادر والأجران بأجنحة البهاء، تهدهده أطياف قزح كما الفراشاتُ تغرق ألوانها في أقاح ربيع لا ينتهي أبدا … وأنا فوق تدنو الأعشاش من بدني الضئيل، من يدي، من أصابعي القصيرة، تسمع أذنايَ صخب الفراخ تعب رغد الحياة الجديدة عبا، تعيش ميلادها الأول، بداياتها الأولى المترعة بالحركة بالشقشقة بالعنفوان .. أكوام من القش وخشاش العَنان والأدواح وأشكال لأصناف عديدة متنوعة من الأطيار كنتُ أتأمل أبصرُ وأرى …
_ آوْرى أتمشلوت / تعال تناول غذاءك
سمعَتِ العينُ الصوتَ المنادي يتكرر مرارا ولم تأبه .. كان الحلم أكبر من كل جائر ومعاد .. ألوان ترفرف في الضياء في الظلال في الرواء في العطاء في الهضاب في الجبال في السماء .. آه .. مريم .. نعم .. إنه لخالتي مريم .. فرخ صغير أصفرُ أخضرُ أحمر بالكاد يطير هنيهات وينتظرُ .. حَلَّ بيدي، فَخَطَرَتْ ببالي .. إنه لها .. هكذا للتو فكرتُ خمنتُ وقررتُ .. ومع توالي إلحاح النداء، هبطتُ متريثا من سماواتي العلا، في حذر أطاُ درجات السلم وكلي فرح وحبور بما قمتُ وسأقوم به …
_ ما يَتَّگد دَگْ أوسطيح ؟؟ ياك نيغاش يا بعدا إيتالي دينْ ؟؟؟ / ماذا تفعل في السطح الم أحذرك من مغبة صعودك هناك …
لم أنبسْ بشيء …
_ الله يحرق حسك …
أردَفَتْ في غضب ..
كانت يدي خلف ظهري، أترقبُ متوجسا حائرا …
_ تقيمت غير شَكْ أوتجي تموشلوت آيانَرْشو .. أنقيم لبدا نتعايَنيش .. ماتا لامُّودا .. ؟؟ .. ماتا إيموعضار ..؟؟.. يا الله غيمْ أغيمنَّشْ … / لم يبق غيرك يا قبيحُ لم يتناول غذاءه .. ما هذه العادات .. أنظل دوما ننتظرك على المائدة .. تحرك اسرعْ اجلس ماذا تنتظر ..
وإذا بالفرخ الصغير، بالوافد الجديد، بسِري الكبير، مفاجأتي الموعودة، يطفر من بين يديَّ صائتا مصوتا هائما في أجواء المطبخ وردهة الجلوس، ثم يخرج في شبه تحليق إلى زقاق الدار ( أزقاق )، فتبعته مطاردا معاندا متعثرا لاهثا حتى تمكنتُ من بدنه الضامر وقد ناله تعب شديد بين ثنايا فجوات ركام الحطب المنضود قرب زريبة الماعز ( إيكشوطن زْتَاتْ آسَنْسو نَطغاطن ) …
_ آرى تيدْ جيبو لهنا .. / هاتيه هنا ..
قالت بصرامتها الآمرة ..
فناولْتُه إياها مذعنا مستسلما، وما كان منها إلا … وياااا للمفاجأة .. ياللصدمة يا للفاجعة العارمة .. نعم .. لقد ألقت به حيا في أتون الفرن المتقد .. كان منذ ثواني فقط يتنفس، يعلو صدره الصغير ينخفض، يعب من الحياة في خمائلَ من سناء بديعة العطاء .. لقد أحْرَقَتْه .. ببرودة دم أو في ردة فعل عنيفة أو في غضب أو .. أو .. أو .. النتيجة واحدة في نهاية المطاف .. عصفور صغير في المحرقة .. لقد قتَلَتْه .. نعم .. إنه الحريق مرة أخرى .. أغمضتُ عينيَّ .. لا لم يك كابوسا .. لم يك حلما مفزعا .. كان حقيقة مروعة .. خرجتُ من الدار مهرولا في آنحدار أخب في عثار في المنعرجات، مررتُ بجانب العين وصهريج لابروال ومعصرة الزيتون القديمة والجديدة، تركت الحقول ورائي .. صعدتُ تلةً تشرف مباشرة على حافة بحيرة تامْدَا والبير ووادي المَشرع قبالة هضبة بولرباح، وكطائر قشيب ملتاع أفردتُ الجناح، وطفقتُ أصرخ في جؤار وغضب .. آآآآ .. ه …
ولما أرهقني الإعياء، جلستُ القرفصاء على أرضية جدباء إلا من كتل نبات دوم تطوقها حصوات ( تافزا ) رمادية دقيقة .. أفتحُ محجريَّ على اتساعهما .. أغلق العينين … أرى ألوان الكستناء والحميم والجحيم في البقاع كلها .. أتيه أتلاشى أضوع أنتشر أذوب كما الصهارةُ التالفة في اللا مكان .. يضيع طائري القشيب، يموت، يتفسخ، تتحلل جثته تتفحم تتحجر تتفتت ألوانه تصبح كالرماد تذروه الرياح في كل حدب وصوب .. لا .. سيظل هناك في محرقته حبيس الموقد المتقد اللعين لا يلتفت لا يرين … أتخشبُ في موقعي تلتقط أذناي أصوات الرعاة في الفلوات تسحق المدى بنبرات تمتد وتمتد في بحات مازيغية وراينية تصدح بها حناجر الحداة تحاكي جراح جبال شاهقات يعلوها أزلَها نغم ورنين وأنين كلواعج الحنين، مرفقة بجوقة عارمة لا تنقطع لصرير جَدَاجِدَ ( وَرْجيجْ ) و زيزان زائغة .. زززز .. ز .. ز .. ز … وجنادب معلقة مصائرها بتجاعيد أشجار الزيتون البري ( آزمور ) و أفنان ( آدَرْنْ ) البلوط والسنديان … لما تأكدتُ بأني لستُ وحيدا في هذه البسيطة المعقدة يشعر ويحس أو يعاني ألم فواجع الحريق عندما يضطرم لظاه في الأحشاء ويتقد في الحنايا، تحاملتُ على نفسي ما أمكنني ذلك ورجعتُ _ نعم قفلتْ راجعا رغم كل شيء _ الى الدار ( غَرْ وَخّامْ ) .. لكني غيرتُ وجهتي عند وصولي أسفل المنحدر رانيا الى المقابر القابعة في سكينة لا تبرح المكان .. هكذا وجدتني أخطـو خطواتي معرجا جهة اليسار قاطعا الغدير القادم من أعلا البلدة، في آنحدار وصعود، يتصبب العرق من جبيني المعقود .. أشهق أزفر .. أقف لحظات في قعر الوادي .. أتملى وريقات الدفلى تكللها زهيرات وردية يانعة تخللتها أشواك مسننة مُتَوَّجَة بثمار تابغا توت البر ( تاگزلت ) أحمر قان وعنب الذئاب أسود فاحم ( أطيلْ نوشن )؛ طقفتُ أقطفُ منها ما تمكنَتْ منه يداي صابرا لوخزات حادة تصيب زندي العاريين، حذرا أن لا أقعَ في أحد الجُرُف المنتشرة في كل مكانة… أجمعُ قطافي المنشور على الأرض .. أقصدُ إحدى البرك المائية الصغيرة الضحلة المليئة بالطحالب والأعشاب.أنتقي منها ما كان صافيا قليل التلوث خاليا من شوائب الأتربة والأوراق الميتة المتساقطة المبتلة.أغسل الحُبَيْبَات من شوائبها وما علق بها من عُـلِّـيْـق وغبار وبقايا أنسجة العناكب ثم أكملُ طريقي الى أفياء هناك في مقابر إيمطلان .. أفياء صامتة .. لا لجب فيها لا لغب لا حريق …





